(وَالصَّلَاةُ) عطف اسميةٍ على اسميةٍ؛ وهل هما خبريَّتانِ أو إنشائيَّتانِ؟ فيه خلافٌ بينَ المحققينَ، والحقُّ أنهما خبريَّتان لفظًا يرادُ بها الإنشاءُ.
ولما كانت الكمالاتُ الدينيةُ والدنيويةُ، وما فيه صلاحُ المعاشِ والمعاد فائضةً من الجنابِ الأقدسِ على العباد بواسطَةِ هذا الرسول الكريم - ﷺ -، ناسَبَ
_________________
(١) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٢٦) إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٢) عزاه إليهما السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٢٦).
(٣) سورة البقرة: الآية ٤٠.
[ ١ / ٧٧ ]
إِرْدافُ الحمدِ للَّهِ بالصلاةِ عليه والتسليم لذلك؛ وامتثالًا للآية الكريمة: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (^١)]، ولحديث: "كل كلام لا يذكر الله فيه، ولا يصلى عليَّ فيه، فهو أقطعُ أكتعُ ممحوقُ البركةِ" (^٢)، ذكره في الشرح ولم يخرجْهُ. وفي "الجامع الكبير" أنَّهُ أخرجَهُ الديلمي، والحافظُ عبدُ القادرِ بن عبدِ اللَّهِ الرهاوي في "الأربعينَ" عن أبي هريرَةَ، قال الرهاوي: غريبٌ تفرَّدَ بذكرِ الصلاةِ فيهِ إسماعيلُ بنُ أبي زياب الشاميُّ وهو ضعيف جدًّا (^٣) لا يُعتدُّ بروايتِهِ ولا بزيادتِهِ، انتهى.
والصلاةُ من اللَّهِ لرسولِهِ: تشريفهُ وزيادَةُ تكرِمَتِهِ، فالقائِلُ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ طالبٌ لهُ زيادَةَ التشريف والتَّكْرِمَةِ. وقيلَ: المرادُ منها آتِهِ الوسيلة، وهي التي طلب - ﷺ - من العبادِ أن يسألوها لَهُ، كما يأتي في الأذان.
(والسَّلامُ)، قال الراغب (^٤): السلامُ والسلامَةُ التعرِّي من الآفاتِ الباطِنَةِ والظاهرِةِ. والسلامةُ الحقيقيةُ لا تكون إلا في الجنةِ؛ لأنَّ فيها بقاء بلا فناءِ، وغَناءَ بلا فَقْرٍ، وعِزًا بلا ذُلٍّ، وصحةً بلا سَقَمٍ.
(على نبيِّه) يتنازعُ فيه المصدران قبله، [والنبيُّ من النَّبْوَة وهي الرِّفعة] (^٥)، فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، أي: المنبئُ عن اللَّهِ بما تَسكنُ إليه العقولُ الزاكية. والنبوَّةُ سَفارَةٌ بين اللَّهِ وبينَ ذوي العقولِ من عِبادِهِ؛ لإزاحةِ عِلَلِهِم في معاشِهِم ومعادِهِمْ. (وَرَسولِهِ) في الشرح: النبيُّ في لسانِ الشرع عبارةٌ عن إنسان أُنزلَ عليهِ شريعَةٌ من عندِ اللَّهِ بطريقِ الوحي، فإذا أُمِرَ بتبليغِهَا إلى الغَيْرِ سُمِّيَ رسولًا. وفي "أنوار التنزيل" (^٦): الرسول مَنْ بعثَهُ اللَّهُ بشريعة مجدِّدة يدعو الناسَ إليها، والنبيُّ أعمُّ
_________________
(١) سورة الأحزاب: الآية ٥٦، وهي غير موجودة في النسختين (أ) و(ب). بل هي من المطبوع.
(٢) وهو حديث ضعيف. رواه أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون في فضائل علي. كما في تخريج أحاديث "إحياء علوم الدين"، جمع واستخراج أبي عبد الله محمود بن محمد الحداد (١/ ٥٣٥)، وقد تقدم الكلام عليه في مقدمة المؤلف.
(٣) بل هو متروك يضع الحديث. انظر: "الميزان" (١/ ٢٣١ رقم ٨٨٤).
(٤) في مفرداته (ص ٢٣٩).
(٥) في النسخة (أ): "والنبي من الأنبياء" والمثبت من (ب).
(٦) للإمام أبي سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي، وقد حقَّقته وللَّه الحمد.
[ ١ / ٧٨ ]
منهُ. والإضافة إلى ضميره [تعالى] (^١) في رسوله وما قبلهُ عهديةٌ، إذ المعهودُ هُوَ محمدٌ - ﷺ - فزادَهُ بيانًا بقوله: (مُحَمَّدِ)، فإِنَّهُ عطفُ بيانٍ على نبيهِ، وهو عَلَمٌ مشتَّقٌ من حُمِّدَ، مجهولٌ مُشَدَّدُ العينِ، أيْ: [كثير] (^٢) الخِصالِ التي يُحْمَدُ عليها. [فهو يُحْمَدُ] أكثر مِمَّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ من البشر، فهو أبلَغُ من محمودٍ؛ لأن هذا مأخوذٌ من المزيدِ، وذاك من الثلاثي. وأبلغ من أَحْمَدَ؛ لأنَّه أَفعلُ تفضيل مشتقٌّ من الحمد.
وفيه قولانِ: هل هو أكثَرُ حامديةً للَّهِ تعالى فهو أحْمَدُ الحامدين [للَّه] (^٣)، أو هو بمعنى أكثر محمودية فيكون كمُحمدٍ في معناهُ. وفي المسألة خِلافٌ وجدالٌ، وَالمختارُ ما ذَكرنَاه [أولًا] (^٤)، وقرَّرَهُ المحققونَ. وأطالَ فيهِ ابنُ القيمِ في أوائل "زادِ المعاد" (^٥).
(وآله) (^٦) والدعاء للآل بعد الدعاء له - ﷺ - امتثالًا لحديثِ التعليمِ، وسيأتي في الصلاة (^٧)، وللوجهِ الذي سنذكر قريبًا.