١٩ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ؛ فَأَبَدَّهُ النبي (١) - ﷺ - بَصَرَهُ؛ فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ، فَقَضَمْتُهُ، فَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى رسول - ﷺ -، فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَفَعَ يَدَهُ، أَوْ إصْبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى»، ثَلاثًا، ثُمَّ قَضَى، وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي (٢).
_________________
(١) في (ق): "رسول الله.
(٢) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (٤١٧٤)، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - وفاته، واللفظ له. ورواه أيضا بطرق وألفاظ مختلفة برقم: (٨٥٠)، كتاب: الجمعة، باب: من تسوك بسواك غيره، و(١٣٢٣)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر - ﵄ -، و(٢٩٣٣)، كتاب: الخمس، باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ -، وما نسب من البيوت إليهن، و(٤١٨١)، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته، و(٤١٨٤ - ٤١٨٦)، باب: مرض النبي - ﷺ -، و(٤٩١٩)، كتاب: النكاح، باب: إذا استأذن الرجل نساءه في أن يمرض في بيت بعضهن، فإذن له.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وَفِي لَفْظٍ: فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ (١) لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ؛ أَنْ: نَعَمْ، لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (٢) وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ (٣).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: معنى يستن (٤): يستاك، قال الخطابي: وأصله من السن، وهو (٥) إمرار الشيء الذي فيه حروشة على شيء أخر، ومنه المسن الذي يستحد (٦) عليه الحديد ونحوه، يريد: أنه كان يدلك به أسنانه.
_________________
(١) في (ق): "آخذ.
(٢) وهو المتقدم تخريجه برقم (٤١٨٤).
(٣) لعل الحافظ - ﵀ - يشير إلى حديث عائشة - ﵂ - التي قالت فيه: إن كان رسول الله - ﷺ - يتفقد يقول: «أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟» استبطاء ليوم عائشة. قالت: فلما كان يومي، قبضه الله بين سحري ونحري. رواه مسلم (٢٤٤٣)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة - ﵁ -، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، به. وهذا الطريق أحد طرق البخاري التي أخرجها في صحيحه، وتقدم تخريجها قريبا. * مصَادر شرح الحَدِيث: إكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ٤٥١)، وشرح مسلم للنووي (١٥/ ٢٠٨)، وشرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٦٨)، والتوضيح لابن الملقن (٧/ ٤٢٤)، وفتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٨)، والنكت على العمدة» للزركشي (ص: ٣٣)، وعمدة القاري للعيني (١٨/ ٦٥)، وكشف اللثام للسفاريني (١/ ٢٤٨).
(٤) في (ق) زيادة: «أي».
(٥) «هو» ليس في «ق».
(٦) في (ق): "يشحذ.
[ ١ / ٢٦٣ ]
الثاني: معنى «أبده»: أطال النظر إليه.
ق: فكأن أصله من معنى التبديد، الذي هو التفريق.
قلت: بل هو بالجمع أولى منه بالتفريق؛ فإن من أطال نظره إلى الشيء، فقد جمع نظره فيه.
قال: ويروى: أن عمر بن عبد العزيز (﵀) لما حضرته الوفاة، قال:
أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله،
ثم رفع رأسه، فأبد النظر، ثم قال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس، ولا جن، ثم قُبض (١).
قلت: وهذا - أيضا - كما تقدم، من أنه بمعنى: جمع نظره في الحضرة؛ لا أنه فرق نظره وبدده.
الثالث: فيه: العمل بما يفهم من الإشارة والحركات، وقد أعملها الفقهاء في غير ما
مسألة من الأخرس وغيره.
وفيه: جواز الاستياك بسواك الغير من غير كراهة.
قال الخطابي: على ما يذهب إليه بعض من يتقزز.
وفي كلام الترمذي الحكيم ما يشعر بكراهة ذلك، وهذا الحديث يرده.
قال الخطابي: إلا أن السنة أن يغسله، ثم يستعمله (٢).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٣٣٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٥٤). وانظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ٦٨).
