٤٧ - عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ؛ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِئَةِ (١).
_________________
(١) * تحريج الحديث: رواه البخاري (٥٢٢)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر، واللفظ له، ورواه أيضا (٥١٦)، باب: وقت الظهر عند الزوال، و(٥٤٣): باب: ما يكره من النوم قبل العشاء، و(٥٧٤)، باب: ما يكره من السمر بعد العشاء، و(٧٣٧)، كتاب: صفة الصلاة، باب: القراءة في الفجر، ومسلم (٤٦١)، (١/ ٣٣٨)، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح والمغرب، و(٦٤٧)، (١/ ٤٤٧)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالصبح في أول =
[ ١ / ٥٤٣ ]
* التعريف:
سيار بن سلامة: كنيته: أبو المنهال الرياحي - بكسر الراء بعدها ياء باثنتين تحتها- الطهوي، البصري، ورياح بن يربوع بن حنظلة تابعي، سمع أبا هريرة، ونَضْلَةَ بن عبيد، هذا أصح ما قيل فيه، وأشهره.
وقيل: نضلة بن عبد الله، ويقال: نضلة بن عائذ - بالذال المعجمة - الأسلمي.
_________________
(١) = وقتها، وأبو داود (٣٩٨)، كتاب: الصلاة، باب: في وقت صلاة النبي - ﷺ -، وكيف كان يصليها، والنسائي (٤٩٥)، كتاب: المواقيت، باب: أول وقت الظهر، و(٥٢٥)، كتاب: كراهية النوم بعد صلاة المغرب، و(٥٣٠)، باب: ما يستحب من تأخير العشاء، والترمذي (١٦٨)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء والسمر بعدها، مختصرا، وابن ماجه (٧٠١)، كتاب: الصلاة، باب: النهي عن النوم قبل صلاة العشاء، وعن الحديث بعدها مختصرا. * مصَادر شرح الحَدِيث: «عارضة الأحوذي» لابن العربي (١/ ٢٧٠)، و«إكمالالمعلم» للقاضي عياض (٢/ ٦١٢)، و«المفهم» للقرطبي (٢/ ٢٧٠)، و«شرح مسلم» للنووي (٥/ ١٤٥)، و«شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (١/ ١٣٧)، و«العدة في شرح العمدة» لابن العطار (١/ ٢٩٥)، و«فتح الباري» لبان رجب (٣/ ٨٠، ١٠٠)، و«التوضيح» لابن الملقن (٦/ ١٦١)، و«فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٢٦)، و«عمدة القاري» للعيني (٥/ ٣٤)، و«كشف اللثام» للسفاريني (٢/ ٥)، و«سبل السلام» للصنعاني (١/ ١٠٨)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٤١٥).
[ ١ / ٥٤٤ ]
روى عنه: سليمان التيمي، وخالد الحذاء، وشعبة، وحماد بن سلمة.
أخرج حديثه في «الصحيحين» ﵁ (١).
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قد تقدم أن (كان) هذه تشعر بالملازمة والاستمرار.
وقوله: «المكتوبة»؛ أي: الصلاة المكتوبة، وهي المفروضة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وأفرد لإرادة الجنس، ويصح: المكتوبات، على تقدير: الصلوات المكتوبات، والألف واللام فيها للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها؛ لفهمه من السائل العموم (٢).
وليعلم أن الفرض، والواجب، والحتم، والمكتوب، واللازم، ألفاظ مترادفة عند الجمهور.
وفرق أبو حنيفة بين الفرض والواجب، فالفرض عنده: ما ثبت بدليل قطعي؛ كالصلوات الخمس، والواجب: ما ثبت بدليل ظني؛ كالوتر.
الثاني: للظهر أربعة أسماء: الظهر؛ لما تقدم، والأولى؛ لأنها
_________________
(١) وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري (٤/ ١٦٠)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٤/ ٢٥٤)، و«الثقات» لابن حبان (٤/ ٣٣٥)، و«تهذيب الكمال» للمزي (٣٤/ ٣٢٣)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (٤/ ٢٥٥)، و«تقريب التهذيب» له أيضا (تر: ٢٧١٥).
(٢) انظر: «شرح عمدة الأحكام» لابن دقيق (١/ ١٣٧).
