١٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا» (١).
_________________
(١) * تَخْرِيج الحَدِيث: رواه البخاري (٢١٣)، كتاب: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، وهذا لفظه، و(٢١٥)، باب: ما جاء في غسل البول، و(١٢٩٥)، كتاب: الجنائز، باب: الجريد على القبر، و(١٣١٢)، كتاب: الجنائز، باب: عذاب القبر من الغيبة والبول، و(٥٧٠٥)، كتاب: الأدب، باب: الغيبة، و(٥٧٠٨)، باب: النميمة من الكبائر، ورواه مسلم (٢٩٢)، (١/ ٢٤٠ - ٢٤١)، كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول، ووجوب الاستبراء منه، وأبو داود (٢٠، ٢١)، كتاب: الطهارة، باب: الاستبراء من البول، والنسائي (٣١)، كتاب: الطهارة، باب: التنزه عن البول، و(٢٠٦٨، ٢٠٦٩)، كتاب: الجنائز، باب: وضع الجريدة على القبر، والترمذي (٧٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في التشديد في البول، وابن ماجه (٣٤٧)، كتاب: الطهارة، باب: التشديد في البول. =
[ ١ / ٢٢٥ ]
* التعريف:
عبد الله بن عباس: هو أبو العباس بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمي، ابن عم رسول الله - ﷺ - أخي أبيه، حبر الأمة، وبحر العلم، أبو الخلفاء، وترجمان القرآن، ولد وبنو هاشم في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين.
وتوفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقد ناهز الاحتلام، وقيل: ابن عشر سنين، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، قاله (١) أحمد بن حنبل. قيل (٢): وهو الأصح (٣)، والذي عليه أهل التواريخ هو الأول.
وروى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عنه، في حجة الوداع:
_________________
(١) * مصَادر شرح الحَدِيث: «معالم السنن» للخطابي (١/ ١٩)، و«عارضة الحوذي» لابن العربي (١/ ٩٠)، و«إكمال المعلم) للقاضي عياض (٢/ ١١٨)، و«المفهم» للقرطبي (١/ ٥٥١)، و«شرح مسلم) للنووي (٣/ ٢٠٠)، و«شرح عمدة الأحكام» لابن دقيبق (١/ ٦١)، و«النكت على عمدة الأحكام» للزركشي (ص: ٢٨)، و«التوضيح» (٤/ ٣٩٠)، و«الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» كلاهما لابن الملقن (١/ ٥٢٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٣١٧)، (١٠/ ٤٧٠)، و«عمدة القاري» للعيني (٣/ ١١٤)، و«كشف اللثام» للسفاريني (١/ ٢١٨)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ١١١).
(٢) في (خ): قال.
(٣) قيل ليس في (ق).
(٤) انظر: «العلل» لعبد الله بن الإمام أحمد (٢/ ١٠٤).
[ ١ / ٢٢٦ ]
أنه قال: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام (١)، وهو يشهد لذلك.
وروي عنه: أنه قال: قُبض رسول الله - ﷺ - وأنا ختن، ولم يثبت.
وقيل: إنهم كانوا يختتنون بالبلوغ.
وروي عن النبي - ﷺ - من وجوه (٢) أنه قال: «اللهم فَقِّههُّ في الدين، وعلمه التأويل» (٣).
وروي عنه أنه قال (٤): «اللهم عّلمه الحكمة، وتأويل القرآن» (٥).
وروي عنه أنه قال: «اللهم بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين» (٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٧٦)، كتاب: العلم، باب: متى يصح سماع الصغير، ومسلم (٥٠٤)، كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي. إلا أنه ليس فيه ذكر حجة الوداع.
(٢) من وجوه ليس في (ق).
(٣) رواه الإمام أحمد في «المسند» (١/ ٢٦٦)، وابن حبان في «صحيحهه» (٧٠٥٥)، والحاكم في «المستدرك» (٦٢٨٠). وهو في «صحيح البخاري» (برقم١٤٣) دون قوله: «وعلمه التأويل».
(٤) وروي عنه أنه قال ليس في (خ).
(٥) رواه ابن ماجه (١٦٦) في المقدة، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٦٥). وانظر: «فتح الباري» لابن حجر «١/ ١٧٠).