(٢) انظر: معالم السنن للخطابي (١/ ٦٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
وفيه: إصلاح السواك، وتهيئته؛ لقول عائشة ﵂: (فقضمته).
قال ابن هشام: والقضم: لكل شيء يابس؛ كالبسر (١)، والشعير، والخضم - يعني: بالخاء المعجمة - لكل شيء رطب؛
كالقثاء وغيره.
وذكر ابن جني: أن العرب اختصت اليابس بالقاف، والرطب بالخاء؛ لأن في القاف شدة، وفي الخاء رخاوة (٢).
وقيل: إن القضم بمقدم الأسنان، والخضم بالفم كله (٣)، وقالوا في تصريف فعله: خضم وخضِم، بفتح الضاد وكسرها.
وقولها: «فطيبته»: يحتمل أن تريد: أنعمته ولينته، ويحتمل أن تريد: غسلتُه، والأول أظهر؛ لعطفها بالفاء السببية؛ إذ التليين والتنعيم مسبب عن القضم، وليس الغسل كذلك، ولذلك لما لم يكن الدفع مسببا عن القضم، أتت ب: (ثم) التي لا سبب فيها، ولما بين الأخذ والدفع من التراخي، والله أعلم.
الرابع: قولها: «فأشار بيده، أو إصبعه»، في الإصبع عشر لغات: ضم الهمزة، وكسرها، وفتحها، وكذلك الباء، فهذه تسع، والعاشرة:
_________________
(١) في (ق): "البر.
(٢) انظر: الخصائص لابن جني (٢/ ١٥٦ - ١٥٧).
(٣) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٤١٢).
[ ١ / ٢٦٥ ]
أُصبوع، ويجمعها هذا البيت:
تَثْلِيثُ بَا إِصْبَعٍ مَعْ شَكْلِ هَمْزَتِهِ بِغَيْرِ قَيْدٍ مَعَ الْأُصْبُوعِ قَدْ كَمُلَا (١)
فائدة: قال القرطبي - ﵀ - فيأحكام القرآن له (٢): وروي عن أصابع رسول الله - ﷺ - أن المشيرة فيها (٣) كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى.
قال: وروى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن مقسم، [من أهل الطائف، قال حدثتني سارة بنت مقسم] (٤)، أنها سمعت ميمونة بنت كردم، تقول (٥): خرجت مع أبي في حجة حجها رسول الله - ﷺ -، فرأيت رسول الله - ﷺ - (٦) على راحلته، وسأله أبي عن أشياء، فلقد رأيتُني أتعجب وأنا جارية، من طول إصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه (٧).
_________________
(١) من نظم ابن مالك كما نسبه السيوطي في «بغية الوعاة» (١/ ١٣٦).
(٢) له ليس في (ق).
(٣) في (ق): "منها.
(٤) في (ق): "الطائفي، قال: حدثني عمتي سارة بنت مقسم، وهو كذلك في المطبوع من «تفسير القرطبي».
(٥) في (خ): قالت.
(٦) فرأيت رسول الله - ﷺ - ليست في (ق).
(٧) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ١٥).
[ ١ / ٢٦٦ ]
قلت: وفي «دلائل النبوة» للبيهقي ﵀: أن ذلك في أصابع رجليه (﵊)، لا في يده، فانظره (١) هناك (٢).
الخامس: الرفيق هنا يؤخذ من) (٣) معنى الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، وهو منه - ﷺ - إشارة منه إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، والله أعلم.
ق (٤): وقد ذكر بعضهم: أن قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] إشارة إلى ما في هذه الآية، وهو قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، فكأن هذا تفسير لتلك.
قال: وبلغني: أنه صنف في ذلك كتاب يفسر فيه القرآن بالقرآن.
وقوله - ﷺ -: «في الرفيق الأعلى»: من الصفات اللازمة التي ليس لها (٥) مفهوم يخالف المنطوق؛ كما (٦) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
_________________
(١) في (ق): "فانظر.
