والحديثُ فيهِ دلالةٌ على نجاسةِ بولِ الآدمي وهو إجماعٌ، وعلى أن الأرضَ إذا تنجَّسَتْ طَهُرَتْ بالماءِ كسائرِ المتنجساتِ، وهلْ يجزئُ في طهارِتها غيرُ الماءِ؟ قيلَ: تطهرُها الشمسُ والريحُ، فإن تأثيرَهُما في إزالةِ النجاسةِ أعظمُ إزالةً مَن الماء، ولحديثِ: "ذكاةُ الأرضِ يُبْسُها"، ذكره ابن أبي شيبة (^٤)، وأجيبَ بأنَّهُ ذكرهُ موقوفًا، وليسَ من كلامهِ - ﷺ -، كما ذكرَ عبدُ الرزاقِ (^٥) حديثَ أبي قِلابةَ
_________________
(١) كما في "النهاية" (٢/ ١٧١).
(٢) وهي الدَّلو الملأى ماءً. [النهاية (٢/ ٣٤٤)].
(٣) في النسخة (ب): "هريق".
(٤) في "المصنف" (١/ ٥٧) من حديث أبي جعفر. قلت: وأوردَهُ القاري في "الأسرار المرفوعةِ" رقم (٢٠٨)، وابن الديبع في "التمييز" رقم (٦٣٩) وقال: "احتجَّ به الحنفية، ولا أصلَ لهُ في المرفوع، نعم ذَكره ابن أبي شيبة مرفوعًا عن أبي جعفر الباقر" اهـ. وأورده الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص ٣٣) وقال: "هو موقوفٌ على محمد بن علي الباقر" اهـ. وكذلك أوردَهُ السخاوي في "المقاصد" رقم (٥٥٤).
(٥) لم أعثر عليه في المصنف. وقد عزاه إليه السخاوي في "المقاصد" (ص ٣٥٥)، وأورده الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص ٣٣). • قلت: إن الأرض التي أصابتها نجاسة ففي طهارتها وجهانِ: (الأول): صبُّ الماء عليها، وهو مذهبُ العترةِ، والشافعي، ومالكٍ، وأحمدَ، وزفرَ، واستدلوا بحديثِ أنسِ بن مالكٍ رقم (١٥). [انظر: "نيل الأوطار" (١/ ٤٢)، و"عون المعبود" (٢/ ٤٣)، و"فتح باب العناية" (١/ ٢٤٧)]. =
[ ١ / ١٢٤ ]
موقوفًا عليهِ بلفظ: "جفوفُ الأرضِ طهورُها"، فلا تقومُ بهما حجةٌ.
والحديثُ ظاهرٌ في أن صبَّ الماءِ يُطَهِّرُ الأرضَ رِخْوَةً كانتْ أو صُلْبَةً، وقيلَ: لا بدَّ من غسلِ الصُّلْبَةِ كغيرها مِنَ المتنجساتِ، وأرضُ مسجدهِ - ﷺ - كانتْ رِخْوَةً فكفى فيها الصبُّ.
[وكذلكَ الحديثُ ظاهرٌ] (^١) في أنها لا تتوقفُ الطهارةُ على نضوبِ الماءِ، لأنهُ - ﷺ - لم يشترط في الصَّبِّ على بولِ الأعرابي شيئًا، وهو الذي اختارَهُ المهدي في "البحر" (^٢)؛ وفِي أنهُ لا يشترطُ حَفْرُها وإلقَاءُ الترابِ.
وقال أبو حنيفة: إذا كانتْ صُلْبَةً فلا بدَّ من حَفْرِها وإلقاءِ الترابِ؛ لأنَّ الماءَ لم يعمَّ أعلاها وأسفَلَها، ولأنهُ وردَ في بعضِ طرقِ [هذا] (^٣) الحديثِ أنهُ قالَ - ﷺ -: "خذوا ما بالَ عليهِ مِنَ الترابِ فألقوهُ، وأَهْريقوا على مكانهِ ماءً".
_________________
(١) = (والوجه الثاني): جفافُها ويُبْسُها بالشمس أو الهواءِ وذهابُ أثرِ النجاسةِ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، وأبي يوسف، ومحمدِ بن الحسنِ. واستدلوا بالحديث الذي أخرجهُ أبو داود (٢/ ٤١ - مع العون)، والبغويُّ في: "شرحِ السنةِ" (٢/ ٨٢)، وقالَ: حديث صحيحٌ، والبيهقي (١/ ٢٤٣)، والبخاري في صحيحه تعليقًا (١/ ٢٧٨ - مع الفتح)، و"تغليق التعليق" (٢/ ١٠٩)، عن ابن عمر - ﵄ - قال: كنتُ أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله - ﷺ -، وكنت فتًى شابًا عَزبًا، وكانت الكلابُ تبولُ وتقبلُ وتدبر في المسجدِ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. وهو حديثٌ صحيحٌ. • قال ابن حجر في "فتح الباري" (١/ ٢٧٩): "واستدل أبو داود في "السنن" على أنَّ الأرضَ تَطهُرُ إذا لاقَتْها النجاسَةُ بالجفافِ، يعني أنَّ قولَهُ: "لم يكونوا يرشونَ" يدلُّ على نفي صبِّ الماءِ من بابِ أولى، فلولا أنَّ الجفاف يفيدُ تطهيرَ الأرضِ، ما تركوا ذلك ولا يخفى ما فيه" اهـ. وقال شمس الحق آبادي في "عون المعبود" (١/ ٤٣)، تعقيبًا على كلام ابن حجر هذا: "ليس عندي في هذا الاستدلال خفاءٌ بل هو واضحٌ … " اهـ. • وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (١/ ٤٦٢) أيضًا: "واستدلالُ أبي داودَ بهذا الحديثِ على أن الأرضَ تطهُرُ بالجفافِ صحيحٌ ليسَ فيهِ عندي خدشةٌ" اهـ.
(٢) زيادة من النسخة (أ).
(٣) في "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار" (١/ ٢٦).
(٤) زيادة من النسخة (أ).
[ ١ / ١٢٥ ]
قالَ المصنفُ في "التلخيص" (^١): له إسنادانِ موصولانِ، (أحدُهما): عن ابن مسعودٍ (^٢)، (والآخرُ): عن وَاثِلَةَ بن الأسقَع (^٣)، وفيهما مقالٌ. ولو ثبَتتْ هذهِ الزيادة لبطلَ قولُ منْ قالَ: إنَّ أرضَ مسجدِه - ﷺ - رِخْوَةٌ، فإنهُ يقولُ: لا يحفرُ ويلقى الترابُ إلا مِنَ الأرضِ الصُّلْبَةِ.