٢٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى (١)، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ (٢)، قَالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ؛ يَقُولُ: «أُعْ، أُعْ»، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ؛ كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ (٣).
* * *
_________________
(١) في (ق) زيادة: الأشعري.
(٢) في (ق) زيادة: رطب.
(٣) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (٢٤١)، كتاب: الوضوء، باب: السواك، واللفظ له، ومسلم (٢٤٥)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، وأبو داود (٤٩)، كتاب: الطهارة، باب: كيف يستاك؟ والنسائي (٣)، كتاب: الطهارة، باب: كيف يستاك؟ * مصَادر شرح الحَدِيث: «شرح مسلم» للنووي (٣/ ١٤٤)، و«شرح الإلمام» (٣/ ١٣٧)، و«شرح عمدة الأحكام» كلاهما لابن دقيق (١/ ٧٠)، و«النكت على العمدة» للزركشي (ص: ٣٦)، و«التوضيح» لابن الملقن (٤/ ٥٢٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٣٥٥)، و«عمدة القاري» للعيني (٣/ ١٨٤)، و«كشف اللثام» للسفاريني (١/ ٢٦١).
[ ١ / ٢٧١ ]
* التعريف:
أبو موسى: اسمه (١) عبد الله بن قيس، وفي نسبه اختلاف كثير، نذكر بعض ما وقع لنا منه.
قال ابن عبد البر: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار (٢) بن حرب ابن عامر، الأشعريُّ، ابن سبأ.
ذكر الواقدي: أن أبا موسى الأشعري قدم مكة، فحالف سعيد ابن العاصي بن أمية أبا أُحَيْحَةَ (٣)، وكان قدومه مع إخوته في جماعة من الأشعريين، ثم أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة.
وقال ابن إسحاق: هو حليف آل (٤) عتبة بن ربيعة، وذكره (٥) في من هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة.
وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير: إن أبا موسى لما قدم مكة، وحالف سعيد بن العاصي، انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى أرض الحبشة، وقدم (٦) مع إخوته، فصادف قدومه
_________________
(١) اسمه ليس في (ق).
(٢) حَضَّار: بفتح المهملة، وتشديد الضاد المعجمة، وآخره راء مهملة، ويقال: حِضَار: بكسر الحاء، وتخفيف الضاد. كذا ضبطه الإمام ابن دقيق في «شرح الإلمام» (٣/ ١٣٨).
(٣) في (ق): "أما صحبه.
(٤) في (ق): "أبي.
(٥) في (ق): "وذكر.
(٦) في (ق): "ثم قدم.
[ ١ / ٢٧٢ ]
قدوم (١) السفينتين من أرض الحبشة.
قال أبو عمر: الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومه ومحالفته (٢) من حالف من بني عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين، نحو خمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم الريح إلى أرض النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا بها خروج جعفر وأصحابه منها، فأتوا معهم، وقدمت السفائن (٣) معها سفينة الأشعريين، وسفينة جعفر وأصحابه على النبي - ﷺ - في حين فتح خيبر.
وقد قيل: إن الأشعريين إذ رمتهم الريح إلى النجاشي، أقاموا بها مدة، ثم خرجوا في حين خروج جعفر، فلهذا ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة.
وولاه رسول الله - ﷺ - من مخاليف اليمن زبيد وذواتها إلى السواحل، وولاه عمر البصرة في حين عزل المغيرة عنها (٤)، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان، فعزله عثمان عنها، وولاها عبد الله بن عامر بن كُرَيْزٍ، فنزل أبو موسى حينئذ الكوفة، وسكنها، فلما دفع أهل مكة سعيد بن العاصي، ولوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه، فأقره عثمان على الكوفة إلى أن مات، وعزله علي عنها.
_________________
(١) قدوم ليس في (ق).
(٢) في (ق): "ومخالفته.
(٣) في (ق): "السفينتان.
(٤) عنها ليس في (ق).
[ ١ / ٢٧٣ ]
ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان، ومات في داره بها (١) سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قلت: وقال غيره: خرج إلى مكة، فمات بها سنة خمسين، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، قال فيه رسول الله - ﷺ -: «لقد أوتي أبو (٢) موسى مزمارا من مزامير آل داود» (٣).
سئل (٤) علي ﵁: عن موضع أبي موسى من العلم، فقال: صُبِغَ في العلم صبغة (٥)، انتهى كلام ابن عبد البر.
قلت: وأمه اسمها طيبة ابنة وهب، أسلمت وماتت بالمدينة، وكان من فقهاء الصحابة ونساكهم.
وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وقدم دمشق على معاوية، وانتقل إلى الكوفة ووليها، كما تقدم.
روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاث مئة وستون حديثًا، اتفقا منها على خمسين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر.
_________________
(١) في (ق): "منها.
(٢) في (ق): "أبا.
(٣) رواه البخاري (٤٧٦١)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: حيسن الصوت بالقراءة للقرآن، ومسلم (٧٩٣)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تحسين الصوات بالقرآن، من حديث أبي موسى - ﵁ -.
(٤) في (ق): "وسئل.
(٥) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٤٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢١/ ٤١٢).
[ ١ / ٢٧٤ ]
وروى عن عمر بن الخطاب.
روى عنه: أنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وابنه إبراهيم بن أبي موسى، وسعيد بن المسيب، وخلق سواهم.
روى له الجماعة (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: فيه الاستياك على اللسان، وقد صرح بذلك في بعض الروايات، والعلة المقتضية للاستياك (٢) على الأسنان موجودة في اللسان، أو هي أبلغ؛ لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، وقد تقدم أنه يستحب الاستياك في الأسنان عرضا دون اللسان؛ فإن في بعض الروايات التصريح بالاستياك فيه طولًا (٣).
