بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ ثقتي
الحمد لله المتوحد بالدوام، المتفرد بالنقض (١) والإِبرام (٢)، وصلاته على سيدنا محمَّد المرسل إلى سائر الأنام (٣)، أكمل بشريعته الإِسلام، وعلى آله وصحبه الكرام، ما عاقب ضياء ظلام. وبعد:
فلما وفقني الله تعالى لإِتمام كتاب (الناسخ والمنسوخ في الكتاب العزيز)، ألهمني أن أشفعه بكتاب يشتمل على (الناسخ والمنسوخ في الأحاديث النبوية) (٤) تكميلًا لفائدة طلبة الحديث إذ كانا (٥) من أقوى أدلته، وافتقارهم إليهما واضح، وما زال ذلك متداولًا بين الصَّحَابَة والتابعين متفرقًا في كتب السنّة، وذكر منه الشَّافعيّ طرفًا صالحًا في كتابه الرسالة، ثم جرد له أئمة الحديث مصنفات كالزهري والحافظ أبي الفرج عبد الرَّحْمَن بن الجوزي، والحافظ أبي بكر محمَّد الحازمي (٦). فأتبعت الحسن الحسنة، واستسنيت (٧) بسنتهم طلبًا للثواب وإرشادًا للطلاب فألفت فيه كتابًا مختصرًا (٨) جامعًا لمتفرقاته، حاصرًا لمتشعباته،
_________________
(١) النقض: الإِبطال، ونقضت الطهارة أبطلتها، ونقضت الحبل حللت برمه. انظر مادة (نقض) في المصباح المنير ص ٦٢١.
(٢) الإبرام: الأحكام، وأبرم الشيء أحكمه ودبره. انظر: المصباح المنير ص ٤٥ مادة (برم).
(٣) الأنام: كل ما على وجه الأرض، وقيل خاص بالإنس والجن. انظر: المصباح المنير ص ٢٦ مادة (أنام).
(٤) انظر فصل آثار المصنف المقدمة ص ٦١ من هذه الرسالة.
(٥) كأن المصنف أعاد الضمير إلى الناسخ والمنسوخ في الأحاديث فلذا أتى به مثنى أو إلى النسخ في الكتاب والسنة.
(٦) تقدم التعريف بهؤلاء الأعلام ودراسة مؤلفاتهم في هذا الفن في المقدمة.
(٧) أي سلكت طريقهم، واستسن الطريق: سارها وسلكها. انظر: المعجم الوسيط ١/ ٤٥٨.
(٨) الاختصار: هو تجريد اللفظ اليسير من الكلام الكثير مع بقاء المعنى. تاج العروس ٣/ ١٧٨ مادة (خصر).
[ ١٢٥ ]
بألفاظ محبرة (١) ومعان محررة (٢)، نبهت فيه على غوامض ما كدت أن (٣) أسبق إليها، وذلك تفضلًا من السابق على اللاحق، ولعمري أنها سنة قد اندرست (٤)، ورباع (٥) قد خلت، وخلفت البُغثان (٦) النسور قال أمرها إلى الدثور:
خلا الجذع من ليلي وهاتيك دارها وأظلم لما أن توارت بدورها
وأقوت (٧) عقيب الراحلين قصورهم وقد عمرت بالنازلين قبورها
فيا صاحبي ماذا انتظارك بعدهم فلا شك أن عن قريب نزورها (٨)
لولا بقية صالحة قومت أودَه (٩)، وسددت بدَدَه (١٠)، إظهارًا لمعجزة سيدنا ونبينا
_________________
(١) التحبير: هو التزيين، والمحبر المزين، وحبرت الشيء حبرًا زينته وفرَّحْتُه. المصباح المنير ص ١١٧ مادة (حبر).
(٢) التحرير: التقويم والتحسين، وحررت الكتاب قومته بإصلاح سقطه وإقامة حروفه وتحسينه. انظر: تاج العروس ٣/ ٢٣٧ مادة (حر).
(٣) اقتران خبر (كاد) بـ (أن) قليل، هي بعكس (عسى) قال ابن مالك: وكونه بدون أن بعد عسى نزر وكاد الأمر فيه عكسا أي أن خبر (عسى) الغالب فيه اقترانه بـ (أن)، وخبر (كاد) عكسه. انظر حاشية الخضري مع شرح ابن عقيل ١/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٤) اندرس: يقال درس درسًا ودروسًا: عفا، وذهب أثره وتقادم عهده، والشيء غيره أو محا أثره. انظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٧٩ مادة (درس).
(٥) الرباع: جمع ربع محلة القوم، ومنزلهم ويطلق على القوم مجازًا قال الزمخشري: ومن المجاز حيّا الله ربعك: أي قومك. انظر: أساس البلاغة ص ١٥٢، والمصباح المنير ص ٨٥٦ مادة (رباع) ويقال: دثر الرسم: درس. مختار الصحاح ص ١١٨ (دثر).
(٦) البغثان: كغزلان: جمع بغاث، ويثلث أَيضًا، والبغاث طاثر أغبر رمادي اللون من طيور الماء، طويل العنق بطيء الطيران ليس من جوارح الطير، وقيل من شرار الطيور. وفي المثل يقال للئيم يرتفع أمره: "إن البغاث بأرضنا يستنسر". انظر: أساس البلاغة ص ٢٦، والمعجم الوسيط ١/ ٦٤.
(٧) أقوت: خلت. مختار الصحاح ص ٥٥٨. (ق و١).
(٨) يغلب على الظن أن هذه الأبيات للمصنف نفسه وإن لم يصرح بذلك، ولم أجد من نسبها له ممن ترجموا له، ولكني لم أجدها في دواوين الشعر ولم أر من عزاها لقائل معين.
(٩) أوده: اعوجاجه. وأوِدَ الشيء اعوج بابه طرب، وتأود: تعوج. تاج العروس ٢/ ٢٩٢، ومختار الصحاح ص ٣٢ مادة (أود) ومقصود المصنف تقويم اعوجاج هذا الفن الذي قد اندرس وتبدد.
(١٠) بدده: تبدد: تفرق، وبدده فرقه. انظر: تاج العروس ٢/ ٢٩٥، ومختار الصحاح ص ٤٣ مادة (ب د د).
[ ١٢٦ ]
محمَّد - ﷺ -، ورتبته على مقدمة وأبواب وسميته (رسوخ الْأَحبار في منسوخ الأخبار) (*) وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (١).
أما المقدمة: ففيها فصول: