(أولها): نجاسةُ فم الكلب من حيثُ أمره - ﷺ - بالغسلِ لِمَا وَلَغَ فيهِ، والإراقة للماءِ، وقولهُ: "طُهُورُ إناءِ أَحَدِكُمْ" فإنهُ لا غُسْلَ إِلَّا [مِنْ] (^٢) حَدَثٍ، أو نَجَسٍ، وليسَ هنا حدثٌ فتعينَ النَّجَسُ، والإراقَةُ إضاعَةُ مالٍ فلو كانَ الماءُ طاهرًا لما أَمَر بإضاعتِهِ؛ إذ هو منهيٌّ عن إضَاعَةَ المالِ. وهوَ ظاهرٌ في نجاسةِ فمهِ، وأُلحقَ بهِ سائرُ بدنِه قياسًا عليهِ (^٣)، وذلكَ لأنهُ إذا ثبتتْ نجاسةُ لُعَابِهِ، ولُعَابُهُ جزءٌ منْ فمهِ إذ
_________________
(١) = قلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٥٧ رقم ٧١)، والنسائي (١/ ٥٣)، وابن ماجه (١/ ١٣٠ رقم ٣٦٣ و٢٦٤)، والحاكم (١/ ١٦٠)، والبيهقي (١/ ٢٤٠، ٢٤٧)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٥٠ رقم ٩٥) و(١/ ٥١ رقم ٩٦)، والدارقطني (١/ ٦٤، ٦٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٠٨)، والطحاي في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٦٨)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١/ ٩٦ رقم ٣٢٩ و٣٣٠ و٣٣١)، وأحمد (٢/ ٢٦٥)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ١٧٣) و(١٤/ ٢٠٤)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ١٠٩)، والطبراني في "الصغير" (١/ ١٦٤ رقم ٢٥٦) وهو حديث صحيح.
(٢) "المحيط" (ص ١٠٢٠).
(٣) في النسخة (أ): "عن".
(٤) للعلماء في الكلب ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: أنَّهُ نجسٌ كله حتى شعره، كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. والثاني: أنه طاهر حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه. والثالث: أن ريقه نجسٌ، وأن شعره طاهرٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه، وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه، وهي الرواية الأخرى عن أحمد وهذا أرجح الأقوال. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" (٢١/ ٦١٦)، وكتابنا: "إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الطهارة.
[ ١ / ١١٦ ]
هوَ عَرَقُ فمهِ، ففمُهُ نجسٌ إذ العَرَقُ جزءٌ متحلِّبٌ مِنَ البدنِ، فكذلكَ بقيةُ بدنِهِ، إلا أن مَنْ قَالَ: إن الأمرَ بالغُسْلِ ليس لنجاسةِ الكلبِ، قالَ: يحتملُ أَنَّ النجاسةَ في فمِهِ ولُعابهِ؛ إذ هوَ محلُّ استعمالهِ للنجاسةِ بحسب الأغلبِ، وعَلَّقَ الحكمَ بالنظرِ إلى غالبِ أحوالهِ من أكلهِ النجاساتِ [بفمهِ] (^١)، ومباشرتهِ لها، فلا يدلُّ على نجاسةِ عينهِ.
والقولُ بنجاسته قولُ الجماهيرِ. والخلافُ لمالكٍ وداودَ والزهريِّ، وأدلةُ الأولينَ ما سمعتَ، وأدلةُ غيرهِمْ، وهم القائلونَ بأنَّ الأمرَ بالغُسْلِ للتعبدِ لا للنجاسةِ، [لأنه] (^٢) لو كانَ للنجاسةِ لاكتفى بما دونَ السبعِ إذْ نجاستُهُ لا تزيدُ على العَذِرَةِ، وأجيبَ عنهُ بأنَّ أصلَ الحكم، وهو الأمرُ بالغسل معقولُ المعنى، ممكنُ التعليلِ أي بأنهُ للنجاسةِ، والأصلُ في الأحكامِ التعليلُ فيحملُ على [الأعم] (^٣) الأغلب، والتعبدُ إنما هو في العددِ فقط، كذا في الشرحِ وهو مأخوذٌ منْ "شرحِ العمدةِ". وقد حققنا في حواشيهِ خلافَ ما قرَّرهُ من أغلبيةِ تعليلِ الأحكامِ، وطوَّلنا هنالكَ الكلامَ.