[ ١ / ٥٤٥ ]
أول صلاة صلاها جبريل بالنبي - ﷺ -، والهجير، والهاجرة.
والهجير والهاجرة: نصف النهار، والهجر - أيضا -، فكأنها سميت باسم الزمان الذي توقع فيه، وهما؛ أعني: الهجير والهاجرة في أصل اللغة: اسم لشدة الحر، ومنه قوله: [الطويل]
إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرا (١)
أي: اشتد حره وقوي.
وأما العصر: فلها اسمان: هذا، والعشي.
وأما المغرب: فهذا، والشاهد، على ما تقدم.
وأما العشاء الآخرة: فهذا، والعتمة، وإن كان قد كُره تسميتها بالعتمة، وفي الحديث: «لا يغلبنَّكُم الأعراب على اسم صلاتكم العِشاءِ» (٢)؛ أي: إن الأعراب كانوا يسمونها العتمة، لكونهم يعتمون بحلاب الإبل؛ أي: يؤخرونه إلى شدة الظلام، وقد سماها الله -تعالى- في كتابه العزيز بالعشاء، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨].
_________________
(١) للنابغة الذبياني، وتمامه: فَدَعْها وسلِّ الهمَّ عنك بجسرة ذَمُولٍ إذا صام النهار وهجرا وانظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٨٥١)، (مادة: هجر).
(٢) رواه مسلم (٦٤٤)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: وقت العشاء وتأخيرها، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وورد في الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة، منها: قوله - ﷺ -: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا» (١).
وأجيب عن ذلك بوجوه:
إما أنه لبيان الجواز.
وإما لعل المكروه أن يغلب عليها اسم العتمة بحيث يهجر تسميتها بالعشاء.
وإما لأنه خاطب بذلك من لا يعرف العشاء (٢).
وفي هذا الأخيربعد.
وأما الصبح: فلها ثلاثة أسماء: هذا، والفجر، والغداة.
وقوله: «تدعونها»؛ أي: تسمونها، قال الشاعر:
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا من الأمر ما لا يفعل الأخوان (٣)
أي: سمتني أخاها.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٠)، كتاب: الأذان، باب: الاستهام في الأذان، ومسلم (٤٣٧)، كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) انظر: شرح مسلم للنووي (٥/ ١٤٣).
(٣) البيت لعبد الرحمن بن أم الحكم، كما ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد (٦/ ٣٥٩).
[ ١ / ٥٤٧ ]
وقوله: «حين تدحض الشمس» هو بفتح التاء المثناة فوق، وبفتح (١) الحاء أيضا؛ أي: حين تزول عن كبد السماء، وأصل الدِّحْض: الزلق (٢).
الثالث: كُره النوم قبلها خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها الاختياري، وهو ثلث الليل على المشهور، وقيل: النصف، أو الضروري، أو خشية نسيانها، وكره الحديث بعدها إما خشية أن ينام عن الصبح بسبب سهره أول الليل، وإما خشية أن يقع في الحديث من اللغط واللغو ما لا ينبغي أن تُختم به اليقظةُ (٣).
وهذا العموم؛ أعني: عموم قوله: «والحديثَ بعدها» مخصوص بما استثني من الحديث في العلم وجميع القربات.
قالوا: واستُثني - أيضا -: العروس (٤)، والضيفُ، والمسافر، وما تدعو الحاجة إليه من الحديث الذي تتعلق به مصالح الإنسان الدنيوية؛ كالبيع، والشراء، ومثل: خذْ، وكل، ونم، وغير ذلك مما تدعو الضرورة إليه.
وبالجملة: فالأَوْلَى بالإنسانِ تقليلُ الكلام ما استطاع، ما لم تتعلق بذلك مصلحةٌ دينية، أو دنيوية، كان في ليل، أو نهار؛ فإن الله
_________________
(١) في (ق): "وفتح.
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٧٥ - ١٠٧٦)، (مادة: دحض).
(٣) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٤) في (ق): "للعروس.
[ ١ / ٥٤٨ ]
تعالى يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
وقد قال العلماء: إذا استوى الكلام وتركه، فالسنة الإمساك عن الكلام؛ لأنه قد يجر الكلام المباح (١) إلى المكروه، أو المحرَّم، بل
هذا هو الأكثر الأغلب في العادة، والله أعلم، والسلامة لا يعدلها شيء (٢).
