٣٥ - عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵃-: أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِنْدَهُ قَوْمُهُ (١)؛ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ؛ فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى (٢) مِنْك شَعَرًَا، وَخَيْرًا مِنْكَ - يُرِيدُ: النَّبِيَّ (٣) - ﷺ -، ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ (٤).
_________________
(١) في البخاري: وعنده قوم. قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: (١/ ٣٦٦): كذا في النسخ التي وقفت عليها من البخاري، ووقع في العمدة: وعنده قومه -بزيادة الهاء-، وجعلها شراحها ضميرا يعود على جابر، وفيه ما فيه، وليست هذه الراوية في مسلم أصلا، وذلك وارد أيضا على قوله -أي: صاحب العمدة-: إنه يخرج المتفق عليه، انتهى.
(٢) في (ق): "أوفر.
(٣) في (ق): "رسول الله.
(٤) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (٢٤٩)، كتاب: الغسل، باب: الغسل بالصاع ونحوه، واللفظ له، و(٢٥٣)، باب: من أفاض على رأسه ثلاثا، ومسلم (٣٢٩)، كتاب: الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثا، والنسائي، (٢٣٠)، كتاب: الطهارة، باب: ذكر القدر الذي =
[ ١ / ٤١٨ ]
وَفِي لَفْظٍ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثًا (١).
قال - ﷺ -: الرجل (٢) الذي قال: مايكفيني: هو الحسنُ بن محمدِ ابن عليِّ بن أبي طالب أبوه (٣) ابن الحنفية.
* * *
_________________
(١) = يكتفي به الرجل من الماء للغسل، وابن ماجه (٢٧٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة.
(٢) رواه البخاري (٢٥٢)، كتاب: الغسل، باب: من أفاض على رأسه ثلاثا، ومسلم (٣٢٨)، كتاب: الحيض، باب: استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثا: أن وفد ثقيف سألوا النبي - ﷺ -، فقالوا: إن أرضنا أرض باردة، فكيف بالغسل؟ فقال: «أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثا»، وروى نحوه ابن ماجه (٥٧٧)، كتاب: الطهارة، باب: في الغسل من الجنابة. ورواه النسائي (٤٢٦)، كتاب: الطهارة، باب: ما يكفي الجنب من إفاضة الماء عليه، بنحو لفظ البخاري. * مصَادر شرح الحَدِيث: المفهم للقرطبي (١/ ٥٨٦)، وشرح مسلم للنووي (٤/ ٩)، وشرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٠٦)، والعمدة في شرح العمدة لابن العطار (١/ ٢٣٠)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ٢٥٠)، والنكت على العمدة للزركشي (ص: ٥٢)، والتوضيح لابن الملقن (٤/ ٥٥٩)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٣٦٧)، وعمدة القاري للعيني (٣/ ١٩٨)، وكشف اللثام للسفاريني (١/ ٤٤٤).
(٣) الرجل: زيادة من «ق».
(٤) في (ق) زيادة: هو ابن.
[ ١ / ٤١٩ ]
* التعريف:
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المدني، كنيته أبو جعفر كما ذُكر، سمع جابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي رافع، وسعيد بن المسيب.
روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، ومخول بن راشد (١)، ومعمر ابن يحيى، وابنه جعفر، والأوزاعيُّ، وعمرو بن دينار.
مات سنة أربعَ عشرةَ ومئة، وهو يومئذ ابن ثلاث وسبعين، وقيل: ابن ثمان وخمسين سنة، تابعي، أخرج حديثه في الصحيحين، -﵁- (٢).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: الجمهور على عدم التحديد في الوضوء والغسل، وإنما ذلك على حسب حال المستعمِل، وعادته في الاستعمال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فأمر بالغسل مطلقًا، ولم يقيده بمقدار معين، وعلى نحو ذلك روي: أنه - ﷺ - قال: «لا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ حَتَّى يَغْسِلَ
_________________
(١) في (ق): "ابن راشد بن أسد.
(٢) وانظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٢٠)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٣/ ١٨٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٦/ ١٣٦)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٤/ ٤٠١)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٩/ ٣١١)، وتقريب التهذيب له أيضا (تر: ٦١٥١).
