٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاةٍ» (١).
_________________
(١) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (٣٢١)، كتاب: الحيض، باب: عرق الاستحاضة، واللفظ له، وعنده: « فأمرها أن تغتسل، فقال: «هذا عرق»، فكانت تغتسل لكل صلاة»، وسيأتي تنبيه المؤلف على ذلك قريبا. ومسلم (٣٣٤)، (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها، وأبو داود (٢٨٥)، كتاب: الطهارة، باب: من قال: إذا أقبلت الحيضة، تدع الصلاة، و(٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩١، ٢٩٢،)، باب: من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، والنسائي (٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧،)، كتاب: الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض، و(٢٠٩، ٢١٠)، باب: ذكر الأقراء، و(٣٥٦، ٣٥٧)، كتاب: الحيض، باب: ذكر الأقراء، والترمذي (١٢٩)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة، وابن ماجه (٦٢٦)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة إذا اختلط عليها الدم، فلم تقف على أيام حيضها. =
[ ١ / ٤٩٠ ]
هذا (١) الحديث مغلوط فيه، قيل: إنه سقط بين قوله: «فأمرها أن تغتسل» وبين قوله: «لكل صلاة»: فكانت تغتسل لكل صلاة، فيكون أصل الحديث هكذا: «فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة»، فليس فيه أمر منه - ﷺ - لها بالغسل لكل صلاة البتة، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة من عند نفسها، لا أنها مأمورة بذلك، وهكذا هو عند مسلم.
وفي «البخاري»: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تغتسل، وقال: «هذا عرق»، فكانت تغتسل لكل صلاة، فسقط منه حينئذ قوله: «فكانت تغتسل لكل صلاة»، وهكذا هو في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي، وقال بعده ما قال مسلم: قال الليث: ولم يذكر ابن شهاب: أن رسول الله - ﷺ - أمر
_________________
(١) = * مصَادر شرح الحَدِيث: معالم السنن للخطابي (١/ ٨٦)، والاستذكار لابن عبد البر (١/ ٣٤٣)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ١٧٨)، والمفهم للقرطبي (١/ ٥٩٢)، وشرح مسلم للنووي (٤/ ٢٢)، وشرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٢٥)، والعدة في شرح العمدة لابن العطار (١/ ٢٢٦)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ٥٢٤)، والتوضيح لابن الملقن (٥/ ١٣٤)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٢٦)، وعمدة القاري للعيني (٣/ ٣١٠)، وكشف اللثام للسفاريني (١/ ٥٠٨).
(٢) في (ق): "زيادة: «قد تقدم ذكر الخلاف في أيهما كانت تستحاض، هذه أو أختها زينب بنت جحش، أو هما جميعا وهذا».
[ ١ / ٤٩١ ]
أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شيء جعلته هي (١).
فثبت بهذا كله أنه ليس في الصحيحين، ولا أحدهما: أن النبي - ﷺ - أمرها بالغسل لكل صلاة.
وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود (٢)، والبيهقي، وغيرهما: أن النبي - ﷺ - أمرها بالغسل، فليس فيها شيء ثابت، فقد بين البيهقي وغيره ضعفها (٣)، وإنما صح من ذلك ما تقدم من أمره - ﷺ - بمطلق الغسل، دون أن تغتسل لكل صلاة.
وهكذا قال الشافعي -رحمه الله تعالى-، ولفظه: وإنما أمرها رسول الله - ﷺ - أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه
أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشك - إن شاء الله تعالى- أن غسلها كان تطوعا غير ما أُمرت به، وذلك واسع، والله أعلم (٤).
وقد روي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعلي، وابن عباس -﵃-: أنهم قالوا بوجوب الغسل على المستحاضة لكل صلاة.
وروي أيضا عن عطاء بن أبي رباح، وجاء ذلك أيضا في رواية ابن إسحاق خارج الصحيح.
لكن حمله الجمهور على مستحاضةٍ ناسيةٍ للوقت والعدد، يجوز
_________________
(١) انظر: الجمع بين الصحيحين للحمدي (٤/ ٨٧).
(٢) تقدم تخريجه في حديث الباب برقم (٢٩٢).
(٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣٥٠).
(٤) انظر: الأم للإمام الشافعي (١/ ٦٢).
[ ١ / ٤٩٢ ]
في مثلها أن ينقطع دمها عند وقت كل صلاة.
ودليل الجمهور: أن وجوب الغسل إنما يكون بالشرع، ولم يصح في ذلك حديث، فلا وجوب، بل جاء في الحديث المتقدم: «اغتسلي
وصلِّي»، ولم يأمرها بتكرار الغسل لكل صلاة، ولو كان واجبًا، لأمرها به، والله أعلِمَ (١).
وهذا الخلاف - والله أعلم - ينبني على مسألة أصولية: وهو أن الأمر هل يقتضي التكرار، أو لا؟ والله أعلم (٢).
* * *
_________________
(١) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٢٥). قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٢٨): والجمع بين الحديثين بحمل الأمر بالغسل على الندب أولى، انتهى. قال السفاريني في كشف اللثام (١/ ٥١٢): ولهذا استحبه الإمام أحمد - ﵁ -.
(٢) انظر: شرح مختصر ابن الحاجب للأصفهاني (٢/ ٣١).
[ ١ / ٤٩٣ ]