٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ -﵃-، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
«وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (١).
_________________
(١) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (١٦١)، كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، ومسلم (٢٤١)، (١/ ٢١٤)، كتاب: الطهارة، باب: غسل الرجلين بكمالهما، وأبو داود (٩٧)، كتاب: الطهارة، باب: في إسباغ الوضوء، والنسائي (١١١)، كتاب: الطهارة، باب: إيجاب غسل الرجلين، وابن ماجه (٤٥٠)، كتاب: الطهارة، باب: غسل العراقيب، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-. ورواه البخاري (١٦٣)، كتاب: الوضوء، باب: غسل الأعقاب، ومسلم (٢٤٢)، (١/ ٢١٤)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، والنسائي (١١٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء: «ويل للأعقاب من النار»، وابن ماجه (٤٥٣)، كتاب: الطهارة، باب: غسل العراقيب، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ورواه مسلم (٢٤٠)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، وابن ماجه (٤٥١)، كتاب: الطهارة، باب: غسل العراقيب، عن عائشة - ﵂ - =
[ ١ / ٤٨ ]
* التعريف:
قد تقدم الكلام على أبي هريرة -﵁- (١).
وأما عبد الله بن عمرو بن العاصي: فقرشي سهمي.
يكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا نصير.
قال ابن معين: كنيته أبو عبد الرحمن، والأشهر أبو محمد. ولم يَفُتْهُ أبوه في السن إلا باثنتي عشرة سنة، ولد لعمرو عبد الله (٢) وهو ابن اثنتي عشرة سنة، أسلم قبل أبيه، وكان فاضلًا حافظًا عالمًا، قرأ الكتب، واستأذن النبي - ﷺ - في أن يكتب حديثه، فأذن له، قال: يا رسول الله! أكتب كل
_________________
(١) = * مصَادر شرح الحَدِيث: معالم السنن للخطابي (١/ ٤٦)، والاستذكار لابن عبد البر (١/ ١٣٨)، وعارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ٥٧)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٣٣)، والمفهم للقرطبي (١/ ٤٩٥)، وشرح مسلم للنووي (٣/ ١٢٧)، وشرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٥)، والعدة في شرح العمدة لابن العطار (١/ ٥٦)، والنكت على العمدة للزركشي (ص: ٩)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (١/ ٢٣٦)، والتوضيح له -أيضا- (٣/ ٢٥٧)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٢٦٥)، وعمدة القاري للعيني (٢/ ٧)، وكشف اللثام [١] للسفاريني (١/ ٤٩)، ونيل الأوطار للشوكاني (١/ ٢٠٧).
(٢) ﵁ ليس في (ق).
(٣) في (ق): "لعمرو بن عبد الله.
[ ١ / ٤٩ ]
ما سمعته (١) منك في الرضا والغضب؟ قال: «نعم، فإني لا أقول إلا حقًا» (٢).
وقال عبد الله: حفظت عن رسول الله - ﷺ - ألف مثل (٣).
واختلف في وقت مماته، فقال أحمد بن حنبل: مات ليالي الحرة في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت (٤) الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
وقال غيره: مات سنة ثلاث وسبعين.
قال (٥) يحيى بن عبد الله: مات بأرضه بالسبع من فلسطين سنة خمس وستين.
وقيل: سنة سبع وستين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة (٦).
وقيل: توفي سنة خمس وخمسين بالطائف.
وقيل: إنه مات بمصر سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين
_________________
(١) في (ق): "أكتب منك كلاما أسمعه منك.
(٢) رواه أبو داود (٣٦٤٦)، كتاب: العلم، باب: في كتابة العلم، والحاكم في «المستدرك» (٣٥٨)، وغيرهما.
(٣) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٤/ ٢٠٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٦٤): إسناده حسن.
(٤) في (ق): "كان.
(٥) في (ق): "وقال.
(٦) وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ليس في (ق).
[ ١ / ٥٠ ]
وسبعين سنة (١).
وأما عائشة زوج النبي - ﷺ -، فهي عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄، تزوجها رسول الله - ﷺ - بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع.
قال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلمهم اختلفوا في ذلك.
وتزوجها بعد موت خديجة بثلاث سنين، وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده أربعين سنة (٢)، قال لها رسول الله - ﷺ -: «تكني بابنك عبد الله بن الزبير» (٣)، يعني: ابن أختها.
وكان مسروق إذا حدث عنها، يقول: حدثتني الصادقة بنت الصادق، و(٤) البرة المبرأة بكذا وكذا (٥).
