٥/ ٥ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَا يَغْتَسِل أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ" [صحيح]
_________________
(١) انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاءِ" (١٦/ ٩٢ - ١٠٤)، و"ميزان الاعتدال" (٣/ ٥٠٦ - ٥٠٨)، و"تذكرة الحفاظِ" (٣/ ٩٢٠ - ٩٢٤)، و"الكامل" لابن الأثيرِ (٨/ ٥٦٦)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٣/ ١٣١ - ١٣٥)، و"النجوم الزاهرة" (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، و"اللباب" (١/ ١٥١).
(٢) قلتُ: الحديثُ سالمٌ منَ الاضطراب. انظر: "التلخيص الحبير" (١/ ١٦ - ١٨ رقم ٤)، و"المجموع شرح المهذب" للنوويِّ (١/ ١١٤) وهو حديث صحيحٌ كما تقدم.
(٣) في النسخة (أ): "بحمله".
[ ١ / ١٠٩ ]
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).
- ولِلْبُخَارِيِّ (^٢): "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ".
ولِمُسْلِمٍ (^٣): "منْهُ"، ولأَبِي دَاوُدَ (^٤): "وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ".
(وعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدَّائِمِ) هو الراكدُ الساكنُ، ويأتي وصفُهُ بأنهُ الذي لا يجري، (وَهُوَ جُنُبٌ). أخْرَجَهُ بهذا اللفظِ (مسلمٌ)، (وللبخاريِّ) روايةٌ بلفظِ: (لا يبولَنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدائِم الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيهِ) يُروى برفع اللام على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ثم هو [يَغْتَسِلُ] (^٥)، وقد جُوِّزَ جَزمُهُ على عطفهِ على موضع يبولَنَّ، ونصبِهِ بتقديرِ أَنْ على إلحاق ثم بالواو [في ذلك] (^٦)، وإنْ أفادَ أن النهي إنما هُو عن الجمعِ بينَ البولِ والاغتسالِ دون إفرادِ أحدِهما، معَ أنه منهيٌّ عن البولِ فيهِ مطلقًا؛ فإنه لا يُخِلُّ بجوازِ النصبِ؛ لأنه يستفادُ منْ هذا النهي عن الجمعِ ومِنْ غيرهٍ النهيُ عن إفرادِ البولِ وإفرادِ الاغتسالِ. هذا بناءً على أن (ثم) صارتْ بمعنى الواو تفيدُ الجمعَ، وهذا قالهُ النووي (^٧) معترضًا به على ابن مالك، حيث جوَّز النصب، وأقرَّه ابن دقيق العيد في غير شرح "العمدة"، إلا أنه أجاب على النووي بما أفادَهُ قولُنا: فإنه لا يخلُّ بجوازِ النصبِ إلى آخرهِ.
قلتُ: والذي تقتضيه قواعدُ العربيةِ أَنَّ النَّهي في الحديثِ إنما هو عن الجمعِ بينَ البولِ ثم الاغتسال [منه] (^٨)، سواءٌ رفعت اللَام أوْ نصبت؛ وذلكَ لأنَّ (ثمَّ) تفيدُ [ما تفيدهُ] (^٩) الواوُ العاطفةُ في أنها للجمع، وإنما اختصَّتْ ثُمَّ بالترتيبِ، فالجميعُ واهمونَ فيما قرَّروهُ، ولا يستفادُ النهيُ عنْ كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ منْ
_________________
(١) في "صحيحه" (١/ ٢٣٦ رقم ٩٧/ ٢٨٣).
(٢) في "صحيحه" (١/ ٣٤٦ رقم ٢٣٩).
(٣) في "صحيحه" (١/ ٢٣٥ رقم ٩٥/ ٩٦).
(٤) في "السنن" (١/ ٥٦ رقم ٧٠)، وهو حديث صحيح.
(٥) ليست في النسخة (أ) و(ب) وهي زيادة ليتم المعنى.