(٦) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٨٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣١٥)، من حديث ابن عمر - ﵄ -، دون قوله: «واجعله من عبادك الصالحين». وانظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ٩٣٥٩
[ ١ / ٢٢٧ ]
وأنه قال: «اللهم زده علِمًا وفقها» (١).
وهي أحاديث صحاح كلها.
وروى مجاهد عنه: أنه قال: رأيت جبريل ﵇ مرتين، ودعا لي رسول الله - ﷺ - مرتين (٢).
وكان عمر يقول: ابن عباس فتى (٣) الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول (٤). وكان يحبه ويدخله مع كبار الصحابة، ويستشيره، ويعده للمعضلات.
وروى مسروق، عن ابن مسعود، قال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا، ما عاشره منا أحد (٥).
وقال طاوس: أدركت نحو خمس مئة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، إذا خالفوا ابن عباس، لم يزل يقررهم حتى يرجعوا إلى ما قال (٦).
_________________
(١) رواه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٢٨٤)، دون قوله: «وفقها».
(٢) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١/ ٢٨٦)، والطبرلااني في «المعجم الكبير» (١٦١٥).
(٣) في (ق): "في.
(٤) رواه عبد الرزاق، كما عزاه الحافظ في «الإصابة» (٤/ ١٤٥).
(٥) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٦٦)، والحاكم في «المستدرك (٦٢٨٩).
(٦) انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ٩٣٥).
[ ١ / ٢٢٨ ]
وعن مسروق، قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أحكم الناس، وإذا تكلم، قلت: أفصح الناس، وإذا حدث، قلت: أعلم الناس (١).
وقال محمد بن القاسم: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قط، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه (٢).
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس (٣).
وقال يزيد بن الأصم: خرج ابن عباس حاجا مع معاوية، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب لمن يطلب العلم (٤).
وقال شقيق: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فقلت: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو رآه الروم وفارس والترك، لأسلمت (٥).
وكان ابن عباس قد عمي في آخر عمره.
وروي أنه رأى رجلًا مع النبي - ﷺ -، فلم يعرفه، فسأل النبي - ﷺ -
_________________
(١) رواه الطبري في «تهذيب الآثار»: (١/ ١٧٩)، وعبد الله بن الإمام أحنمد في «فضائل الصحابة»: (٢/ ٩٦٠)، لكن من الأعمش.
(٢) انظر: «الاشستيعاب» (٣/ ٩٣٦).
(٣) رواه عبد بن الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٩٥٤).
(٤) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٩٨٣).
(٥) انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ٩٣٦).
[ ١ / ٢٢٩ ]
عنه، فقال: «أرأيته؟»، قال: نعم، قال: «ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك»، وفي ذلك يقول:
إِنْ يَأْخُذِ اللَّه مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ (١)
وعن ميمون بن مهران، قال: شهدت جنازة ابن عباس، فلما وضع ليصلى عليه، جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه، ثم دخل، فالتمس، فلم يوجد، فلما سوي عليه، سمعنا من يسمع صوته ولا يرى شخصه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] (٢).
روي له عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث، وست مئة وستون حديثًا، اتفقا منها على خمسة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين حديثًا، ومسلم بتسعة وأربعين.
روى عنه: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل عامرو بن واثلة، وثعلبة بن الحكم، وأبو أمامة ابن سهل بن حنيف، وأخوه كثير بن العباس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وكريب، وعكرمة، وشعبة، ونافذ
_________________
(١) المرجع السابق، (٣/ ٩٣٧ - ٩٣٨).
(٢) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٣٢٩).
[ ١ / ٢٣٠ ]
أبو معبد مواليه، وطاوس، وكيسان، وابن (١) علي بن عبد الله بن عباس، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبد الله بن عوف الزهري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخلق سواهم.
مات بالطائف سنة ثمان وستين، في أيام ابن الزبير، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة سبعين، والأول أكثر، وأشهر، وكان سنه يوم مات إحدى وسبعين سنة، وقيل: اثنتان وسبعون، وقيل: أربع وسبعون، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة (٢).
روى له الجماعة ﵃ (٣).
_________________
(١) في (ق): "وأبو.
(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» (٦٢٨٤).
