ولم يجبه - ﷺ - بقولِهِ: نعمْ معَ إفَادَتِها الغرضَ، بلْ أجابَ بهذا اللفظِ لِيُقْرِنَ الحُكْمَ بعلَّتِه، وهي الطَّهُوريةُ المتناهيةُ في بابها، وكأنَّ السائِلَ لما رأى ماءَ البحر خالفَ المياهَ بملُوحةِ طعمِهِ، ونَتْنِ ريحِهِ توهَّم، أنَّهُ غيرُ مرادٍ مِنْ قولهِ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ (^٥) أي بالماء المعلوم إرادتُهُ من قولِهِ: فاغْسِلُوا، أو أنَّهُ لَمَّا عَرَفَ من قولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٦) ظَنَّ اختصاصَهُ، فسألَ عنهُ فأفادَهُ - ﷺ - الحكمَ، وزادهُ حكمًا لم يسألْ عنهُ وهو حِلُّ مَيْتَتِهِ، قال الرافعي (^٧): "لَمَّا عَرَفَ - ﷺ -
_________________
(١) (١/ ٥٣).
(٢) (٥/ ٣٦٥).
(٣) في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (١/ ٢١٥) من حديث عبد الله المدلجي، وفيه عبدُ الجبار بنُ عُمرَ ضعَّفهُ البخاريُّ والنسائي ووثقهُ محمدُ بنُ سعدٍ.
(٤) في "السنن" (١/ ٦٤ رقم ٨٣).
(٥) سورة المائدة: الآية ٦.
(٦) سورة الفرقان: الآية ٤٨.
(٧) الرافعي: هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الإمام العلامة: "أبو القاسم القزويني الرافعي". صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور، وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحاب الشافعي، تفقَّه على والده وغيره، وسمعَ الحديث من جماعة. وقال ابن الصلاح: "أظن أني لم أرَ في بلاد العجم مثلَه، كان ذا فنون، حسن السيرة، =
[ ١ / ٩٧ ]
اشتباهَ الأمرِ على السائلِ في ماءِ البحرِ أشْفَقَ أنْ يَشْتَبِهَ عليهِ حكمُ مَيْتَتِهِ، وقد يُبْتَلَى به راكبُ البحر فَعَقَّبَ الجوابَ عن سؤالِهِ ببيانِ حكمِ الميتَةِ.
قالَ ابنُ العربي (^١): "وذلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الفَتْوى أنْ يُجاءَ في الجوابِ بأكثرَ مما سئلَ عنهُ تتميمًا للفائِدَةِ، وإفادَةً لعلم آخر غيرِ المسؤولِ عنهُ". ويتأكدُ ذلِكَ عندَ ظهورِ الحاجَةِ إلى الحُكْمِ كَمَا هُنَا؛ لأنَّ مَنْ تَوَقَّفَ في طَهُوريَّةِ ماءِ البحرِ فهوَ عن العلمِ بحلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ [تقديم] (^٢) تحريمِ الميتَةِ أشدُّ توقفًا.
ثم المراد بميتَتِهِ ما ماتَ فيهِ مَن دوابِّهِ مما لا يعيشُ إلَّا فيهِ، لا ما ماتَ فيهِ مُطْلَقًا؛ فإنَّهُ وإِنْ صَدَقَ عليهِ لُغَةً أنَّهُ مَيْتَةُ بَحْرٍ فمعلومٌ أنهُ لا يرادُ إلا ما ذَكَرْنَا.
وظاهرُهُ حِلُّ كُلِّ ما ماتَ فيهِ ولو كانَ كالكلبِ والخنزيرِ.
ويأتي الكلام في ذلكَ في بابِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.