٢٨ - عنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ ياأَبا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: كُنْتُ جُنُبًَا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: سُبْحانَ اللهِ، إِنَّ المُؤْمِنَ لايَنْجُسُ» (١).
_________________
(١) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (٢٧٩)، كتاب: الغسل، باب: عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس، و(٢٨١)، باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، ومسلم (٣٧١)، كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس، وأبو داود (٢١٣)، كتاب: الطهارة، باب: في الجنب يصافح، والنسائي (٢٦٩)، كتاب: الطهارة، باب: مماسة الجنب ومجالسته، والترمذي (١٢١)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في مصافحة الجنب، وابن ماجه (٥٣٤)، كتاب: الطهارة، باب: مصافحت الجنب. * مصَادر شرح الحَدِيث: «عارضة الأحوذي» لابن العربي (١/ ١٨٤)، و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (٢/ ٢٢٦)، و«المفهم» للقرطبي (١/ ٦١٨)، =
[ ١ / ٣٦١ ]
الجنابة فعالة من البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وهو البعيد الذي ليس بقرابة، على أظهر الأقوال فيه.
وعن الشافعي -﵀-: إنما سمي جنبا؛ من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل: إذا خالط امرأته.
قال بعضهم: وكأن هذا ضد المعنى الأول؛ كأنه من القرب منها.
ق: وهذا لا يلزم؛ فإن مخالطتها مؤدية للجنابة التي معناها: البعد (١).
قلت: وفيه نظر.
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «فانخنست منه» قال الجوهري: خنس عنه يخنس - بالضم -؛ أي: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه، ومضى عنه (٢).
وقال غيره: الانخناس: الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك في المعنى (٣).
_________________
(١) = و«شرح مسلم» للنووي (٤/ ٦٥)، و«شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (١/ ٨٩)، و«العدة شرح العمدة» لابن العطار (١/ ١٩٨)، و«فتح الباري» لابن رجب (١/ ٣٣٤)، و«النكت على العمدة» للزركشي (ص: ٤٦)، و«التوضيح» (٤/ ٦٤٢)، و«الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» كلاهما لابن الملقن (٢/ ٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٩٠)، و«عمدة القاري» للعيني (٣/ ٢٣٧)، و«كشف اللثام» للسفاريني (١/ ٣٨٥)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٢٥).
(٢) انظر: «شرح عمدة الأحاكام» لابن دقيق (١/ ٨٩).
(٣) انظر: «الصحاح» للجوهري (٣/ ٩٢٥)، (مادة: خنس).
(٤) انظر: «شرح عمدة الأحاكام» لابن دقيق (١/ ٨٩).
[ ١ / ٣٦٢ ]
وهو -والله أعلم- راجع إلى معنى قول الجوهري.
وقيل: خنس: يستعمل لازما ومتعديا، فاللازم نحو ما جاء في الحديث: «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، إذا ذكر الله، خنس، وإذا غفل وسوس» (١)، أو كما قال، والمتعدي كما جاء (٢) في الحديث أيضا:
«وخنس إبهامه» (٣).
قلت: يحتمل أن لا يكون في (٤) ذلك دليل على تعدي خنس؛ لاحتمال أن يكون قد أشرب معنى حبس - بالحاء المهملة والباء الموحدة - أو قبض، فيرجع إلى ما قاله الجوهري.
ق: وقد روي في هذه اللفظة «فانتجست (٥) منه) (٦) - بالجيم - من الانبجاس (٧)، وهو الاندفاع؛ أي: اندفعت عنه، ويؤيده قوله في حديث
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٧٧٤)، والضياء في الأحاديث المختارة (١٠/ ٣٦٧) عن ابن عباس - ﵄ - من قوله. وانظر: فتح الباري لابن حجر (٨/ ٧٤١ - ٧٤٦).
(٢) جاء ليس في «ق».
(٣) رواه الدارقطني في سننه (٢/ ١٦٣)، من حديث رافع بن خديج - ﵁ -. وإسناده ضعيف. وانظر: حاشية ابن القيم على السنن (٦/ ٣٢١).
(٤) في «ق»: فيه.
(٥) في «خ»: فانتجست.
(٦) كذا لأبي السكن والحموي وأبي الهيثم، كما ذكر القاضي عياض في مشارق الأنوار (١/ ٧٨).