(٦) زيادة من النسخة (ب).
(٧) في شرح "صحيح مسلم" (٣/ ١٨٧).
(٨) في النسخة (أ): "فيه".
(٩) في النسخة (أ): "ما أفاده".
[ ١ / ١١٠ ]
روايةٍ البخاريِّ؛ لأنها إنما تفيدُ النهيَ عن الجمعِ، وروايةُ مسلم تفيدُ النهيَ عن الاغتسالِ فقطْ، إذا لم تقيَّدْ بروايةِ البخاريِّ.
[ثم] (^١) روايةُ أبِي داودَ بلفظِ: "لا يبولَنَّ أحدكُمْ فِي الماءِ الدائمِ، ولا يغتسِلْ فيهِ" تفيدُ النهيَ عن كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ. (فيه. ولمسلمٍ) في روايتهِ (منهُ) بدلًا عَنْ قولِهِ: فيهِ؛ فالأولى تفيدُ أنه لا يَغْتَسِلُ فيه بالانغماسِ مثلًا، والثانيةُ تفيدُ أنهُ لا يتناولُ منهُ ويغتسلُ خارجَهُ.
(ولأبي داودَ) بلفظِ: (ولا يغتسلْ فيه) عوضًا عن ثُمَّ يغتسلُ (مِنَ الجَنَابَةِ) عوضًا عن قولهِ: "وهو جُنُبٌ". وقوله هنا: "ولا يغتسلْ"، دالٌّ على أن النهيَ عن كلِّ واحدٍ من الأمرينِ على انفرادِه كما هوَ أحدُ الاحتمالينِ الأولينِ في روايةٍ ثمَّ يغتسلُ منهُ. قال في الشرحِ: وهذا النهيُ في الماءِ الكثيرِ للكراهةِ، وفِي الماءِ القليلِ للتحريمِ قيلَ عليهِ: إنهُ يؤدي إلى استعمالِ لفظِ النهيِ في حقيقتهِ ومجازِهِ، فالأحسنُ أنْ يكونَ منْ عمومِ المجازِ، والنهيُ مستعملٌ في عدَمِ الفعلِ الشاملِ للتحريم وكراهةِ التنزيهِ.
فأما حكمُ الماءِ الراكدِ، وتنجيسُهُ بالبولِ، أو منعه مِنَ التطهيرِ بالاغتسالِ فيهِ للجنابةِ، فعندَ القائلين بأنهُ لا ينجُسُ إلا ما تغيرَ أحدُ أوصافِه: النهيُ عنهُ للتعمدِ وهوَ طاهرٌ في نفسهِ، وهذا عندَ المالكيةِ، فإنهُ يجوزُ التطَهرُ بهِ؛ لأنَّ النهيَ عندهُم للكراهَةِ، وعندَ الظاهريةِ أنهُ للتحريمِ، وإنْ كانَ النهيُ تعبدًا لا لأجل التنجيس، لكنَّ الأصلَ في النهيِ التحريمُ، وأما عندَ مَنْ فَرَّقَ بينَ القليل والكثير فقالوا: إنْ كانَ الماءُ كثيرًا وكِلَ على أصلهِ في حدهِ ولم يتغيرْ أحدُ أوصافِه، فهوَ الطاهرُ، والدليلُ على طهوريته [تخصيصُ] (^٢) هذا العمومِ إلا أنَّهُ قدْ يقالُ: إذا قلتم: النهيُ للكراهةِ في الكثيرِ فلا تخصيصَ لعمومِ حديثٍ البابِ، وإنْ كانَ الماءُ قليلًا وكِلَ في حدهِ على أصلهِ: فالنهيُ عنهُ للتحريمِ؛ إذ هوَ غيرُ طاهرٍ ولا مطهِّرٍ، وهذا على أصلهِمْ في كونِ النهيِ للنجاسة. وذكرَ في الشرح الأقوالَ في البول في الماءِ [وهو أنَّهُ] (^٣) لا يحرمُ في الكثير الجاري كما يقتضيه مفهومُ هذا الحديثِ،
_________________
(١) في النسخة (ب): "نعم".
