٤١ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنبيُّ - ﷺ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ؛ كِلانا جُنُبٌ، فكَانَ يَأْمُرُنِي، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي؛ وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلَيَّ؛ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ؛ وَأَنَا حَائِضٌ (١).
_________________
(١) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (٢٩٥)، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض، واللفظ له، ومسلم (٢٩٣)، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض فوق الإزار، و(٢٩٧)، باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، وأبو داود (٧٧)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بفضل وضوء المرأة، و(٢٦٨)، باب: في الرجل يصيب منها ما دون الجماع، و(٢٤٦٩)، كتاب: الصوم، باب: المعتكف يدخل البيت لحاجته، والنسائي (٤١٢)، كتاب: الغسل والتيمم، باب: اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد، و(٢٨٦)، كتاب: الطهارة، باب: مباشرة الحائض، و(٣٧٤)، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض، و(٢٧٥)، كتاب: الطهارة، باب: غسل الحائض رأس زوجها، و(٣٨٧)، كتاب: الحيض، باب: غسل الحائض رأس زوجها، والترمذي (١٣٢)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في مباشرة الحائض، و(٧٢٨)، كتاب: الصوم، =
[ ١ / ٤٩٤ ]
* الكلام على هذا الحديث من وجوه:
الأول: أنه يدل على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، فقد تقدم الكلام عليه في باب الغسل من الجنابة.
الثاني: (كِلا) و(كِلْتا) لفظهما مفرد، ومعناهما التثنية، هذا مذهب البصريين، وهما عند الكوفيين مثنيان لفظًا ومعنى.
ودليل البصريين: قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف:]، ولم يقل: أتتا، وقول الشاعر: [الوافر]
كِلا يَومَيْ أُمامةَ يَوْمُ صَدٍّ وَإِنْ لَمْ نَأْتها إِلَاّ لِمَامَا (١)
_________________
(١) = باب: ما جاء في مباشرة الصائم، وابن ماجه (٦٣٦)، كتاب: الطهارة، باب: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا، و(٦٣٣)، باب: الحائض تتناول الشيء من المسجد. * مصَادر شرح الحَدِيث: معالم السنن للخطابي (١/ ٨٤، ٢/ ١٣٩)، والاستذكار لابن عبد البر (١/ ٣٢٩)، وعارضة الأحوذي لابن العربي (١/ ٢١٤، ٣/ ٢٥٩)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ١٢١، ١٢٩)، والمفهم للقرطبي (١/ ٥٥٥)، وشرح مسلم للنووي (١/ ١٣٤)، وشرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٢٦)، والعدة في شرح العمدة لابن العطار (١/ ٢٦٩)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ٤١٠)، والنكت على العمدة للزركشي (ص: ٥٧)، والتوضيح لابن الملقن (٥/ ٤٤)، وطرح التثريب للعراقي (٢/ ٨٧)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٠٣)، وعمدة القاري للعيني (٣/ ٢٥٨)، وكشف اللثام للسفاريني (١/ ٥١٣)، ونيل الأوطار للشوكاني (١/ ٣٣٥).
(٢) البيت لجرير، انظر: لسان العرب لابن منظور (١٥/ ٢٢٩).
[ ١ / ٤٩٥ ]
فإذا ثبت هذا، فالحمل على لفظها أكثر، ويجوز الحمل على معناها، وقد جمع الشاعر بين اللغتين في قوله: [البسيط]
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُمَا قَدْ أقلَعا وَكِلَا أَنْفَيْهِمَا رَابِي (١)
والألف في «كلا» منقلبة عن واو، والتاء في (كلتا) كذلك، وليست للتأنيث؛ إذ تاء التأنيث لا تكون قبلَها إلا فتحة، أو ألف، ولأنها لو كانت زائدة، لكان وزنها فِعْتَلًا، وفِعْتَل (٢) ليس في الكلام، والكلام عليها مبسوط في كتب النحو، وإنما أردنا التنبيه على ذلك من
حيث الجملة (٣).
تنبيه: لا ينبغي أن يُستدل للبصريين بقول عائشة -﵂-: كلانا جُنُب؛ لأن جنبًا في اللغة المشهورة يكون للواحد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث، بلفظ واحد، كما تقدم.
الثالث: فيه جواز مباشرة الحائض، وكانت اليهود إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، فسأله - ﷺ - بعض أصحابه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال النبي - ﷺ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَا النِّكَاحَ» (٤)، وانعقد الإجماعُ على
_________________
(١) البيت للفرزدق، كما في خزانة الأدب للبغدادي (١/ ١٣١).
(٢) في (ق): "فعتلا.
(٣) وانظر: مغنى اللبيب لابن هشام (ص: ٢٦٨).
(٤) رواه مسلم (٣٠٢)، كتاب: الحيض، باب: الاضطجاع مع الحائض في =
[ ١ / ٤٩٦ ]
تحريم الوطء في الفرج، حكاه القاضي عبد الوهاب، وغيره (١).