(٣) وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ٣٦٥)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (٥/ ٣)، و«فضائل الصحابة» لعبد الله بن الإمام أحمد (٢/ ٩٤٩)، و«الثقات» لابن حبان (٣/ ٢٠٧)، و«المستدرك» للحاكم (٣/ ٦١٤)، و(حلية الأولياء» لأبي نعيم (١/ ٣١٤)، و«الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ٩٣٣)، و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١/ ١٧٣)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٢٩/ ٢٨٥)، و«أسد الغابة» لابن الأثير (٣/ ٢٩١)، و«تهذيب الأسماء واللغات» للنووي (١/ ٢٥٨)، و«تهذيب الكمال» للمزي (١٥/ ١٥٤)، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي (٣/ ٣٣١)، و«تذكرة الحفاظ» له أيضا (١/ ٤٠)، و«البداية والنهاية» لابن كثير (٨/ ٢٩٥)، و«الوافي بالوفيات» للصفدي (١٧/ ١٢١)، و«الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر (٤/ ١٤١)، و«تهذيب التهذيب» له أيضا (٥/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢٣١ ]
* ثم الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: قوله: «إنهما»: من الضمير الذي يفسره سياق الكلام؛ إذ ليس في اللفظ ما يعود عليه الضمير، فهو من باب قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وأشباه ذلك، و(أن) يجوز أن تكون مبتدأة، ويجوز أن تكون جوابا لقسم محذوف، أي: والله إنهما ليعذبان.
الثاني: فيه نص صريح على إثبات عذاب القبر - أجارنا الله منه (١) - كما هو مذهب أهل السنة، وقد اشتهرت الأخبار بذلك.
ق (٢): وفي إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية تخصه دون سائر المعاصي، مع العذاب بسبب (٣) غيره - أيضا -، وإن أراد الله ذلك في [حق] بعض عباده، وعلى هذا جاء الحديث: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (٤)، وكذا (٥) جاء - أيضا -: أن بعض من ذُكر عنه (٦) أنه ضمه القبر أو ضغطه، فسئل أهله، فذكروا أنه كان منه (٧)
_________________
(١) أجارنا الله منه ليس في (ق).
(٢) ق ليس في (ق).
(٣) في (ق): "ليست.
(٤) رواه الدارقطني في «سننه» (١/ ١٢٧)، من حديث أنس - ﵁ - ثم قال: المحفوظ مرسل.
(٥) في (ق): "وكذلك.
(٦) في (ق): "منه.
(٧) في (ق): "معه
[ ١ / ٢٣٢ ]
تقصير في الطهور (١).
الثالث: قوله -﵊-: «وما يعذبان في كبير» هكذا هو في مسلم، وجاء في
رواية البخاري: «وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول»، الحديث، ذكره في كتاب:
الأدب، في باب: النميمة من الكبائر، وفي كتاب: الوضوء من البخاري - أيضا -: «وما
يعذبان في كبير، بلى إنه كبير»، فثبت هاتين الزيادتين الصحيحتين أنه كبير، فذكر العلماء
في ذلك ثلاث تأويلات:
أحدها: «وما يعذبان في كبير» في زعمهما.
الثاني (٢): «في كبير» تركه.
والثالث: ما قاله ع؛ أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر (٣).
ح: فعلى هذا يكون المراد بهذا: الزجر والتحذير لغيرهما؛
أي: لا يتوهم أحد أن التهذيب لا يكون إلا في الكبائر الموبقات، فإنه يكون في غيرهما (٤)، والله أعلم.
وسبب كونهما كبيرين: أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة، والسعي بالفساد
_________________
(١) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ٦١).
(٢) في (ق): " «والثاني).
(٣) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ١١٨).
(٤) في (خ): «غيرهما».
[ ١ / ٢٣٣ ]
من أقبح القبائح، لا سيما مع قوله - ﷺ - «كان يمشي بالنميمة» بلفظ (كان) التي هي للحال المستمرة غالبا، والله أعلم (١).
