(عَلَى نِعَمِهِ) جمعُ نِعمةٍ.
قال الرازيُّ: النعمةُ المنفعةُ المفعولةُ على جهةِ الإحسانِ إلى الغير. وقال
_________________
(١) = يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وقال الدارقطني: والمرسلُ هو الصواب. وقال المحدثُ الألباني في "الإرواء" (١/ ٣٢): وجملةُ القولُ أن الحديث ضعيف، لاضطراب الرواةِ فيهِ على الزهري، وكلُّ مَنْ رواهُ عنه موصولًا ضعيفٌ، أو السنَدُ إليهِ ضعيفٌ والصحيح عنه مرسلًا … " اهـ.
(٢) المُناوي: هو الإمامُ عبدُ الرؤوفِ بن تاجِ العارفينَ بن علي الحدادي المناوي. وصفَهُ بالحافظ جماعَةٌ منهم صاحب "نشر المثاني"، بل حلَّاه بخاتمةِ الحفاظِ المجتهدين. ولا شك أنه كان أعلمَ معاصريه بالحديثِ وأكثرَهم فيه تصنيفًا وإجادةً وتحريرًا، بل قال عنه المحبِّي في "خلاصة الأثر": "هو أَجَلُّ أهلِ عصرهِ مِنْ غيرِ ارتيابٍ". ووصفَهُ الحافظُ المقري في "فتح المتعال" بالعلامة محدِّثِ العصر علامَةِ مصرَ وقال عنه: "لقيتهُ بالقاهرةِ وزرتُهُ في بيتِهِ وجاءني إلى منزلي"، ثم نقل عن شرحِهِ الكبيرِ على "الجامعِ الصغير" فقال: "الذي مزج فيه الشرحَ بالمشروحِ امتزاجَ الحياةِ بالروحِ". ولد سنة (٩٥٢ هـ) ومات بمصر سنةَ (١٠٣١ هـ). انظر: "فهرس الفهارس" (٢/ ٥٦٠ - ٥٦٢ رقم ٣١٩)، و"معجم المؤلفين" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١).
[ ١ / ٧٥ ]
الراغب (^١): النعمةُ [ما قصدت] (^٢) بهِ الإحسانَ في النفعِ، والإنعامُ: إيصالُ الإحسانِ [الظاهر] (^٣) إلى الغيرِ، (الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ) مأخوذٌ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (^٤). وقد أخرَج البيهقيُّ في "شُعب الإيمانِ" (^٥) عن عطاءٍ قالَ: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِهِ تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٤).
قال: هذا مِنْ كُنوزِ علمي، سألتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: "أَما الظاهرةُ فما سَوَّى مِنْ خَلْقِكَ، وأَمَّا الباطنةُ فما سَتَرَ مِنْ عورَتِكَ، ولو أبدَاهَا لقلاكَ أَهْلُكَ فمنْ سِواهُم".
وأخرجَ أيضًا عَنْهُ والديلمي وابنُ النَّجارِ (^٦) سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عن هذِهِ الآيةِ فقالَ: "أمَّا الظَاهِرةُ فالإسلامُ، وما سوَّى مِنْ خَلْقِكَ، وما أَسْبَغَ عَلَيْكَ من رزقِهِ، وأمَّا الباطِنَةُ فما سَتَر مِنْ عَمَلِكَ"، وفي روايةٍ عَنْهُ موقوفةٍ: "النعمةُ الظاهرةُ الإسلامُ، والباطنةُ كلُّ ما ستر عليكَ من الذنوبِ والعيوبِ والحدودِ"، أخرجَها ابنُ مردويه (^٧) عَنْهُ.