(٢) في النسخة (أ): "تخصص".
(٣) في النسخة (ب): "وأنه".
[ ١ / ١١١ ]
والأولى اجتنابهُ. أما القليلُ الجاريِ فقيلَ: يكرهُ، وقيلَ: يحرُمُ وهو الأولى.
قلتُ: بلِ الأولى خلافُهُ؛ إذِ الحديثُ في النهي عن البولِ فيما لا يجري، فلا يشملُ الجاريَ قليلًا كان أم كثيرًا. (نعم) لو قيلَ بالكراهةِ لكانَ قريبًا. وإنْ كانَ كثيرًا راكدًا فقيلَ: يكرهُ مطلقًا، وقيلَ: [إنْ] (^١) كانَ قاصدًا إلا إذا عرضَ وهوَ فيهِ فلا كراهَةَ. قالَ في الشرحِ: ولو قيلَ بالتحريمِ لكانَ أظهرَ وأوفَقَ لظاهرِ النهي؛ لأنَّ فيهِ إفسادًا لهُ على غيرِه، ومضارَّةً للمسلمين. وإنْ كانَ راكدًا قليلًا فالصحيَحُ التحريمُ للحديثِ، ثم هلْ يلحقُ غيرُ البولِ كالغائطِ بهِ في تحريم ذلك في هذا الماءِ القليلِ؟ فالجمهورُ يلحق بهِ بالأولى، [وعنْ] (^٢) أحمدَ بن حنبلَ لا يلحَقُ بهِ غيْرُهُ بلْ يختصُّ الحكمُ بالبولِ.
وقولهُ: "في الماءِ" صريحٌ في النهي عن البولِ فيهِ، وأنهُ يجتنبُ إذا كانَ كذلكَ، فإذا بالَ فِي إناءٍ وصبهُ في الماءِ الدائمِ فالحكمُ واحدٌ. وعنْ داودَ لا ينجِّسُهُ ولا يكونُ منهيًا عنهُ إلا في الصورةِ الأولى لا غيرُ.
وحكمُ الوضوءِ في الماءِ الدائمِ الذي بالَ فيهِ منْ يريدُ الوضوءَ حكمُ الغُسْلِ؛ إِذ الحكمُ واحدٌ. وقد وردَ في روايةٍ: "لا يبولَنَّ أحدُكمْ في الماءِ الدائمِ ثُمَّ يتوضَّأُ منهُ"، ذكرَها في الشرحِ ولم ينسبْها إلى أحدٍ. وقد أخْرَجَها عبدُ الرزاق (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن أبي شيبة (^٥)، والترمذي (^٦). وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وابْنُ حبان (^٧) منْ حديثٍ أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجَهُ الطحاوي (^٨)، وابنُ حِبانَ (^٩)، والبيهقيُّ (^١٠) بزيادةِ: "أو يَشْرَبُ منه".
_________________
(١) في النسخة (ب): "إذا".
(٢) في النسخة (ب): "وعند".
(٣) في "المصنف" (١/ ٨٩ رقم ٣٠٠).
(٤) في "المسند" (٢/ ٢٦٥).
(٥) في "المصنف" (١/ ١٤١).
(٦) في "السنن" (١/ ١٠٠ رقم ٦٨)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
(٧) في "صحيحه" (٢/ ٢٧٤ رقم ١٢٤٨)، وهو حديث صحيح.
(٨) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٤).
(٩) في "صحيحه" (٢/ ٢٧٦ رقم ١٢٥٣).
(١٠) في "السنن الكبرى" (١/ ٢٣٩).
[ ١ / ١١٢ ]