وفي الصحيحين: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا، أو ليصمت» (٣).
وقد (٤) قال مالك -﵀-: من عد كلامه من عمله، قلّ كلامه (٥).
وقيل في الحكمة: إنما جُعل لك لسانٌ واحد، وأذنان؛ ليكون ما تسمع أكثر مما تقول.
ويقال: لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب.
_________________
(١) «المباح» ليس في (ق).
(٢) انظر: الأذكار للنووي (ص: ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٣) رواه البخاري (٥٦٧٢)، كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومسلم (٤٧)، كتاب: الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار والضيف، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) «قد» ليست في (ق).
(٥) وذكره القرافي في الذخيرة (١٣/ ٢٤١). وهو عن عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، وغيره
[ ١ / ٥٤٩ ]
وأنشدني بعض الأصحاب (١) لعبد الملك بن موسى الشريشِّي:
إِذَا مَا اضْطُرِرْتَ إِلَى كَلِمَةٍ فَدَعْهَا وَبَابَ السُّكُوتِ اقْصِدِ
فَلَوْ كَانَ نُطْقُكَ مِنْ فِضَّةٍ لَكَانَ سُكُوتُكَ مِنْ عَسْجَدِ
فنظم هذا المعنى الذي ذكرنا (٢).
وقد رأيت في بعض الكتب: أن رجلًا سأل مالكًا -﵀- في مرضه الذي مات فيه، فقال: أوصني، فقال: إن شئت، جمعت لك علم العلماء، وحكم الحكماء، وطب الأطباء في ثلاث كلمات:
أما علم العلماء: فإذا سُئِلتَ عمَّا لا تعلم، فقل: لا أعلم.
وأما حكم الحكماء: فإذا كنت جليس قوم، فكن أسكتهم، فإن أصابوا، كنت من جملتهم، وإن أخطؤوا، سلمت من خطئهم.
وأما طب الأطباء: فإذا أكلت طعاما، فلا تقم إلا ونفسك تشتهيه، فإنه لا يلم بجسدك غير مرض الموت.
أو قريبًا من هذا، فنسأل الله العصمة والتأييد، إنه حميد مجيد، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم (٣).
_________________
(١) في (ق): "أصحابنا.
(٢) في (ق): "ذكرناه.
(٣) في (ق): "وصلى الله على محمد وآله.
[ ١ / ٥٥٠ ]
الرابع: قوله: «وكان ينفتل من صلاته (١) إلى آخره»: يدل على ما تقدم من تقديم الصبح أول وقتها؛ فإن ابتداء معرفة الإنسان جليسه يكون مع بقاء الغلس (٢).
وقوله: «وكان يقرأ بالستين إلى المئة»؛ أي: بالستين من الآي إلى المئة منها، وهذا - أيضا - يدل على التقديم؛ لأنه - ﷺ - كان يرتل قراءته، ومع ذلك يكون فراغه عند ابتداء معرفة الرجل جليسه، ويركع، وينصرفُ النساءُ متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغَلَس.
تنبيه: انظر قوله: «حين يعرف الرجل جليسه»، هل المراد بالجليس هنا: من جرت عادته بمجالسته في غير الصلاة، أو من هو بإزائه في الصلاة عن يمينه، أو شماله خاصة، كائنا من كان؟ والأول أسعد بظاهر اللفظ؛ لأن جليسا (فَعيل) (٣)، وهو من أبنية المبالغة المشعِرة بالتكرار والكثرة، حتى لو لم يرد ذلك، لقيل (٤): من بإزائه، ونحو ذلك، ويختلف المعنى باختلاف ذلك؛ فإن معرفة من جرت عادته بمجالسته كثيرا أسرع قطعا من معرفة غيره.
الخامس: فيه: تأدب الصغير مع الكبير عند السؤال.
_________________
(١) في (خ): صلاة.
(٢) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ١٣٩).
(٣) في (ق): "فعيلا.
(٤) في (ق): "لعمل.
[ ١ / ٥٥١ ]
وفيه: جواز سرعة المفتي بالجواب إذا كان مستحضرا له، عالمًا به؛ لقوله: «فقال»، فأتى بالفاء المعقبة، والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٥٥٢ ]