رحل برهان الدين الجعبري إلى كثير من البلدان والمدن والأمصار الإِسلامية طلبًا للعلم والاستزادة من الثقافة والمعرفة والاطّلاع على أنواع العلوم ومختلف الفنون، وللاجتماع بأشهر الحفاظ والقرّاء من شيوخ العلم والأخذ عنهم والسماع المباشر منهم، فاقتفى في ذلك أثر المحدثين وسنّتهم في الرحلة، لأنهم أكثر اهتمامًا بها من غيرهم من بقية الفقهاء والعلماء الآخرين.
وقد كانت رحلته الأولى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية التي كانت من أهم مراكز العلم في العالم، ومحط أنظار أفذاذ العلماء يقصدونها من أقصى الشرق والغرب.
وقد توجه إليها عالمنا بعد عام ٦٦٠ هـ، وذلك عقب غزو التتار لها، بعد أن جمع حصيلة علمية من بلده. وهذه الرحلة هي أعظم رحلة قام بها، واستفاد منها كثيرًا، وإلَّا فقد قام قبلها برحلة بمرافقة والده إلى حلب إلى مجلس يوسف بن خليل -كما تقدم- (٢) ثم إلى الموصل للأخذ عن ابن يونس، وهو في سن الطفولة قبل أن يتجاوز الثامنة من عمره.
واشتغل بالعلم في بغداد على كبار الحفاظ والمقرئين، واكتسب فيها المعارف والعلوم، وتخصص بالقراءات. وقد كانت (بغداد) في هذه الفترة قد ساءت الأحوال بها، واضطربت الأمور فيها، وتدهورت أوضاعها، واختل أمنها بسبب غزو التتار لها بعد أن تبوأت السيادة والمكانة العلمية في العالم الإِسلامي، فكانت ذات أهمية حضارية وسياسية واجتماعية وثقافية عامرة بالعلم ورجاله.
وقد التحق بالمدرسة النظامية (٣)، وحضر دروس المشايخ بالمدرسة المستنصرية (٤)،
_________________
(١) تقدم الحديث عن دول المماليك في الشام ومصر ص ٢٤ - ٢٦.
(٢) ص، ٣٤.
(٣) هذه المدرسة أنشأها نظام الملك الوزير الحسن بن علي بن إسحاق أبو علي، وزير الملك ألب أرسلان السلجوقي في بغداد، وقد دام أبو علي في الوزارة تسعًا وعشرين سنة، تولى فيها الوزارة على أحسن سيرة، وتوفي سنة ٤٨٥ هـ. انظر ترجمته في: البداية والنهاية ١٢/ ١٤٠، وقد عين في هذه المدرسة كبار الفقهاء من الشافعية أبو إسحاق الشيرازي ثم ابن الصباغ.
(٤) المدرسة المستنصرية: أول من أنشأها هو الخليفة المستنصر بالله منصور بن محمَّد (الطاهر بأمر الله) بن =
[ ٣٨ ]
وحضر مجالس كبار العلماء وتلا عليهم القراءات بالسبع وبالعشر، وأخذ حظه وقسطه عن علماء (بغداد) ممن ظل ملازمًا معتكفًا بها رغم ما حدث بها. وتحمل الجعبري الصعوبات، وتجشم العقبات في سبيل تحصيل العلم، ونال ما كان يصبو إليه بهمة عالية، وأخذ الفقه عن أبي العز محمَّد بن عبد الله البصري الشافعي المدرس بالمدرسة النظامية والذي كان حيًا في (بغداد) قبل عام ٦٧١ هـ (١).
وأصبح بعد ذلك من الأعلام المشار إليهم بالبنان، وعد من علماء (بغداد) وبها تخرج، وفاق الأقران، ولقب بتقي الدين، فأدرك الفوائد العلمية، واتسع أفقه العلمي، وارتفع مستواه، واطلع على أكثر الكتب، وبذل الجهد، وجرّد ساعد الجد والاجتهاد، وبدأ مرحلة التأليف، وبرع في القراءات، فكتب فيها كتابه (نزهة البررة في قراءات الأئمة العشرة)، وكتابه (عقود الجمان في تجويد القرآن) (٢)، وعرضهما على شيخه منتجب الدين التكريتي أبو علي الحسين (٣) بن الحسن المقرئ الفقيه الحنبلي المتوفى سنة ٦٨٨ هـ، وهو الذي تخرج عليه في القراءات وسمع منه وقرأ عليه بعض الكتب (٤).