(الحكم الثاني): أنَّهُ دلَّ الحديثُ على وجوبِ سبعٍ غَسَلاتٍ للإناءِ وهو واضحٌ، ومن قالَ: لا تجبُ السبعُ بل ولوغُ الكلب كغيرِه من النجاساتِ والتسبيعُ ندبٌ، اسْتَدَلَّ على ذلكَ بأنَّ راوي الحديثِ وهو أَبو هريرةَ قالَ: يُغْسَلُ من ولوغِهِ ثلاثَ مراتٍ كما أخرجهُ [عنه] (^٤) الطحاوي (^٥)، والدارقطني (^٦)، وأجيب عن هذا
_________________
(١) زيادة من النسخة (أ).
(٢) في النسخة (ب): "بأنَّه".
(٣) زيادة من النسخة (أ).
(٤) زيادة من النسخة (أ).
(٥) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٣).
(٦) في "السنن" (١/ ٦٦ رقم ١٦): وقال: هذا موقوفٌ، ولم يروه هكذا غيرُ عبدِ الملكِ عن عطاءٍ، واللَّه أعلم. وقال البيهقيُّ في "المعرفة" (٢/ ٥٩ - ٦١). وأما الذي يروى عن عبد الملك بن أبي سليمانَ عن عطاءِ، عن أبي هريرة موقوفًا عليه: "إذا وَلَغَ الكلبُ في الإناءِ فأهرقْهُ ثم اغْسِلْهُ ثلاثَ مراتٍ". فإنهُ لم يَروِهِ غيرُ عبدِ الملكِ، وعبدُ الملكِ لا يقبلُ منهُ ما يخالفُ فيهِ الثقاتِ، وقد رواهُ محمدُ بنُ فضيلٍ عن عبدِ الملكِ مضافًا إلى فعل أبي هريرة دون قولِهِ، وروينا عن حمادِ بن زيدٍ، ومعتمرِ بن سليمانَ عن أيُّوبَ، عن محمدِ بن سيرينِ، عن أبي هريرةَ من قولِهِ نحوًا من روايتهِ عن النبي - ﷺ -، ورويَ عن عليٍّ وابن عمر وابنِ =
[ ١ / ١١٧ ]
بأنَّ العملَ بما رواهُ عن النبي - ﷺ - لا بما رآهُ وأفتى بهِ، وبأنهُ معارَضٌ بما رُوي عنه، [وأيضًا] (^١) أنَّه أفتى بالغُسلِ سبعًا، وهي أرجحُ سندًا. وترجَّحَ أيضًا بأنها توافقُ الروايةَ المرفوعةَ. [ومما] (^٢) رُوي عنهُ - ﷺ - أنهُ قالَ في الكلبِ يَلَغُ في الإناء: "يُغْسَلُ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا" (^٣)، قالوا: فالحديثُ دلَّ على عدمِ تعيينِ السبع، وأنهُ مخيرٌ ولا تخييرَ في مُعَيَّنٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ حديثٌ ضعيفٌ (^٤) لا تقومُ بهِ حجةٌ.
(الحكمُ الثالثُ): وجوب التتريبِ للإناءِ لثبوتهِ فِي الحديثِ، ثم الحديثُ يدلُّ على تَعَيُّنِ التراب، وأنهُ في الغَسلةِ الأولى. ومَنْ أوجبهُ قالَ: لا فرقَ بينَ أَنْ يُخلَطَ الماءُ بالترَابِ حتى يتكدَّرَ، أو يُطْرَحَ الماءُ على الترابِ، أو [يُطْرَحَ] (^٥) الترابُ على الماءِ، وبعضُ منْ قالَ بإيجابِ التسبيعِ قالَ: لا تجبُ غُسْلةُ الترابِ لعدمِ ثبوتها عندَهُ. ورُدَّ بأنها قد ثبتتْ فِي الروايةِ الصحيحةِ بلا [ريبٍ] (^٦)، والزيادَةُ مِنَ الثقةِ مقبولةٌ. وأَوردَ على روايةٍ الترابِ بأنها قد اضطربتْ فيها الروايةُ فروي: أُولَاهُنَّ، أو أُخْرَاهُنَّ، أو إِحْدَاهُنَّ، أو السابعةُ أو الثامنةُ، والاضطرابُ قادحٌ فيجبُ الاطِّراحُ لها. وأجيبَ عنهُ بأنهُ لا يكونُ الاضطرابُ قادحًا إلا معَ استواءِ الرواياتِ وليسَ ذلكَ هنا كذلكَ، فإنَّ روايةَ أُولاهُنَّ أرجحُ لكثرةِ رواتها، وبإخراجِ [أحد] (^٧) الشيخين (^٨) لها، وذلك من وجوه الترجيحِ عندَ التعارض.
