يدور معنى النسخ في اللغة على عدة معان:
أ - بمعنى الرفع والإِزالة: والإِزالة نوعان: إزالة إلى بدل: وهي عبارة عن إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، كنسخت الشمس الظل: أذهبته وحلت محله. والشيب الشباب.
وإزالة إلى غير بدل - أي من غير تعويض عن المنسوخ - وهي عبارة عن رفع الحكم وإبطاله. كنسخت الريح أثر القوم: أي أبطلتها وعفت عليها (١).
ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٢). أي يبطل ما يلقي الشيطان ثم يثبت آياته.
والنسخ بمعنى الإِزالة حقيقة عند جمهور أهل اللغة والأصول وهو اختيار أبي الحسين (٣) البصري المتوفى سنة ٤٣٦ هـ من أئمة الأصول. والإِمام الفخر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ (٤)، ورجحه سيف الدين الآمدي (٥) المتوفى سنة ٦٣١ هـ، ومال إليه أكثر
_________________
(١) راجع معنى النسخ لغة في معجم مقاييس اللغة ٥/ ٢٢٤، وتاج العروس ٢/ ٢٨٢، وترتيب لسان العرب ٣/ ٦٣٤، والمغرب ص ٤٤٩، والمصباح المنير ص ٦٠٢، ومختار الصحاح ص ٦٠٦، وتهذيب الصحاح ١/ ٢٠٥، وأساس البلاغة ص ٤٥٤ مادة نسخ. وانظر: الاعتبار ص ٦، والمحصول ق ٣/ ١/ ٤١٩، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٣٦، والنسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد ١/ ٥٥.
(٢) سورة الحج - آية: ٥٢، وانظر: تفسير الجلالين ٢/ ٤١ معناها.
(٣) المعتمد ١/ ٣٩٤.
(٤) المحصول ق ٣/ ١/ ٤١٩ - ٤٢٢.
(٥) الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ٧٩ ]
المتأخرين من أصحاب الأصول من الشافعية والمالكية والحنابلة (١).
ب- وبمعنى النقل والتحويل: وهو نقل مع بقاء الأول: كنسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه، وليس المراد انعدام ما فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٣).
وتحويل مع بقاء الشيء في نفسه، يقول أبي حاتم السجستاني (٤) من أئمة اللغة: النسخ أن يحول ما في الخلية من العسل والنحل إلى أخرى، ومنه تحويل المناسخات في المواريث، فإنها تنقل من قوم إلى قوم مع بقائها في نفسها، وتناسخ الأزمنة والقرون، وتناسخ الأرواح عند القائلين به (٥).
والنسخ بمعنى النقل والتحويل مجاز عند الجمهور، حقيقة عند الأحناف والقفال من الشافعية (٦).
وقال القاضي والغزالي مشترك بينهما (٧): ولم يرجح ابن الحاجب أحدًا منهما، ومثله
_________________
(١) انظر: شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٢٥ - ٥٢٦، والعدة في أصول الفقه ٣/ ٧٦٨ لأبي يعلي بن الفراء، والتفسير الكبير للفخر الرازي ٣/ ٢٢٦، وشرح منهاج البيضاوي للبدخشي ٢/ ١٦٢، وشرح مختصر منتهى ابن الحاجب ٢/ ١٨٥.
(٢) سورة الجاثية - آية: ٢٩.
(٣) سورة الأعراف - آية: ١٥٤.
(٤) هو أبو حاتم سهل بن محمَّد بن عثمان الجشمي السجستاني، من كبار علماء اللغة والشعر، من أهل البصرة، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ لازمه المبرد وأخذ منه. انظر ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٢١٨، وبغية الوعاة ١/ ٦٠٦ - ٦٠٧، ونزهة الألباء للأنباري ص ٢٥١، وإنباه الرواة ٢/ ٥٨، والأعلام ٣/ ١٤٣.
(٥) انظر: الاعتبار ص ٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٣٦، والمحصول ق ٣/ ١/ ٤٢٠.
(٦) المحصول ق ٣/ ١/ ٤٢٠. القفال الشاشي: أبو بكر محمَّد بن علي بن إسماعيل، من كبار الفقهاء وعلماء عصره في الحديث والفقه واللغة والأدب، سمع من ابن جرير الطبري والباغندي، توفي سنة ٣٣٦ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الشيرازي ص ٩١، وفي وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣، والعبر ٢/ ٣٣٨، وتبيين كذب المفتري ص ١٨٢، ومعجم الأدباء ٦/ ٣٧٩، والنجوم الزاهرة ٤/ ١١١، وشذرات الذهب ٣/ ٥١ - ٥٢، وطبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٢٠٠، ومفتاح السعادة ١/ ٢٥٢، ٢/ ٧٨.
(٧) المستصفى ١/ ١٠٧، ونهاية السول للاسنوي ٢/ ١٦٤ والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٣٦.
[ ٨٠ ]
بن السبكي والإسنوي (١).
والأول قول الأكثر من أئمة الأصول (٢).