تنبيه:
(في) من قوله - ﷺ -: «في كبير» للسبب؛ أي: وما يعذبان بسبب أمر كبير، وقد أنكر أن تكون «في» للسبب جماعة من الأدباء، والصحيح ثبوته؛ لهذا الحديث، ولقوله -ﷺ: «في النفس المؤمنة مئة من الإبل» (٢)؛ فإن النفس ليست ظرفًا للإبل، وكذلك قوله -﵊- في حديث الإسراء: «فرأيت في النار امرأة حميرية عجل بروحها إلى النار؛ لأنها حبست هرة (٣) حتى ماتت جوعا وعطشا، فدخلت النار فيها» (٤)، معناه: بسببها؛ لأنها ليست
في الهرة، وكذلك قولهم: أحب في الله، وأبغض في الله؛ أي: أحب بسبب طاعة الله، وأبغض بسبب معصية الله.
الرابع: (أما) حرف تفصيل، نائب عن حرف الشرط وفعله،
_________________
(١) انظر: شرح مسلم للنووي (٣/ ٢٠١).
(٢) رواه النسائي (٤٨٥٣)، كتاب: القسامة، باب: حديث عمرو بن حزم في العقول.
(٣) في (ق): " «في هرة».
(٤) رواه مسلم (٩٠٤)، كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - مختصرا. ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٧٤) نحوا مما ذكره المؤلف هنا، إلا أن ذلك كان في حديث الكسوف لا الإسراء كما ذكر المؤلف - ﵀ -.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وبيان ذلك أن يقول القائل: زيد عالم، كريم شجاع - مثلًا (١) -، فيعدد أوصافًا لا يعلم السامع إلا بعضها، فيقول حينئذ: أما زيد، فعالم، أي: وفي الباقي نظر، ففصل (٢) ب (أما) ما أجمله الأول، هذا معنى التفصيل.
وأما كونه نائبا عن حرف الشرط وفعله، فإن معنى قولنا: أما زيد فعالم: مهما يكن (٣) من شيء، فزيد عالم، فناب أما مناب حرف الشرط، وهو (مهما)، والمجزوم (٤) وهو (يكن) وما تضمنه من الفاعل، فلذلك ظهر بعده الجواب، ولم يظهر الشرط؛ لقيامه مقامه، وأجيب بالفاء كما يجاب الشرط (٥)، وجوابه هنا (٦) الفاء في قوله - ﷺ -: «فكان يمشي بالنميمة».
ولتعلم أن (أما) المفتوحة الهمزة تستعمل في الكلام على وجهين:
أحدهما: ما تقدم.
والثاني: أن تكون بمعنى كان، فترفع الاسم، وتنصب الخبر، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
_________________
(١) مثلا ليس في (ق).
(٢) ففصل ليس في (ق).
(٣) في (ق): "يكون.
(٤) في (ق): "والحذوف.
(٥) في (ق): "بالشرط.
(٦) هنا: ليس في (ق).
[ ١ / ٢٣٥ ]
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ فَإِنَّ قَوْمِيَ لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ (١)
أي: لئن كنت ذا نفر، ف (أنت) اسمها، و(ذا) خبرها؛ لقيامها مقام كان.
الخامس: قوله -﵊-: «لا يستتر من البول» فيه ثلاث روايات: «لا يستتر من البول» -بتاءين-، و«يستنزه» -بالزاي والهاء-، و«يستبرئ» -بالباء الموحدة، [و] بالهمز بعد الراء، وهذه الثلاثة في البخاري وغيره، ومعناها (٢): لا يتجنبه، ولا يتحرز منه.
ق: وهذه اللفظة -أعني: (يستتر) -اختلف فيها الرواة على وجوه، وهذه اللفظة تحتمل وجهين:
أحدهما: أن تحمل على حقيقتها؛ من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة.
والثاني: -وهو الأقرب-: أن تحمل على المجاز، ويكون المراد بالاستتار: التنزه عن البول، والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، وإما بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به؛ كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازا، ووجه العلاقة بينهما: أن المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وإنما (٣) رجحنا
_________________
(١) البيت للعباس بن مرداس، كما في «الكتاب» للسيبويه (١/ ٢٩٣).
(٢) في (ق): "ومعناهما.
(٣) في (ق): "وإن.