_________________
(١) = عباسٍ مرفوعًا في الأمرِ بغَسْلِهِ سبعًا، والاعتمادُ على حديث أبي هريرة لصحة طريقهِ وقوةِ إسناده، وعبد الملك تفرَّدَ به من بين أصحاب عطاءِ، ثم أصحاب أبي هريرةَ، ولمخالفتهِ أهلَ الحفظِ والثقةِ في بعضِ رواياتهِ، تركَهُ شعبةُ بنُ الحجاجِ، فلم يحتجَّ بهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ في "الصحيح"، وحديثُهُ هذا مختلفٌ عليهِ فرُويَ عنهُ من قولِ أبي هريرة، ورويَ عنهُ من فعلِهِ، فكيفَ يجوزُ تركُ روايةٍ الحفاظ الثقاتِ الأثباتِ من أوجهٍ كثيرةٍ لا تكون مثلها غلطًا، بروايةِ أحدٍ قد عُرِفَ بمخالفتِه الحفاظ في بعضِ أحاديثهِ". اهـ ملخصًا.
(٢) زيادة من النسخة (ب).
(٣) في النسخة (أ): "ولما".
(٤) أخرجهُ الدارقطني في "السنن" (١/ ٦٥ رقم ١٣ و١٤) وقال: "تفرد به عبدُ الوهابِ - بنُ الضحاكِ -، عن إسماعيلَ - بن عياشٍ -، وهو متروكُ الحديثِ، وغيرهُ يرويهِ عن إسماعيلَ بهذا الإسنادِ: "فاغسلوهُ سبعًا"، وهو الصوابُ". اهـ.
(٥) وهو كما قال.
(٦) زيادة من النسخة (أ).
(٧) في (ب): مرية.
(٨) زيادة من النسخة (ب).
(٩) قلت: أخرجه البخاري (١/ ٢٧٤ رقم ١٧٢)، ومسلم (١/ ٢٣٤ رقم ٩٠/ ٢٧٩) عن أبي=
[ ١ / ١١٨ ]
وألفاظ الرواياتِ التي عورضَتْ بها أولاهُنَّ لا تقاومُها. وبيانُ ذلكَ أن روايةَ أُخْرَاهُنَّ مُتَفَرِّدَةٌ لا توجدُ في شيءٍ مِنْ كتبِ الحديثِ مسندة (^١)، وروايةُ السابعة بالتراب (^٢) اختُلِفَ فيها فلا تقاوِمُ روايةَ أولاهُنَّ بالتراب، وروايةُ إحداهُنَّ بالحاءِ والدالِ المهملتينِ ليستْ في الأمهاتِ، [بل رواها] (^٣) البزارُ (^٤)، فعلى صحتها فهيَ مطلقةٌ يجبُ حَمْلُها على المقيدةِ، وروأيةُ أولاهُنَّ أو أخراهُنَّ بالتخييرِ إنْ كانَ ذلكَ مِنَ الراوي فهو شكٌّ منهُ فيرجَعُ إلى الترجيحِ، وروايةُ أولاهُنَّ أرجحُ وإنْ كانَ مِنْ كلامِهِ - ﷺ - فهوَ تخييرٌ منهُ - ﷺ -، ويرجِعُ إلى ترجيح أولاهُنَّ لثبوتِها فقط عندَ أحد الشيخينِ (^٥) كما عرفْتَ.