وفي هذه الفترة عمل ردًا على المآخذ الواردة على كتاب التعجيز من قبل شيخه سراج الدين عبد الله بن (٥) عبد الرحمن بن عمر الشارمساحي المالكي المتوفى سنة ٦٦٠ هـ الذي كان معيدًا بالمدرسة المستنصرية، وقد عرض الرد على صاحب (التعجيز) ابن يونس وهو
_________________
(١) = الناصر بن المستضيء، الخليفة العباسي، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة ٦٢٣ هـ، وقد جعل المستنصر هذه المدرسة في بغداد للمذاهب الأربعة وجعل فيها دار حديث، وحماما، ودار طب، وجعل فيها من المعاش ما يحتاج إليه الدارسون ووقف عليها أوقافًا عظيمة. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ١٤٩، وفي السلوك ١/ ٣١٠ - ٣١١. وتوفى الخليفة المستنصر بالله سنة ٦٤٠ هـ.
(٢) انظر: برنامج ابن جابر الوادي آشي ص ٥١.
(٣) سيأتي التعريف بهما في فصل آثار المصنف ومؤلفاته ص ٦٣، ٦٨.
(٤) له ترجمة في: غاية النهاية ١/ ٢٤٠ رقم ١٠٩٩، وفي عوالي مشيخة المصنف ق ٦٢/ أ.
(٥) عوالي مشيخة برهان الدين ق ٦١/ أ.
(٦) له ترجمة في: الديباج المذهب ١/ ٤٤٨، وفي شجرة النور الزكية ١/ ١٨٧، وشارمساح: اسم بلدة بمصر تقع على الضفة الشرقية لفرع دمياط، وفي معجم البلدان ٤/ ٢١٢ هي إحدى قرى الدقهلية. وانظر: القاموس الجغرافي للبلاد المصرية ص ٢٤٣، والشارمساح - بشين معجمة بعدها ألف وراء مهملة وميم ساكنة وسين مهملة وألف وحاء مهملة - كما في الديباج المذهب.
[ ٣٩ ]
شيخه (١) أيضًا -كما تقدم-.
ثم بعد عام ٦٧١ هـ (٢)، وبعد أن توفي تاج الدين ابن يونس لم يمكث الجعبري كثيرًا في (بغداد) فاتجه بعدها إلى الشام، فقام برحلة جديدة، فنزل (دمشق) عاصمة الدولة الأموية، طالبًا للمزيد من العلم والاطّلاع، ولما احتلت (دمشق) من سيادة ومكانة علمية في عصر المماليك بعد أن تضاءلت أهمية (بغداد) بسبب تدهور أوضاعها وأمنها وقلّ العلماء بها، وتقدم أن ذكرنا ذلك في عصر المؤلف أن كثيرًا من العلماء وجدوا العناية من قبل حكام (دمشق)، ولعل هذا هو السبب الذي دعا عالمنا إلى القيام بهذه الرحلة إلى (دمشق)، فنزل فيها بالخانقاه السميساطية (٣)، وأعاد بالغزالية (٤)، وسمع من كبار الحفاظ منهم: الفخر ابن البخاري (٥) المتوفى سنة ٦٩٠ هـ، والفخر ابن الفخر البعلبكي (٦) المتوفى سنة ٦٩٩ هـ، وباحث وناظر، وأفاد الطلبة (٧).
ثم انتقل بعد ذلك إلى بلد الخليل (بفلسطين) وأقام بها بضعًا وأربعين (٨) عامًا، ولم أر
_________________
(١) انظر: عوالي مشيخة برهان الدين ق ٦١/ أ، وبرنامج ابن جابر الوادي آشي ص ٥١.
(٢) لم أعثر على تحديد زمن هذه الرحلة، ولكن كان الجعبري في هذه الفترة موجودًا في (بغداد) ومن خلال ذلك قلت هذا على وجه التقريب لا بالتحديد.