_________________
(١) وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٤/ ١٠٥)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (٥/ ٢٢)، و«الثقات» لابن حبان (٣/ ٢٢١)، و«الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ٩٧٩)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٣٢/ ٢٤)، و«أسد الغابة» لابن الأثير (٣/ ٣٦٤)، و(تهذيب الأسماء واللغات» للنووي (٢/ ٥٤٥)، و«تهذيب الكمال» للموي (١٥/ ٤٤٦)، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي (٢/ ٣٨٠)، و«تذكرة الحفاظ» له أيضا (١/ ٢٣)، و«الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر (٤/ ٢١١)، و«تهذيب التهذيب» له أيضا (٥/ ٣١٧).
(٢) في (ق): "للسواك.
(٣) انظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (١/ ٧٠). =
[ ١ / ٢٧٥ ]
الثاني: الضمير في (يقول) يحتمل أن يعود إلى النبي - ﷺ -، وهو الظاهر، فيكون القول حقيقة، ويبعد أن يعود إلى السواك، ويكون من باب: [الرجز]
اِمْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ (١) قَطْنِي (٢)
إذ السواك ليس له صوت يسمع، ولا قرينة حال تشعر بذلك، فيتعين الأول، والله أعلم.
الثالث: ق: ترجم [النسائي] (٣) هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته، والتراجم التي يترجم بها أصحاب التصانيف على الأحاديث إشارة إلى المعاني المستنبطة منها على ثلاث مراتب:
منها: ما هو ظاهر في الدلالة على المعنى المراد، مفيد لفائدة (٤) مطلوبة.
_________________
(١) = قلت: روى الإمام أحمد في «المسند» (٤/ ٤١٧)، من حديث أبي موسى - ﵁ - قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يستاك، وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق. قال غيلان -يصف ذلك-: كان يستن طولا.
(٢) في (ق): "فقال.
(٣) انظر: (إصلاح المنطق» لابن السكيت (ص: ٣٤٢)، و«الخصائص» لابن جني (١/ ٢٣).
(٤) ما بين معكوفتين سقط من (خ) و(ق)، ووقع في المطبوع من «شرح عمدة الأحكام»: البخاري بدل النسائي، وهو خطأ. والصواب ما أثبت، كما ذكره الإمام ابن دقيق أيضا في كتابه «شرح الإلمام» (٣/ ١٤٥) فقال: ترجم النسائي في «سننه»: هل يستاك الإمام بحضرة رعيته.
(٥) في (ق): "الفائدة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
ومنها: ما هو خفي الدلالة على المراد، بعيد مستكره (١) لا يتمشى إلا بتعسف.
ومنها: ما هو ظاهر في الدلالة على المراد، إلا أن فائدته قليلة لا تكاد تستحسن، مثل ما ترجم: باب السواك عند رمي الجمار.
وهذا القسم -أعني: ما يظهر منه قلة (٢) الفائدة- يحسن إذا وجد معنى في ذلك المراد يقتضي تخصيصه بالذكر، ويكون عدم استحسانه في بادئ (٣) الرأي؛ لعدم الاطلاع على ذلك المعنى.
فتارة يكون سببه الرد على مخالف في المسألة (٤) لم تشتهر مقالته؛ مثل: من ترجم على أنه يقال: ما صلينا، فإنه نقل عن بعضهم أنه كره ذلك، فردعليه بقوله - ﷺ -: «إن صليتُها» (٥)، أو «ما صليتُها» (٦).
وتارة يكون سببه الرد على فعل شائع بين الناس لا أصل له، فيذكر
_________________
(١) في (خ): مستنكر.
(٢) قلة ليس في (ق).
(٣) في (خ): باب.
(٤) في (ق): "المسألة.
(٥) رواه مسلم (٦٣١)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٦) رواه البخاري (٥٧١) / كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -.
[ ١ / ٢٧٧ ]
الحديث للرد على من فعل ذلك الفعل، كما اشتهر بين (١) الناس في هذا المكان التحرز عن قولهم: ما صلينا؛ إذ لم يصح أن أحدا كرهه.
وتارة يكون لمعنى يخص الواقعة، لا يظهر لكثير من الناس في بادئ الرأي؛ مثل من ترجم على هذا الحديث: استياك الإمام بحضرة (٢) رعيته؛ فإن الاستياك من الأفعال (٣) الْبِذْلَة والمِهْنة، ويلازمه (٤) - أيضا - من إخراج البصاق وغيره ما لعل بعض الناس يتوهم أن ذلك يقتضي إخفاءه، وتركه بحضرة الرعية، وقد اعتبر الفقهاء في مواضع (٥) كثيرة هذا المعنى، وهو الذي يسمونه ب: حفظ المروءة، فأورد هذا الحديث؛ لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه، ويتركه الإمام بحضرة (٦) الرعية؛ إدخالًا له في باب العبادات والقربات. انتهى (٧).
مسألة:
مذهبنا: كراهة الاستياك في المسجد؛ خشية أن يخرج من فيه دم نحوه مما ينزه (٨) المسجد عنه، والله أعلم.
_________________
(١) في (خ) و(ق): "عن، والتصويب في «شرح العمدة» ..
(٢) في (ق): "بمحضره.
(٣) في (ق): "فعال.
(٤) في (خ) و(ق): "وملازمته، والتصويب من «شرح العمدة».
(٥) في (ق): "أفعال.
(٦) في (ق): "بمحضر.
(٧) انظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (١/ ٧٠).
(٨) في (ق): "ونحوه مما يتنزه ..
[ ١ / ٢٧٨ ]