[ ١ / ٤٢٠ ]
وَجْهَهُ وَبَدَنَهُ»، الحديث. ولم يعلِّقه بحدِّ،
وروي: أن الرجال والنساء كانوا يغتسلون على عهد رسول الله - ﷺ - من إناء واحد، وهذا يفيد سقوط التحديد؛ إذ الحدُّ لا يثبت في ذلك إلا من الشرع، وليس في ذلك شرع؛ ولأنه لو كان في ذلك حد لا يجزئ دونه، للزم منه الحرجُ العظيم، والمشقة الشديدة؛ لِمَا عُلم من اختلاف عادات الناس في استعمالهم، وتفاوتها، فمنهم من يكفيه اليسيرُ؛ لاقتصاده ورفقه، واعتدالِ بشرته، ومنهم لا يكفيه إلا الكثير؛ لإسرافه وخرقه، فلو كان في ذلك حدٌّ موقوت، لوجب أن يفارق كل إنسان عادته، وأن يستعمل من يكفيه دون ذلك الحد زيادة على ما يحتاج إليه، وأن يقتصر من لا يتمكن من أداء الواجب إلا بأكثر مما قدر له على ما لا يمكن معه أداء الواجب، وهذا فاسد، فبطل التقدير، لذلك قال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: ومن الناس من حُكي عنه: أنه لا يجوز الاقتصار في الوضوء على أقلَّ من مُدٍّ، وفي الاغتسال على أقلِّ من صاع؛ لورود الخبر بذلك.
(قلت: ظاهرُ كلام القاضي يقتضي أن هذا القول بالتحديد خارج المذهب، وليس كذلك، بل هو منقول في مذهب مالك -﵀
تعالى - (١).
قال: وهذا لا معنى له؛ لأن ذلك إنما ورد على أنه إخبار عن القَدْر الذي كان يكفيه -ﷺ-، لا أنه حد لا يجزئ دونه، وإنما قصد به التنبيه على فضيلة الاقتصاد، وتركِ الإسراف.
_________________
(١) من قوله: «قلت: ظاهر كلام القاضي» إلى هنا ليس في ق.
[ ١ / ٤٢١ ]
قلت: وانظر نقل (١) ح الإجماعَ على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر في شرح مسلم له (٢)، مع ما تقدم من نقل الخلاف في ذلك، والله أعلم.
الثاني: الصاع: أربعة أمداد، والمدُّ: رِطلٌ وثلثٌ بالبغدادي، والرطل: مئة وثلاثون درهمًا، أو ثمانية وعشرون وثُلث، فالصاع وزنًا: خمسة أرطال وثُلث، هذا المعروف المشهور، وعند الشافعية وجه شاذ: أن الصاع ثمانية أرطال، والمدَّ رطلان (٣).
وقد أُجمع على النهي عن الإسراف في الماء، وإن كان على شاطئ البحر، وهل ذلك على الكراهة أو التحريم؟ الأظهرُ أنه على الكراهة، والله أعلم.
الثالث: قوله: «يكفي»: هو - بفتح الياء -، و«أوفى» يحتمل أن يكون بمعنى: أطولَ، ويحتمل أن يكون بمعنى: أكثرَ، فالأول: يرجع إلى الصفة، والثاني: يرجع إلى الكمية.
وقوله: «وخيرًا منك»: هو بالنصب معطوف على (مَنْ) الذي هو مفعول يكفي (٤)، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والله أعلم.
_________________
(١) في (ق): "قول.
(٢) انظر: شرح مسلم للنووي (٤/ ٢).
(٣) انظر: شرح مسلم للنووي (٧/ ٤٩)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٣٦٥).
(٤) في (ق): "بيكفي.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وقوله: «فأَمَّنَا فِي ثوب»: بيان لمشروعية ذلك، وعدم كراهته (١)، وقد قال -﵊- «وَأَيُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟» (٢)، والله
أعلم.
* * *
_________________
(١) في (ق): "كراهيته.
(٢) رواه البخاري (٣٥٨)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء، ومسلم (٥١٥)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في ثوب واحد وصفه لبسه، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٤٢٣ ]