وقولهُ: "إناءِ أحدِكم" الإضافةُ ملغاةٌ هنا؛ لأنَّ حُكمَ الطهارةِ والنجَاسَةِ [هنا] (^٦) لا يتوقفُ على ملْكِهِ الإناءَ. وكذا قولُه: "فليغْسِلْهُ" لا يتوقفُ على أَنْ يكونَ مالكَ الإناءِ هُو الغاسِلُ، وقولهُ: وفي لفظٍ: "فَلْيُرِقْهُ" هي مِنْ ألْفاظِ رواية مسلمٍ (^٧)، وهي أمرٌ بإراقَةِ الماءِ الذي وَلَغَ فيهِ الكلبُ، أو الطعام؛ وهي مِنْ أقوى الأدِلَّةِ على النجاسةِ؛ إذْ المراقُ أعمُّ من أن يكونَ ماءَ أو طعامًا، ولو كانَ طاهرًا لم يأمرْ بماراقتهِ كما عرفْتَ؛ إلا أنه نَقَلَ المصنفُ في "فتح الباري" (^٨): عدمَ صحةِ هذهِ اللفظةِ عَنِ الحفاظ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لم ينقلْها أحدٌ مِنَ الحفاظِ منْ
_________________
(١) = هريرة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شَرِبَ الكلبُ في إناءٍ أحدكم فليغسلهُ سبعًا" واللفظ للبخاري. وزادَ ابنُ سيرينَ عنه: "أولاهُنَّ بالترابِ"، أخرجها مسلم (١/ ٢٣٤ رقم ٩١/ ٢٧٩) وغيره ولم يخرجها البخاري.
(٢) قلت: أخرجها الترمذي (١/ ١٥١ رقم ٩١) كما تقدم.
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٥٩ رقم ٧٣)، والدارقطنيّ (١/ ٦٤ رقم ٧) وقال: صحيح. وقال الألباني في "الإرواء" (١/ ١٨٩): ولكنه شاذٌّ، والأرجح الرواية: "الأولى بالتراب".
(٤) في النسخة (أ): "ورواها".
(٥) (١/ ١٤٥ رقم ٢٧٧ "كشف الأستار")، وقال: "هو في "الصحيح" خلا قولِهِ: "إحداهنَّ"، لم يروه هكذا إلا يونس". اهـ. وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٨٧): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار".
(٦) قلت: ثبتتْ عند مسلم كما تقدم.
(٧) زيادة من النسخة (أ).
(٨) في "صحيحه" (١/ ٢٣٤ رقم ٨٩/ ٢٧٩) كما تقدم.
(٩) (١/ ٢٧٥).
[ ١ / ١١٩ ]
أصحابِ الأعمشِ. وقال ابنُ مَنْدَه: لا تُعرفُ عن النبيِّ - ﷺ - بوجهٍ مِنَ الوجوهِ. نعمْ أَهْمَلَ المصنفُ ذِكْرَ الغَسْلَةِ الثامِنَةِ، وقدْ ثبتَ عِندَ مسلمٍ (^١): "وعفِّروهُ الثامنةَ بالترابِ".
قال ابنُ دقيق العيد: إنَّهُ قال بها الحسنُ البصري ولم يقُلْ بها غيرُهُ، ولعلَّ المرادَ بذلك مِنَ المتقدمينَ. والحديثُ قويٌّ فيها، ومَنْ لم يقُلْ بهِ احتاجَ إلى تأويلهِ بوجهٍ فيهِ استكراهٌ. اهـ.
قلتُ: والوجهُ [أي المستكرَهُ] (^٢) في تأويلهِ ذكرَهُ النوويُّ (^٣) فقالَ: المرادُ اغْسِلُوهُ سبعًا واحدةً منهنَّ بالترابِ معَ الماءِ، فكأن الترابَ قائمٌ مقامَ غَسْلَةٍ، فسُميت ثامنَةً، [قلت] (^٤): ومثلَهُ قال الدَّميرِي في "شرحِ المنهاجِ"، وزادَ أنهُ أطلقَ الغُسْلَ على التعفيرِ مجازًا.
قلتُ: ولا يخفى أن طيَّ المصنفِ لذكرها وتأويلِ مَنْ ذكر بإخراجها إلى المجازِ كلُّ ذلكَ محاماةٌ على المذهبِ، والحقُّ مع الحسنِ البصريِّ، وأمَّا الأمر بقتلِ الكلابِ ثم النهي عنهُ وذكر ما يباحُ اتخاذهُ منها فيأتي الكلامُ عليهِ في بابِ الصيد، [إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى] (^٥).