_________________
(١) وانظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٢٦٧)، والاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ٩٥٦)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٣١/ ٢٣٨)، وأسد الغابة لابن الأثير (٣/ ٣٤٥)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٢٦٤)، وتهذيب الكمال للمزي (١٥/ ٣٥٧)، وسير أعلام لنبلاء للذهبي (٣/ ٧٩)، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٤/ ١٩٢).
(٢) وعاشت بعده أربعين سنة ليس في (ق).
(٣) رواه أحمد في المسند (٦/ ١٨٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٥١)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٦٣)، والحاكم في المستدرك (٧٧٣٨)، وغيرهم بإسناد صحيح كما ذكر الحافظ في التلخيص الحبير (٤/ ١٤٨).
(٤) الواو ليست في (ق).
(٥) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ١٨١) ..
[ ١ / ٥١ ]
وكان أشياخ الصحابة يسألونها عن الفرائض.
قال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس (١).
وفضائلها كثيرة جمةٌ.
روي لها عن رسول الله - ﷺ - ألفا حديث، ومئتا حديث، وعشرة أحاديث، اتفقا منها على مئة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا، ومسلم بثمانية وستين حديثًا.
روى عنها: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن قيس الرومي الأشعري، وعبد الله بن عامر بن ربيعة.
وروى عنها من التابعين نَيِّفٌ وستون رجلًا وامرأة في الصحيح.
روى لها الجماعة (٢).
توفيت -﵂ سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلًا بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (٣).
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٦٧٤٨).
(٢) من قوله: روي لها عن رسول الله - ﷺ - ألفا حديث إلى هنا ليس في (ق).
(٣) وانظر ترجمتها في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٥٨)، والاستيعاب لابن عبد البر (٤/ ١٨٨١)، وصفة الصفوة لابن الجوزي (٢/ ١٥)، =
[ ١ / ٥٢ ]
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: كلمة (ويل) من المصادر التي لا أفعال لها، ومثلها (ويح)، و(وَيْب)، و(وَيْس)، ويقال: ويل، وَوَيْلَةٌ، قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ [هود: ٧٢]، والأصل: يا ويلتي، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفًا. كـ: يا غُلَامًا في إحدى اللغات الست، ويستعمل (ويل) مفردا ومضافًا، فإذا أفرد فالأكثر الرفع، وإذا أضيف فالأكثر النصب، فالرفع على الابتداء، والنصب إما على المصدرية، أو بإضمار فعل، كأنه قال: ألزمه الله ويلًا، ونحو ذلك، ويقال: ويل له، وويل عليه، وويل منه، قال (١) الشاعر: [البسيط]
قَالَتْ هُرَيْرَةُ لَمَّا جِئْتُ زَائِرَهَا وَيْلِي عَلَيْكَ، وَوَيْلِي مِنْكَ يَا رَجُلُ (٢)
وهي كلمة عذاب وقبوح.
وعن أبي سعيد الخدري، وعطاء بن يسار: هو واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال، لماعت من حره (٣).
_________________
(١) = وأسد الغابة لابن الأثير (٧/ ١٨٦)، وتهذيب الكمال للمزي (٣٥/ ٢٢٧)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٢/ ١٣٥)، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٨/ ١٦).
(٢) في (ق): "كما قال.
(٣) البيت للأعمش. انظر: لسان العرب لابن منظور (١١/ ٧٣٧).
(٤) رواه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٩٥). لكن عن عطاء بن يسار - ﵀ -.
[ ١ / ٥٣ ]
وقال ابن مسعود: هو صديد أهل النار (١).
ع: هي كلمة تقال لمن وقع في هَلَكَةٍ، وقيل: لمن يستحقها، وقيل: هي الهلكة، وقيل: المشقة من العذاب، وقيل: الحزن (٢).
الثاني: الأعقاب: جمع عَقِبٍ، وَعَقِبُ كل شيء: طرفه وآخره، والعقب هنا مؤخر القدم، وجاء -أيضا-: «ويل للعراقيب» (٣)، وهي جمع عُرْقوب، وهو العصب الغليظ الموتر (٤) فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها.
قال الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه (٥).
الثالث: معنى الحديث: أن الأعقاب أو العراقيب تعذب إن لم تعم بالغسل، وإنما خص الأعقاب أو العراقيب؛ لأن الحديث ورد على سبب، وهو أنه - ﷺ - رأى قوما وأعقابهم تلوح؛ فقال: «ويل للأعقاب من النار» (٦).
_________________
(١) انظر: الدر المنثور للسيوطي (١/ ٢٠٢).
(٢) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٣٥).
(٣) رواه مسلم (٢٤٢)، (١/ ٢١٤)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) في (ق): "المريد.
(٥) انظر: لسان العرب لابن منظور (١/ ٥٩٤)، مادة: (عرقب).