(٣) هي خانقاه تقع بجوار مسجد بني أُميّة بدمشق، تنسب إلى واقفها أبو القاسم علي بن محمَّد بن يحيى بن محمَّد السلمي الدمقشي المعروف بالسميساطي نسبة إلى سميساطية بلدة تقع على نهر الفرات وكان له معرفة بالحديث وعلم الهندسة والهيئة، وقد وقف أموالًا عظيمة في أنواع البر وأوجه الخير. انظر ترجمته في الدارس ٢/ ١٥١، وقد توفي سنة ٤٥٣ هـ عن ٧٦ سنة.
(٤) الغزالية: يطلق هذا الاسم على الزاوية الغربية من جامع بني أمية بدمشق، وتنسب إلى الغزالي، لأنه عند دخوله (دمشق) منعه الصوفية من النزول بالخانقاه السميساطية فنزل بهذا المكان. انظر: الدارس ١/ ٤١٣ - ٤١٤.
(٥) الفخر ابن البخاري: هو أحد شيوخ المصنف في الحديث. ستأتي ترجمته في شيوخ المصنف ص ٤٤ - إن شاء الله-، وانظر: طبقات الشافعية للسبكي ٩/ ٣٩٩، والمعجم المختص للذهبي ق ٢٠/ أ، والوافي ٦/ ٧٥، والدرر الكامنة ١/ ٥٠، وفوات الوفيات ١/ ٣٩، فقد ذكروا سماع الجعبري منه.
(٦) الفخر ابن البعلبكي: هو شمس الدين محمَّد بن الإِمام فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي المتوفى سنة ٦٩٩ هـ. انظر: شذرات الذهب ٥/ ٤٥٢، وانظر المصادر المتقدمة فقد ذكرت سماع الجعبري منه.
(٧) انظر: الوافي بالوفيات ٦/ ٧٤ - ٧٥.
(٨) البضع: في العدد بالكسر، ويفتح عند بعضهم. وهو قطعة مبهمة في العدد، ويستعمل من الثلاثة إلى التسعة، وقال ثعلب: من الأربعة إلى التسعة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وإذا استعمل من ثلاثة =
[ ٤٠ ]
من حدد بداية هذه الرحلة إلى (الخليل) ولكنها كانت قبل عام ٦٨٨ هـ، لأنه في هذا العام قد كان بالمدينة المنورة كما صرح المؤلف بذلك في آخر كتابه (خلاصة الأبحاث في شرح نهج القراءات الثلاث) (١) الذي أملاه بالمدينة المنورة في هذا العام، وكان قد اتجه من الخليل إلى المدينة قبل هذا العام للحج، ثم أقام بها مدة يسيرة.
ومن جانب آخر فقد صرح أيضًا في كتابه (الجميلة شرح العقيلة) (٢) بأنه رحل إلى مصر، ولم أجد من ذكر هاتين الرحلتين ممن ترجم له. ولكنهم اتفقوا بأنه أقام في بلد (الخليل) بضعًا وأربعين عامًا، وفي عام ٦٩٠ هـ ولد ابنه محمَّد بن إبراهيم في بلد (الخليل) (٣)، وفي عام ٦٩٥ هـ (٤) رحل إليه شمس الدين الذهبي من (دمشق) وهو في طريقه إلى مصر، وفي عام ٧٢٢ هـ أخذ عنه ابن جابر الوادي آشي في أثناء رحلته إلى الشرق من تونس (٥).
ثم أخيرًا عكف برهان الدين الجعبري في بلد (الخليل) متوليًا بها الإِفتاء والقضاء والخطابة ونشر العلم لطلابه بالتأليف والتدريس، وانقطع إلى عبادة ربه بفعل الطاعات والخدمات الجليلة النافعة مفيدًا للطلاب، وعمّر عمرًا طويلًا حتى أدركه الأحفاد، واستمرت شهرته في بلد (الخليل) وفي عقبة من بعده، ولم يمح أثرهم من المنطقة حتى اليوم، فأسرة آل جعبر ما زالت بالخليل تدعى بهذا الاسم.