اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا وعلى وقوعه سمعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني (٤)، فإنه منع وقوع النسخ سمعًا وجوز وقوعه
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٢٣٠ - ٢٣١.
(٢) سورة الملك - آية: ١٤.
(٣) سورة الأعراف - آية: ٥٤.
(٤) هو: محمَّد بن بحر الأصفهاني، من علماء المعتزلة، كان رجلًا معروفًا بالعلم، بليغًا كاتبًا مترسلًا متكلمًا جدليًا، ولي القضاء في أيام. الخليفة المقتدر بالله العباسي في بلاد فارس وأصبهان حتى دخل بنو بويه فعزل، توفي سنة ٣٢٢ هـ. انظر ترجمته في: الوافي ٢/ ٢٤٤، ولسان الميزان ٥/ ٨٩ وطبقات المفسرين ٢/ ١٠٦ للداودي، وفي معجم الأدباء ٨/ ٣٥ وفي بغية الوعاة ١/ ٥٩، وفي الأعلام ٦/ ٥٠. وقال الشيرازي في التّبصرة ص ٢٥١، اسمه عمرو بن يحيى، وتبعه القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ٣٠٦، وفي المسودة ص ١٩٥، قال: اسمه يحيى بن عمر بن يحيى، وفي نهاية السول للاسنوي ٢/ ١٦٤، سماه الجاحظ.
[ ٨٤ ]
عقلًا. وقد اضطربت النقول في تحديد مذهبه في ذلك (١). وتحقيق مذهبه ما ذكره تاج الدين السبكي في رفع الحاجب عن ابن الحاجب فقال: "إن الخلاف بين الجمهور وأبي مسلم لفظي، فإن أبا مسلم يجعل ما كان مُغَيًّا في علم الله تعالى كما هو. مُغَيًّا باللفظ، ويسمي الجميع تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) أو أن يقول: صوموا مطلقًا، وعلمه محيط بأنه سينزل أن لا تصوموا وقت الليل، والجمهور يجعلون الأول تخصيصًا، والثاني نسخًا، ولو أنكر أبو مسلم النسخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى - ﷺ -، وإنما يقول: كانت الشريعة السابقة مغياة إلى مبعثه ﵇، وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أن هذه الشريعة مخصصة للشرائع أو ناسخة، وهذا معنى الخلاف (٣). وقد تشيع لهذا المذهب نفر من القدامى والمحدثين (٤).