(٧) في «خ»: الانتجاس.
[ ١ / ٣٦٣ ]
آخر: «فانسللت منه» (١)، وروي في هذه اللفظة أيضا: «فانبخست منه» (٢)؛ من البخس الذي هو النقص، وقد استبعدت هذه الرواية، ووجهت -على بعدها- بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله - ﷺ -، أو مصاحبته؛ لاعتقاده نجاسة نفسه، هذا، أو معناه، انتهى (٣).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: ويروى: «فانتجست» (٤) - بالنون ثم التاء المعجمة باثنتين فوق -، المعنى: اعتقدت نفسي نجسا، ومعنى «منه»: من أجله؛ أي: رأيت نفسي نجسا بالإضافة إلى طهارته وجلالته (٥).
الثاني: قوله: «كنت جنبا»، يقال: جنب الرجل، وأجنب: إذا أصابته الجنابة، ويقال: جنب: للمذكر والمؤنث، والمثنى والمجموع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]،
وقال بعض أزواج النبي - ﷺ -: إني كنت جنبا (٦). وقد يقال: جنبان،
_________________
(١) رواه ابن حبان في صحيحه (١٢٥٩).
(٢) كذا للأصيلي وأبي الحسن القابسي والنسفي والمستملي، كما ذكر القاضي عياض في مشارق الأنوار (١/ ٧٨).
(٣) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ٨٩).
(٤) ذكرها الحافظ رشيد الدين بن العطار في كتابه غرر الفوائد المجموعة (ص: ١٨٤).
(٥) انظر: عارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ١٨٥).
(٦) رواه أبو داود (٦٨)، كتاب: الطهارة، باب: الماء لايجنب، والنسائي (٦٥)، كتاب: الطهارة، باب: ماجاء في الرخصة في ذلك، وابن ماجه (٣٧٠)، كتاب: الطهارة، باب: الرخصة بفضل وضوء المرأة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فجاء النبي -ﷺ- =
[ ١ / ٣٦٤ ]
وجنبون، وأجناب (١).
الثالث: قوله: «فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة»: فيه استحباب الطهارة عند مجالسة العظماء، وأهل الدين والفضل، حتى يكون على أكمل الحالات، وأحسن الهيئات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله في مجالسة شيخه، فيكون متطهرا، متنظفًا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص الأظفار، وإزالة الأروائح الكريهة، وغير ذلك مما في هذا المعنى؛ فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء (٢).
لا ما يفعله أكثر فقهاء العصر؛ من تكبير العمائم، وتوسيع الثياب والأكمام، وإطالتها وترفيعها وصقالها؛ لقصد المباهاة بينهم، حتى
يخرجوا في ذلك إلى أن يتجاوزوا (٣) بها الكعبين، وينسون قوله - ﷺ -: «أزرة المؤمن إلى نصف الساق، لا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا، لم ينظر الله إليه» رواه أبو داود بإسناد صحيح (٤). وهذا من أكبر دليل
_________________
(١) = ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يارسول الله! إني كنت جنبا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الماء لا يجنب».
(٢) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ٨٩).
(٣) انظر: شرح مسلم للنووي (٤/ ٦٦).
(٤) في (ق): "يتجاوز.
(٥) رواه أبو داود (٤٠٩٣)، كتاب: اللباس، باب: في قدر موضع الإزار، وابن ماجه (٣٥٧٣)، كتاب: اللباس، موضع الإزار أين هو؟، والنسائي في السنن الكبرى (٩٧١٤)، وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ١ / ٣٦٥ ]
على أنهم لم يقصدوا بالعلم وجه الله تعالى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر (١) إليه، فنسأل الله تعالى إخلاص النية في القول والعمل بمنه وفضله.
وفي الحديث -أيضا - من الآداب: أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخالف العادة، ويخاف عليه خلاف الصواب، أن يسأله عنه، ويبين حكمه، وينبه على صوابه (٢).
الرابع: قوله -﵊-: «سبحان الله»: هو من المصادر اللازمة للنصب كريحان الله، بمعنى: استرزاقه، ومعاذ الله، وغفرانك لا كفرانك، وأشباه ذلك مما هو منصوب بفعلٍ مضمر لا يجوز إظهاره، ومعناه: تنزيه الله وبراءته عن الصفات التي لا تليق
بجلاله وكماله، وهو يستعمل مفرَدًّا، ومضافًا، فإذا أفرد، فمنهم من ينونه، ومنهم من لا ينونه، فمن ترك تنوينه قوله: [السريع]
أَقولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفاخِرِ (٣)
ومن تنوينه قوله:
_________________
(١) في (ق): "هجر.