[ ١ / ٢٣٦ ]
المجاز- وإن كان الأصل الحقيقة -لوجهين (١):
أحدهما: أنه لو كان المراد العذاب على مجرد كشف العورة، كان ذلك سببا مستقلًا أجنبيا عن البول؛ فإنه حيث حصل الكشف للعورة، حصل العذاب المرتب عليه، وإن لم يكن ثمّ بول، فيبقى تأثير البول بالنسبة إلى عذاب القبر بخصوصه مطرحا عن الاعتبار، والحديث (٢) يدل على أن للبول (٣) بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، وأيضا: فإن لفظه (من) لما أضيفت إلى البول، وهي لابتداء الغاية حقيقة، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء (٤) الغاية مجازا، يقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب (٥) العذاب إلى البول، بمعنى: أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حملناه على كشف العورة، زال هذا المعنى.
والوجه الثاني: أن بعض الروايات في هذه اللفظة تشعر بأن المراد: التنزه من البول، وهي رواية وكيع: (لا يتوقى)، وفي رواية بعضهم: (لا يستنزه)، فتحمل هذه اللفظة على تلك؛ ليتفق معنى (٦) الروايتين (٧).
_________________
(١) في (ق): " «فلوجهين».
(٢) «والحديث» ليس في «ق».
(٣) في (ق): " «البول».
(٤) «ابتداء» ليس في «خ».
(٥) (ق): " «بسبب».
(٦) في «ق»: «مع».
(٧) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن دقيق (١/ ٦٢).
[ ١ / ٢٣٧ ]
قلت: فتكون أربع روايات، وتزاد إلى الثلاثة المتقدمة: (لا يتوقى)، على ما ذُكر.
السادس: النميمة: فعيلة من نمّ الحديث، ينمه، وينمه: إذا قته، أي: نقله عن المتكلم به إلى غيره (١)، وهي حرام بإجماع إذا قُصد بها الإفساد بين المسلمين، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها، قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وروينا في «صحيحي» البخاري ومسلم، عن حذيفة، عن النبي - ﷺ - قال: «لا يدخل الجنة نمام» (٢)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة.
قال الغزالي رحمه الله تعالى: النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه،؛كقوله: فلان يقول فيك كذا، وليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول، أو الكناية، أو الرمز، أو بالمكاتبة أو الرمز (٣) الإيماء (٤)، أو نحوها،
_________________
(١) انظر: «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (٢/ ١٣)، و«النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٤/ ١١).
(٢) رواه البخاري (٥٧٠٩)، كتاب: الأدب، باب: ما يكره من النميمة، إلا أنه قال: «قتات» بدل «نمام»، ومسلم (١٠٥)، كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم النميمة، واللفظ له، عن حذيفة - ﵁ -.
(٣) «بالمكاتبة أو بالرمز» زيادة من «ق».
(٤) في «ق»: «بالإيحاء».
[ ١ / ٢٣٨ ]
وسواء كان المنقول من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيبا، أو غيره، فحقيقة النميمة: إفشاء السر، وهتك الستر (١) عما يكره كشفه. قال: وينبغي للإنسان أن يسكت (٢) عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلا ما (٣) في حكايته فائدة لمسلم، أو دفع معصية، وإذا رآه يخفي مال نفسه، فذكره، فهو نميمة.
قال: فكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه (٤) ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق، وهو مردود الخبر.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغض في الله تعالى واجب.
الرابع: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء؛ لقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢].
الخامس: ألا يحمله ما حكي له (٥) على التجسس، والبحث
_________________
(١) «وهتك الستر» ليس في «ق».
(٢) في (ق): " «أن لا يكشف».
(٣) في (ق): " «من الأحوال الناس إلا ما في».
(٤) في (ق): " «لزمته».
(٥) في (خ): «أن لا يحملك ما حكي لك». .
[ ١ / ٢٣٩ ]
عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢].
السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى (١) النمام عنه، فلا يحكي نميمته، انتهى (٢).
وقد حكي أن رجلًا ذكر لعمر بن عبد العزيز﵁- رجلًا بشيء، فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا، فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وإن كنت صادقًا، فأنت من أهل هذه الآية ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وإن شئت، عفونا عنك، قال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه (٣) أبدا (٤).