(٢) رواه البيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ٢٤٦) بإسناده إلى ميمونة بنت كردم، قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - بمكة وهو على ناقة له، وأنا مع أبي، وبيد رسول الله درة كدرة الكتاب، فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه، فأقر له رسول الله، قال: فما نسيت طول إصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
(٣) في (ق): "في.
(٤) ق ليست في (ق).
(٥) لها ليست في (ق).
(٦) في (ق): "وكما.
[ ١ / ٢٦٧ ]
آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وليس ثمّ داع آخر له (١) برهان.
قلت: فهو من وادي (٢) قوله: [الطويل]
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ (٣)
ثم قال: وكذلك ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ولا يكون القتل للنبيين (٤) إلا بغير حق.
قلت: بل ليس من هذا الباب، على ما قاله صاحب «الكشاف»، ولفظه: إن قلت: فقتل (٥) الأنبياء لا يكون إلا (٦) بغير حق، فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه: أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم؛ لأنهم لم يقتلوا، ولا أفسدوا في الأرض، ولا استوجبوا القتل لسبب (٧) يكون شبهة لهم ومستندا، بل نصحوهم، ودعوهم إلى ما ينفعهم، فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم، لم يذكروا وجها يوجب عندهم القتل، انتهى (٨).
_________________
(١) في (ق): "آخر ليس له.
(٢) في (ق): من مرادي.
(٣) صدر بيت لانرئ القيس، وعجزه: إذا سافه العود النبطي جرجرا
(٤) في (ق): للنفس.
(٥) في (ق): فلفظ.
(٦) لا يكون إلا ليس في (ق).
(٧) في (ق): بسبب.
(٨) انظر: «الكشاف» للزمخشري (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٢٦٨ ]
فهذه فائدة حسنة جليلة، أعني: قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، فليعل ذلك (١).
ثم قال: فيكون الرفيق لم يطلق إلا على الذي اختص الرفيق به، ويقوي هذا ما ورد في بعض الروايات: «وألحقني بالرفيق» (٢)، ولم يصفه بالأعلى، وذلك دليل على أن المراد بلفظ الرفيق: «الرفيق الأعلى»، ويحتمل أن يراد بالرفيق: ما يعم الأعلى وغيره، ثم ذلك على وجهين:
أحدهما: أن يختص الفريقان معا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم متفاوتة، فيكون - ﷺ - طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفق، وإن كان الكل من السعداء المرضيين.
الثاني: أن يطلق (٣) الرفيق بالمعنى الوضعي الذي يعم كل رفيق، ثم يخص منه الأعلى بالطلب، وهو مطلق المرضيين، ويكون الأعلى بمعنى: العالي، ويخرج عنه (٤) غيرهم، وإن كان اسم الرفيق منطلقًا (٥) عليهم، انتهى (٦).
قلت: والوجه الأول أليق بمحله - ﷺ -.
_________________
(١) فليعلم ذلك ليس في (ق):.
(٢) رواه مسلم (٢٤٤٤٤)، (١/ ١٨٩٣)، كتاب: الفضائل، باب: في فضل عائشة - ﵂ -.
(٣) في (ق):: يطلب.
(٤) في (ق): "عنهم.
(٥) في (ق): "مطلقا.
(٦) انظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (١/ ٦٩).
[ ١ / ٢٦٩ ]
السادس: الحاقنة، قال الجوهري: هي النقرة بين الترقوة وحبل (١) العاتق.
قلت: والعاتق: موضع الرداء.
ثم قال: وهما حاقنتان، وفي المثل: لألحقن حواقنك بذواقنك، والذاقنة: طرق الحلقوم، قال: ويقال: الحاقنة: ما سفل من البطن (٢).
وقال غيره: الذاقنة: أعالي البطن، والحوقن: أسافله (٣).
قلت: وقد جاء في رواية أخرى: مات بين سحري ونحري (٤)، والسحر: الرئة، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) في (خ): وحد.
(٢) انظر: «الصحاح» للجوهري (٥/ ٢١٠٣)، (مادة: حقن).
(٣) انظر: «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (١/ ٢٧١).
(٤) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (٤١٨٤) في حديث الباب.
[ ١ / ٢٧٠ ]