تقدم أن قلنا إن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الأحكام الشرعية، ومعرفة الحلال والحرام، والآن نشير إلى بعض الحكم والأسرار المستفادة من تشريع الناسخ والمنسوخ.
١ - إن الأحكام التي ثبت نسخها بطرق النقل الصحيحة والتي كان عليها العمل في أول التشريع في عهد نزول الوحي والرسالة من نصوص الكتاب والسنّة، لتكشف النقاب عن سر التشريع ومرونته في سياسة البشرية وتربيتها على قبول الأحكام والتكاليف الشرعية بالتدريج والتخفيف حتى أذعن الناس لهذا الدين ودخلوا فيه راضين غير مكرهين ولا مجبرين، لأنهم لم يفاجأوا بالتكاليف دَفْعَةً واحدة.
٢ - إثبات النسخ على الوجه الصحيح دفع لتعارض الأدلة التي لا يزول إشكالها ولا يستقيم معناها ولا ينتظم سير التشريع بها على الوجه المطلوب منها إلَّا بإثباته.
٣ - في إثبات النسخ إظهار وإعجاز للنصوص الناسخة والمنسوخة معًا من الكتاب والسنّة، وعدم إثباته لا يحقق كثيرًا من دفع المفاسد ودرئها وجلب المصالح للعباد، ويضيق مقاصد ومرامي الشريعة السمحة الصالحة لنظم الحياة في كل زمان ومكان.
٤ - بالنسح يكشف الله تعالى لعباده عن علمه السابق الذي يظهر حكمته على مر العصور والأزمان، وفيه دلالة على بقاء هذه الشريعة وخلودها.
٥ - النسخ فيه رعاية الأصلح للمكلفين تفضلًا من الله تعالى، وفيه امتحان لهم بالامتثال للأوامر والنواهي، وهو يعلم المصلحة المترتبة على النسخ في الأحكام، ويعلم المفسدة، فإثبات الحكم ونفيه فيه مصلحة للعباد، يعلمها الذي خلقهم، ولا تنافر ولا تناقض في ذلك، بل فيه التعاضد، ومن تأمل سير التشريع علم الحكم والأسرار الكثيرة، وقد تكفلت كتب الناسخ والمنسوخ ببيان ذلك (١).
أما النسخ بين الشرائع فإنه لم يقع في القواعد الكلية ولا في العقائد وأصول التوحيد، وإنما وقع في بعض الفروع مع جوازه في الجميع عقلًا، غير أنه لم يقع، وإذا قيل إن
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٩٠ - ٩٢، حكم النسخ ونظرية النسخ في الشرائع السماوية ص ١٨ - ١٩، والابهاج على شرح المنهاج للسبكي ٢/ ٢٥٩ - ٢٦١، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٣٠٤ - ٣٠٥. والإيضاح في ناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ص ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢. وقد ذكر هؤلاء بعض حكم التشريع في النسخ عند الرد على اليهود المنكرين للنسخ.
[ ٨٣ ]
شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع فمعناه في بعض الفروع خاصة، وهذا المعنى هو الذي يقصده الأصوليون بقولهم شريعتنا ناسخة لجمِيع الشرائع (١)، فدعوة الرسل واحدة والمنبع واحد والمصدر والمنهج واحد والرسل كلهم لبنات متصاعدة مرتبة لا تناقض في رسالاتهم ولا تنافر بل تعاضد وتضافر.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى بأن تكون هذه الشريعة هي الخاتمة، فجاءت شمولية في المنهج والنظام تفي بجميع مصالح البشرية في كل زمان ومكان، صالحة حتى تقوم الساعة، يجد فيها كل فرد حاجاته وكذلك الأسرة والمجتمع، فهي ملائمة للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها.
والذي خلقهم هو أعلم بهم فشرع لهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢) سبحانه وهو القائل ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، فمن أراد بعد هذا من البشر أن يضع شرعًا فليخلق له خلقًا جديدًا يلائم تشريعه، وأنى له هذا، وأين يذهب أصحاب القوانين الوضعية الذين تركوا الشريعة الخالدة وما يدريهم أن سعادتهم فيها، فأغواهم الشيطان فزعموا أن التشريعات الوضعية هي المناسبة لروح العصر فطرحوا أحكام الشريعة ونور الله وهداه، اللهمّ اهدِنا إلى طريق الحق وإلى صراط مستقيم، وأعد لهذه الأمة أمر رشدها وعزها، يا عزيز، إنك على كل شيء قدير.