وما تحت الفرج حرام عند مالك، إما لظاهر الآية؛ بناءً على أن المحيض اسم زمان، أو مصدر، أو سدا للذريعة، أو للأحاديث الواردة في ذلك.
منها: حديث ميمونة: كان رسول الله - ﷺ - يباشر نساءه فوق الإزار وهنَّ حُيَّضٌ» (٢).
قال أبو الجهم: الإزار: من السرة إلى الركبتين.
قال ابن القصار: لأنه موضع الإزار.
وفي أبي داود: قال معاذ: سألت رسول الله - ﷺ - عَمَّا يَحِلُ للرجل من امرأته وهي حائض، فقال: «ما فوق الإزار» (٣).
وفي أبي داود - أيضا -: كان رسول الله - ﷺ - يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزارُها يبلغ أنصافَ الفخذين، أو (٤) الركبتين (٥).
_________________
(١) = لحاف واحد، والإمام أحمد في المسند: (٣/ ٢٤٦)، عن أنس بن مالك - ﵁ -.
(٢) انظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب (١/ ٦٩).
(٣) رواه مسلم (٢٩٤)، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض فوق الإزار.
(٤) رواه أبو داود (٢١٣)، كتاب: الطهارة، باب: في المذي. قال أبو داود: وليس هو -يعني: الحديث- بالقوي. وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر (١/ ١٦٦).
(٥) في (ق): " «و».
(٦) رواه أبو داود (٢٦٧)، كتاب: الطهارة، باب: في الرجل يصيب منها =
[ ١ / ٤٩٧ ]
وجوزه ابن حبيب، وأصبغ إذا اجتنب الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهو يقتضي الإباحة مطلقًا، والمحيض عنده اسم مكان؛ كالمبيت، والمقيل: مكان البَيات (١) والقَيْلولة، فيختص (٢) التحريم بالفرج؛ لأنه موضع الحيض، ولأن قوله تعالى:
﴿هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] يقتضي الاعتزال لأجل الأذى، فحيث لا أذى، يجوز (٣)، وما عدا الفرج لا أذى فيه، وأما إباحة أعلاها، فجائزٌ إجماعًا.
ولا يعتد بما نقل عن عبيدة السلماني من قوله: لا يباشر شيئًا منها بشيء منه، فإنه مردود، منكر غير مقبول عند العلماء، حتى قال بعضهم: إنها نزعة يهودية.
قال مالك في «المجموعة»: والنفساء -أيضا- يباشر منها ما فوق الإزار.
فقد تحصل من مجموع ما تقدم: أن مباشرة الحائض على ثلاثة أقسام: قسم جائز باتفاق، وقسم ممتنع باتفاق، وقسم مختلف فيه. فالأول: ما فوق الإزار، وتحت الركبتين.
_________________
(١) = ما دون الجماع، والنسائي (٢٨٧)، كتاب: الطهارة، باب: مضاجعة الحائض، من حديث ميمونة - ﵂-.
(٢) في (ق): " «المبيت».
(٣) في (خ): «فيخص».
(٤) «فحيث لا أذى يجوز» ليس في «ق».
[ ١ / ٤٩٨ ]
والثاني: الوطء في الفرج.
والثالث: ما بين السرة والركبة، وقد تقدم أنه حرام عند مالك؛ خلافًا لابن حبيب.
وعند الشافعية في ذلك ثلاثة أوجه:
التحريم، والكراهة، والثالث: التفريق، فإن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويثق من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوة، أو لشدة
ورعه، جاز، وإلا، فلا.
والأصح الأشهر منها: التحريم؛ كما قاله مالك -رحمه الله تعالى-، وبالتحريم -أيضا- قال أبو حنيفة، وسعيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة، وغيرهم.
وممن ذهب إلى الجواز: عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحق بن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود (١).
الرابع: فيه جواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل، واقتضته العادة.
وفيه: أنه لا يلزمها إلا التمكين من نفسها مع ملازمة بيتها.
وفيه: جواز مباشرة الحائض لهذا الفعل كالطاهر، وأن بدنها طاهر إذا لم يلاق النجاسة.
_________________
(١) انظر: شرح مسلم للنووي (٣/ ٢٠٥).
[ ١ / ٤٩٩ ]
وفيه: أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد، لم يفسد اعتكافُه، ويمكن (١) أن يقاس على الرأس غيرُه من الأعضاء.
وقد يستدل بذلك -أيضا- على أن من حلف لا يخرج من بيت أو غيره، فأخرج يده، أو عضوًا من أعضائه: أنه لا يكون حانثًا.
ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على أن خروج بعض الجسد لا يكون كخروج كلِّه، ولا يبعد عندي أن يكون فيه تقوية لقول من يقول: إن الحالف لا يحنث بفعل بعضِ المحلوفِ عليه، والله أعلم (٢).
* * *
_________________
(١) في (ق): " «وينبغي».
(٢) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٢٧).
[ ١ / ٥٠٠ ]