_________________
(١) في "المفردات" (ص ٤٩٩). قلت: وهو الحسينُ بنُ محمدِ بن المفضَّلِ، أبو القاسِم، المعروفُ بالراغب الأصفهاني: أديب، إمام، من حكماء العلماء، اشتهر بالتفسير وَاللغة. أصله مِنْ أصفهانَ وعاشَ ببغدادَ. من كتبه "تحقيق البيان في تأويل القرآنِ " و"تفسير الراغب" - لعله جامعُ التفاسير - وقد طبعت مقدِّمَتُهُ. قال صاحبُ "كشف الظنونِ": وهو تفسيرٌ معتبرٌ في مجلدٍ أوردَ في أولهِ مقدماتٍ نافعةً في التفسير وطرزه أنه أورد جملًا من الآيات ثم فسَّرها تفسيرًا مشبعًا، وهو أحَدُ مآخذ "أنوار التنزيل" للبيضاوي و"درَّة التأويل في متشابه التنزيل"، أوَّله: "اعلموا حملةَ الكتاب الكريم "، و"المفردات في غريب القرآن"، "تتبع فيه دوران كل لفظ في الآيات القرآنية، وأتى بالشواهد عليه من الحديث والشعر، وأورد ما أخذ منه من مجاز وتشبيه ورتبه على الألفباء، فأصبح من أهم الكتب المفسِّرة لألفاظ القرآن". "معجم المفسرين" لعادل نويهض (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، و"معجم المطبوعات العربية والمعربة" جمع يوسف إليان سركيس (١/ ٩٢٢).
(٢) في النسخة (أ): "ما قصد".
(٣) زيادة من النسخة (ب).
(٤) سورة لقمان: الآية ٢٠.
(٥) (٤/ ١٢٠ رقم ٤٥٠٤).
(٦) عزاه إليهما السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٢٥).
(٧) عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٢٦).
[ ١ / ٧٦ ]
وفِي روايةٍ عَنْهُ موقوفةٍ أيضًا: "النعمةُ الظاهرةُ والباطنةُ هي لا إله إلا اللَّهُ"، أخرجَها عنه ابنُ جرير (^١) وغير. وتَفْسِيرُهُما ما قالَهُ مُجاهدٌ: نعمةٌ ظاهرة هي لا إله إلا اللَّهُ على اللسانِ، وباطنةٌ قالَ: في القلب، أخرجَهَا سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ جريرٍ (^٢). وفسَّرَهُمَا الشارحُ بما هو معروفٌ، ورَأيْنَا التفسيرَ المرفوعَ، وتفسيرَ السلفِ أولى بالاعتمادِ.
(قديمًا وَحَدِيثًا) منصوبان على أنَّهُمَا حالانِ مِنْ نِعَمِهِ ولم يؤنَثْ؛ لأنَّ الجمعَ لما أُضِيفَ صارَ للجنسِ فكأنَّهُ قال: على جنسِ نعمهِ. ويُحتَملُ النَّصْبُ على الظرفية، وأنَّهُمَا صفةٌ لزمانٍ محذوفٍ، أي: زمانًا قديمًا وحديثًا. والقديمُ ما تقدَّم زمنه على الزمن الحاضر، والحديث ما حضر منه، ونِعمُ الرب تعالى قديمة على عبدِه من حينِ نَفخ فيه الروح، ثم في كل آنٍ من آنات زمانِهِ؛ فهي مسبَغةٌ عليهِ في قديم زمنه وحديثهِ، وحالِ تكلُّمِهِ، ويُحتملُ أنْ يرادَ بقديم النعمِ التي أنعم الله بها على الآباءِ فإنها نِعمٌ على الأبناء، كما أمرَ اللَّهُ بني إسرائيلَ بذكر نعمه التي أنعمَ بها على آبائهم فقالَ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (^٣). الآيات في مواضِعَ من القرآنِ أشارَ إليهِ الشارحُ ﵀، إلا أنهُ قال: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله) الآية. والتلاوةُ نعمتي فكأنه سبق قلم، ويراد بالحديث ما أنعم الله به على عبدِه مِنْ حينِ نفخ فيه الروح، فهي حادثةٌ نظرًا إلى النعمةِ على الآباءِ.