(٦) كما عند مسلم، وتقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٥٤ ]
وفيه دليل على أن العقب محل للتطهير؛ خلافًا لمن لم يوجب ذلك، وظاهر الحديث أو نصه وجوب غسل الرجلين في الطهارة دون المسح، وهو مذهب جمهور السلف وأئمة الفتوى.
قال القرطبي: وقد حكي عن ابن عباس، وأنس، وعكرمة: أن فرضهما المسح، إن صح ذلك عنهم، وهو مذهب الشيعة، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح.
وسبب الخلاف اختلاف القَرأَة (١) في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض والنصب، وقد أكثر الناس في تأويل هاتين القراءتين، والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطف على الرأس، فهما يمسحان، لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقَّينا هذا القيد (٢) من فعل رسول الله - ﷺ -؛ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، والمتواتر عنه غسلهما، فبين النبي - ﷺ- بفعله الحال التي تغسل فيها الرجل، والحال التي تمسح فيها، فليكتف بهذا، فإنه بالغ، انتهى (٣).
وبالتخيير المذكور قال داود.
و(٤) حكي عن بعض أهل الظاهر، والإمامية من الرافضة: إيجاب (٥)
_________________
(١) في (ق): "القراء.
(٢) في (ق): "التقييد.
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٩٢ - ٩٣).
(٤) الواو ليست في (ق).
(٥) في (ق): "وهو إيجاب.
[ ١ / ٥٥ ]
المسح، ولا يجزئ الغسل، وهم قوم لا يعتد بوفاقهم، ولا بخلافهم (١).
وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال: يجب الجمع بينهما.
والمسألة ليست بالسهلة، فلا بد من بسطها بأكثر من هذا، فنقول، والله الموفق: شبهة القول بالمسح قراءة من قرأ: (وأرجلِكُم) بالخفض، ولم يتقدم ما يصح عطف الأرجل عليه إلا الرأس، والرأس ممسوح بالإجماع، فلتكن (٢) الرجلان كذلك.
فإذا قيل لهؤلاء: قد قرأ نصف (٣) القراء بالنصب، قالوا: لا يمتنع العطف على الموضع في اللغة الفصيحة، والمجرور في قوله تعالى: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ في محل النصب؛ لأنه مفعول به، وإنما قصر الفعل عنه، فاحتيج في تعديته إلى حرف الجر، وقد قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْإِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] بالرفع نَعْتًا للإله على الموضع، وقال الشاعر: [الرجز]
يَسْلُكْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرًا (٤)
_________________
(١) ولا بخلافهم ليس في (ق).
(٢) في (ق): "فتكون.
(٣) نصف ليس في (ق).
(٤) لرؤية بن العجاج، كما في الكتاب للسيبويه (١/ ٩٤).
[ ١ / ٥٦ ]
وقال آخر: [الوافر]
فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا (١)
فعطف على الموضع في البيتين فقد تظافرت القراءتان على المسح في الرجلين.
فإن قيل لهم: وجه قراءة الجر على أنه خفض على الجوار.
قالوا في الجواب عن (٢) ذلك: إن الخفض على الجوار لغة شاذة ركيكة، ويتحاشى القرآن عن حمله على الشاذ (٣) الركيك، مع إمكان حمله على الفصيح.
ويقوي قولهم: ما ذكره إمام الحرمين في «برهانه»: من أن كل تأويل يؤدي إلى حمل القرآن على ركيك شاذ في اللغة لا يقبل، ويعد متأوله معطِّلًا، لا متأولا، وضرب المثال بمسألتنا هذه، وقال: لا يبعد أن تحمل قراءة النصب على العطف على الموضع، ومن لغتهم: يا عمر الجوادا (٤)، أو تكون قراءة النصب مظافرة لقراءة الجر، على أن المراد في الرجلين المسح.
_________________
(١) عجز بيت لعقيبة الأسدي، كما نسبه السيبويه في «الكتاب» (١/ ٦٧). وانظر: لسان العرب لابن منظور (٥/ ٣٨٨)، وصدره: معاويَّ إننا بشرٌ فَأَسْجِحْ.
(٢) في (ق): "في ذلك.
(٣) في (ق): "على جملة الشاذ.
(٤) في (ق): "الجواد.
[ ١ / ٥٧ ]
ولكنه ذكر في الجواب: أن الكلام الجزل الفصيح (١) يسترسل في الأحايين استرسالًا، ولا تختلف مبانيه لأدنى تغير معانيه، والعرب ترى المسح قريبًا من الغسل؛ إذ كل واحد منهما إمساس (٢) العضو بالماء، وهو مسكوت عنه في المعطوف، فسهل احتماله (٣)، وهو كقول الشاعر: [مجزوء الكامل المرفل]
وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا (٤) سَيْفًا وَرُمْحَا
والرمح يعتقل ويتأبط، ولا يتقلد.