وحكى ح: أن إنسانا رفع إلى الصاحب ابن عباد رقعة يحضه فيها على أخذ مال يتيم، وكان مالًا كثيرا (٥)، فكتب على ظهرها: النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعي لعنه الله (٦).
السابع: وأما وضعه (٧) الجريدتين على القبرين، فقال العلماء:
_________________
(١) في (ق): " «ما نمى».
(٢) انظر: «إحياء علوم الدين» للغزالي (٣/ ١٥٦). وقد نقل المؤلف كلام الغزالي - رحمهما الله - عن النووي - ﵀ - في كتابه «الأذكار».
(٣) في (ق): " «إليهما».
(٤) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٥) في (ق): " «كبيرا».
(٦) انظر: «الأذكار» للنووي (ص: ٢٧٧)
(٧) في «ق»: «وضع».
[ ١ / ٢٤٠ ]
هو محمول على أنه - ﷺ - سأل الشفاعة لهما، فأجيبت شفاعته - ﷺ - للتخفيف عنهما إلى أن ييبسا.
وقد ذكر مسلم -رحمه الله تعالى- في آخر الكتاب في الحديث الطويل، حديث جابر في صاحبي (١) القبرين: «فأجيبت شفاعتي أن يرفه (٢) عنهما ما دام الغصنان (٣) رطبين» (٤).
وقيل: يحتمل أنه - ﷺ - كان يدعو لهما تلك المدة.
وقيل لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب كثيرين، أو (٥) الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قالوا: معناه (٦): وإن من شيء حي، ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع.
وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه.
ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح حقيقة، أم فيه دلالة على الصانع،
_________________
(١) في (ق): " «صاحب».
(٢) في (ق): " «فأجيبت شفاعته أن يرفع».
(٣) في (خ): «القضيبان».
(٤) رواه مسلم (٣٠١٢)، كتاب، الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل. وقصة أبي اليسر، من حديث أبي اليسر - ﵁ -.
(٥) «كثيرين أو» ليس في «ق».
(٦) «معناه» ليس في «ق».
[ ١ / ٢٤١ ]
فيكون مسبحا منزها بصورة حاله؟
والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله ﷾ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به، وجب المصير إليه، والله أعلم.
واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر؛ لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد، فبتلاوة (١) القرآن أولى، والله أعلم.
وقد ذكر البخاري في «صحيحه»: أن بريدة بن الحصيب الصحابي﵁أوصى (٢) بأن يجعل في قبره جريدتان (٣)، ففيه: أنه﵁- تبرك بفعل مثل فعل النبي - ﷺ -.
وقد أنكر الخطابي ما يفعله (٤) الناس على القبور من الأخواص (٥) ونحوها، متعلقين بهذا الحديث، وقال: لا أصل له، ولا وجه له (٦).
_________________
(١) في (ق): " «الجريدة فتلاوة».
(٢) في (ق): " «وصى».
(٣) ذكره البخاري في «صحيحه» معلقا بصيغة الجزم. ورواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (٧/ ٨) موصولا، مورق العجلي، قال: أوصى بريدة الأسلمي أن توضع في قبره جريدتان.
(٤) في (ق): " «يفعل».
(٥) في (ق): " «الأخواض».
(٦) انظر: شرح مسلم للنووي (٣/ ٢٠٢)، وعنه نقل المؤلف الفائدة السابعة كاملة. =
[ ١ / ٢٤٢ ]
وقال القرطبي في «تذكرته»: قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: ويستفاد من هذا- يشير إلى وضع الجريدتين- غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور، وإذا خّفف عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة (١) الرجل المؤمن القرآن (٢)؟!
والعجب من الخطابي -﵀- في قوله: لا أصل له، ولا وجه له، مع هذا الحديث المتفق عليه، والله سبحانه أعلم.
* * *
_________________
(١) = قلت: قال الخطابي في «معالم السنن»: (١/ ١٩): وأما غرسه شق العسيب على القبر، وقوله: «لعله يخففه عنهما ما لم ييبسا»، فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي - ﷺ -، ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه - ﷺ - جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، والله أعلم.
(٢) في (ق) زيادة: «القرآن».
(٣) انظر: «التذكرة في أحوال الموتى والآخرة» للقرطبي (ص: ٢٧٦).
[ ١ / ٢٤٣ ]