(٢) انظر: شرح مسلم للنووي (٤/ ٦٧).
(٣) البيت من قصيدة للأعشى ميمون، كما ذكر البغدادي في خزانة الأدب (٣/ ٣٩٨).
[ ١ / ٣٦٦ ]
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا نَعُوذُ بِهِ وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ (١) (٢)
فمن ترك تنوينه، جعله علما، فمنعه الصرف؛ للتعريف، وزيادة الألف والنون، ومن نونه، جعله نكرة، وقيل: بل صرفه للضرورة،
وأما من قال: إنه مقطوع عن الإضافة، فضعيف، أو باطل (٣).
والمراد به في الحديث: التعجب من أن أبا هريرة -﵁- اعتقد نجاسة نفسه بسبب (٤) الجنابة، ولم يرد عليه - ﷺ - استحبابه الطهارة في مجالسته.
الخامس: قوله -﵊-: «إن المؤمن لا ينجس»: يقال: نَجِسَ يَنْجَسُ -بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع: كعَلِم يَعْلَم، وَنجَس ينجُس - بفتح الماضي، وضم المضارع -؛ كقَتل يقتُل، لغتان مشهورتان (٥).
ح: هذا أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا، فأما الحي
_________________
(١) في (ق): "سُبْحَانا ذِي الْعَرْشِ سُبْحَانًا .. وَقَبْلُ قَدْ سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ
(٢) هذا البيت من أبيات ورقة بن نوفل، قالها لكفار مكة حين رآهم يعذبون بلالا على إسلامه. انظر: «الروض الأنف» للسهيلي (١/ ٣٢٩)، و«خزانة الأدب» للبغدادي (٣/ ٣٨٩).
(٣) انظر: «الكتاب» للسيبويه (١/ ٣٢٤)، و«المقتضب» للمبرد (٣/ ٢١٧).
(٤) في (ق): "لسبب.
(٥) انظر: «لسان العرب» لابن منظور (٦/ ٢٢٦)، (مادة: نجس).
[ ١ / ٣٦٧ ]
فطاهر بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين، ولا يجيء فيه (١) الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه؛
فإن فيه وجهين؛ بناءً على رطوبة الفرج، هذا حكم المسلم الحي، وأما الميت، ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان؛ الصحيح منهما: إنه طاهر، ولهذا غسل، ولقوله - ﷺ -: «إنَّ المؤمن (٢) لا ينجسُ».
قلت: والقولان في مذهب مالك أيضًا:
قال: وذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس -﵂- تعليقًا: «المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا» (٣)، هذا حكم المسلم.
وأما الكافر، فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد: نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد: أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما.
_________________
(١) في (ق): "منه.
(٢) في (ق): "إن المسلم.
(٣) رواه البخاري في صحيحه (١/ ٤٢٢)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١١٣٤) موصولا.
[ ١ / ٣٦٨ ]
قلت (١): وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المشرك نجس في حال حياته، أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. قال: فإذا ثبت طهارة الآدمي مسلِمَا كان أو كافرا، فعرقه، ولعابه، ودمعه، طاهرات، سواء كان محدثًا، أو جنبا، أو حائضا، أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين، وكذلك الصبيان؛ أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة، والله أعلم، انتهى (٢).
قلت: وينبغي أن يكون هذا الخلاف -في طهارة الآدمي ونجاسته بعد الموت-، مختصا بغير الأنبياء، على جميعهم الصلاة والسلام، ولم أر من تعرض لهذا، ولكن (٣) هو الذي يقوى في نفسي؛ لعظيم المرتبة وعلو المنزلة، وشريف المزية على سائر الخلق، والله أعلم.
ومما يوجب القطع بذلك: الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت -على ما نقله القاضي أبو بكر بن العربي-، فلتكن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم- بذلك أولى.
* * *
_________________
(١) (قلت) ليس في خ.
(٢) انظر: شرح مسلم للنووي (٤/ ٦٦).
(٣) في (ق): "ولكنه.
[ ١ / ٣٦٩ ]