وكذلك قول الآخر: [الكامل]
فَعَلَى فُرُوعِ الْأَيْهُقَانِ، وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِ (٥) ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا (٦)
وقول الآخر: [الرجز]
فَعَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (٧)
وَالنَّعَامُ تَبِيضُ وَلَا تُطْفَلُ، أي: لا تلد طفلًا، والماء يسقى
_________________
(١) الفصيح ليست في (ق).
(٢) في (ق): "امتساس.
(٣) في (ق): "احتمال.
(٤) في (ق): "متعلقا.
(٥) في (ق): "وأطبقت بالجهلتين.
(٦) البيت للبيد، كما في «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد (ص: ١٠٩).
(٧) لذي الرمة، كما في «ديوانه» (٢/ ٣٣١)، وصدره: لما حططت الرحل عنها واردا.
[ ١ / ٥٨ ]
ولا يعلف، ولكن لمَّا اشترك المعطوف والمعطوف عليه في الجهة العامة، جاز العطف، وكره التصريح بالفعل الثاني في المعطوف عليه؛ لئلا ينقطع استرسال الكلام الفصيح، وتسيطر المتكلم (١) واستحقاره، وعدم التفاته إلى تفاصيل ذلك، مع الاشتراك في أمر كلي هو الذي حسن ذلك، وهذا ينضم إلى ما روي أن النبي - ﷺ - لمَّا علمهم الوضوء، غسل رجليه، وما فهمته الصحابة ﵃، واستمر عليه فعل السلف، هذا آخر كلام الإمام في «البرهان» (٢).
وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة؛ لأن بعض من يقول بالمسح في الرجلين يدعي أن ذلك بنص القرآن، وأن من يقول بالغسل متعلقه خبر واحد، ولا يصح نسخ القرآن بخبر الواحد (٣)، ولو كان القرآن نصا فيما ادعاه، لكان الأمر كما قال (٤)، فأردنا أن نبين بما ذكرناه خروج الآية عن رتبة النصوص (٥) في الدلالة على المسح، وإمكان تطرق التأويل إليها.
ثم نقول: الذي يعضد هذا التأويل ما ذكرناه من كون الرسول -﵊- لمَّا علمهم الوضوء، غسل رجليه، وكل
_________________
(١) في (ق): "وبنظر الكلام.
(٢) انظر: «البرهان في أصول الفقه» للجويني (٣/ ٣٥٦).
(٣) في (ق): "واحد.
(٤) في (ق): "على ما قال.
(٥) في (ق): "المنصوص.
[ ١ / ٥٩ ]
من وصف وضوءه -﵊- لم يذكر في الرجلين إلا الغسل.
قال صاحب «البيان والتقريب»: وتقييد الرجلين بالكعبين يحقق أنهما معطوفتان (١) على اليدين المقيدتين (٢) بالغسل إلى المرفقين، وقراءة أكثر القراء بالنصب في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يقوي ذلك، فإن الظاهر أن يعطف المنصوب على المنصوب لفظًا، وغاية ما في (٣) ذلك: الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه: وذلك لا يمتنع.
قلت: قوله: أكثر القراء، ليس كذلك، بل القراءتان متساويتان.
ثم قال (٤): وقد (٥) قال الله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] عطفًا على قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ولم يضر الفصل بينهما.
وأيضا: فقد روي عن عائشة ﵂ أنها لمَّا رأت من مسح رجليه، أنكرت عليه، وقالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ويل للأعقاب من النار» (٦).
_________________
(١) في (ق): "تحقيق أنهما معطوفان.
(٢) في (ق): "المقيدين.
(٣) في (ق): "ينافي بدل ما في.
(٤) ثم قال ليست في (ق).
(٥) في (ق): "فقد.
(٦) كما تقدم تخريجه في صدر الحديث.
[ ١ / ٦٠ ]
وما رواه البخاري عن ابن عمر [و]، قال: تخلف عنا النبي - ﷺ - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا؛ فنادى بصوته: «ويل للأعقاب من النار»، مرتين، أو ثلاثًا، ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي (١).
وإطباق حملة الشرع على الغسل في الرجلين عملًا وقولًا، كل ذلك يحقق التأويل، ويرجحه على الظاهر، وفيما ذكرناه مقنع، والله أعلم (٢).
* * *
_________________
(١) كما تقدم تخريجه في صدر الحديث.
(٢) قلت: وللإمام ابن دقيق العيد مباحث نفيسة في هذه المسألة في كتابه «شرح الإلمام» (٤/ ٥٤٦ - ٦٠٨).
[ ١ / ٦١ ]