أورد ابن شاهين في كتابه اللوحة ص ١٤ - ١٥ حديث أبي هريرة ﵁ في سؤر الهرة وفيه: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله - ﷺ -: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه سبع مرات إحداهن بالتراب، والهرة مرة (٤). ثم ساق بعده ما يدل على نسخه من
_________________
(١) حديث حذيفة أخرجه مسلم، باب جواز البول قائمًا. وانظر شرح مسلم للنووي ٢/ ١٦٥ - ١٦٦، وشرح الحديث هناك، وقال النووي: وقد روى في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت.
(٢) ابن الجوزي: إعلام العالم ص ١٣ - ١٨. رواه وضعفه، وحديث جابر رواه ابن ماجه ١/ ١١٢ رقم ٣٠٩ وضعفه في زوائد ابن ماجه ص ٤٥ وأخرجه البيهقي ١/ ١٠٢ وضعفه.
(٣) شرح مسلم للنووي ٣/ ١٦٥ - ١٦٦، وإعلام العالم ص ١٣ - ١٨.
(٤) الحديث أخرجه مسلم بدون زيادة (والهرة). انظر: شرح مسلم مع النووي ٣/ ١٨٣ - ١٨٤. ورواه غيره من أصحاب السنن. وانظر: سنن أبي داود ١/ ٥٧ رقم ٧١ الطهارة، باب الوضوء من سؤر الكلب، والتِّرمذيّ في جامعة كتاب الطهارة ١/ ٢٩٨، وغيرهم، والزيادة أخرجها أبو داود في السنن من حديث أبي هريرة ١/ ٥٨ رقم ٧٢ موقوفًا على أبي هريرة من قوله من طريق مسدد والتِّرمذيّ أيضًا في الباب السابق ١/ ٩٩ - رقم ٣٠٦٠ =
[ ١٠٢ ]
حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - (تمر به الهرة فيصفي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها) (١). ثم ذكر من حديث جابر ﵁ نحوه.
ثم تعقبه ابن الجوزي في كتابه ص ٣٠ في دعوى النسخ بعد إيراد المسألة بأدلتها وقال: من أين لهم تاريخ أن هذا بعد هذا؟. ثم بين أن الحديث الأول لم يصح بهذا اللفظ الذي ساقه ابن شاهين ومن هذه الطريق أَيضًا، لأن زيادة (والهرة) غير واردة في لفظ الحديث الصحيح عند الجماعة.
وتعتبر هذه الزيادة شاذة لأن راويها قد خالف سياقه سياق الحفاظ الثِّقات، وفيه كلام يوجب رد روايته وإن لم يخالف، وقد بين ابن الجوزي ضعف هذه الطريق أَيضًا.
هذا نموذج من المسائل التي انفرد بذكرها ابن شاهين وتعقبه عليها ابن الجوزي، وابن الجوزي قد رأى أن ابن شاهين أسرف في كتابه فأدخل فيه أحاديث ليس لها تعلق بالنسخ، وهي إما من باب التخصيص أو باب حمل المطلق على المقيد أو من باب حمل العام على الخاص مما يمكن الجمع بينهما، أو هي من باب الترجيح بين النصوص عند التعارض ومعرفة أقواها إذا لم يمكن الجمع بينهما أو معرفة المتقدم من المتأخر منهما، فلذلك كثر تعقب ابن الجوزي عليه وبين الصواب فيها.
وأحب هنا أن أبين أن مفهوم النسخ عند ابن شاهين أوسع فهو من أولئك الذين تقدم ذكرهم وبيان مفهوم النسخ عندهم وإطلاق مدلوله الواسع، فمجرد تقييد النص يسمى عندهم نسخًا.
أما الحازمي فإنَّه لم يذكر في كتابه من هذه المسائل شيئًا، إما لكونها ليست من شرط كتابه، لأن شرطه إيراد ما ثبت فيه النسخ أو هي من باب التخصيص، أو من باب حمل العام
_________________
(١) = عقب الحديث المتقدم وقال: وهذا الحديث روي عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ - ﷺ - نحو هذا ولم يذكر فيه (وإذا ولغت الهرة غسل مرة). وأخرج الدارقطني في السنن ١/ ٦٧ - ٦٨ ورجح وقفه. والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٤٧ وقال: لفظ الهرة مدرج من كلام أبي هريرة. وانظر: نصب الراية ١/ ١٣٦.
(٢) حديث عائشة أخرجه الدارقطني في السنن ١/ ٦٦ - ٦٩ بلفظه وضعفه والبيهقي ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨ وبين طرقه. والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٨، وفي المشكل ٢/ ٣٧٠. وانظر: مجمع الزوائد ١/ ٢١٦ الكلام على الحديث، ونصب الراية ١/ ١٣٣، والتلخيص الحبير ١/ ٤٢ - ٤٣، والدراية ١/ ٦١، ونيل الأوطار ١/ ٤٤، والحديث ضعيف بكل طرقه.
[ ١٠٣ ]
على الخاص، والمطلق على المقيد، أو من باب التعارض والترجيح إلى غير ذلك فلم يدخلها في كتابه الخاص بالناسخ والمنسوخ، وعلى هذا فهو لم يدونها فيه. وتبعه الجعبري في هذا المنهج كما تقدم.
أما أبو حامد الرَّازيّ فقد عقد في كتابه بابًا فيما يشبه النسخ وليس بنسخ، وساق هذه المسألة بعينها وما أشبهها وماثلها من المسائل الأخرى التي أدخلت في الناسخ والمنسوخ وهي ليست منه، ثم وجه الأحاديث الواردة في المسائل التي ظاهرها التنافي (١).
أما بقية المسائل التي انفرد بذكرها ابن شاهين وتبعه ابن الجوزي في إيرادها وتعقبه في أغلبها، فقد رتبتها على أبواب الفقه على حسب ترتيب كتاب ابن الجوزي لأنه أسهل ترتيبًا من كتاب ابن شاهين ويمكن الرجوع إليه لأنه قد حقق، وأكتفي بذكر هذه المسائل سردًا فقط بدون مناقشتها وذكر أدلتها خشية الإطالة، لأن المقام لا يتسع لذلك. ثم أشير بعد ذكرها إلى ما لدى الحازمي والجعبري من المسائل أيضًا التي انفردا بذكرها أَيضًا.