إنَّ الحمدَ للَّهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنَا، وسيئَاتِ أعمالِنَا، من يهدِهِ اللَّهُ فلا مضلَّ لَهُ، ومن يُضْلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٣).
أما بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، وأحسنَ الهدي هديُ رسولِ اللَّهِ، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النَّار.
وبعد: فإن كتاب "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام"، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - ﵀ -، من خير الشروح المتوسطة لأحاديث الأحكام، وقد اختصره من كتاب: "البدر التمام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام" (^٤)، للقاضي العلامة الحسين بن محمد المغربي (^٥)، الذي
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية ١٠٢.
(٢) سورة النساء: الآية ١
(٣) سورة الأحزاب: الآيتان ٧٠ - ٧١.
(٤) لا يزال مخطوطًا. انظر: "فهرست مخطوطات مكتبة الجامع الكبير" صنعاء (١/ ٣٠٠، ٣٠١).
(٥) ستأتي ترجمته في أول الكتاب إن شاء الله تعالى ص ٧٣ - ٧٤.
[ ١ / ١٥ ]
اعتمد في تخريج أحاديث الكتاب على "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" للحافظ ابن حجر - ﵀ - تعالى. كما استفاد في شرح متون الحديث من كتاب: "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، للحافظ ابن حجر أيضًا، و"شرح النووي لصحيح مسلم"، "وشرح السنن" لابن رسلان. واعتمد في معرفة اختلاف الفقهاء وأقوالهم على كتابين:
(الأول): "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، للإمام أبي الوليد محمد بن رشد الحفيد.
(والثاني): "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار"، للعلَّامة أحمد بن يحيى بن المرتضى.
ولكن المغربي - ﵀ - لم يهتم بترجيح الأقوال في كتابه المتقدم، ولنستمع إلى الأمير الصنعاني - ﵀ - تعالى وهو يتحدث عن عمله في مقدمة كتابه "سبل السلام":
"فهذا شرح لطيف على "بلوغ المرام" تأليف: الشيخ العلامة شيخ الإسلام "أحمد بن علي بن حجر" أحلَّه الله دار السلام، اختصرتُه عن شرح القاضي العلامة شرف الدين: "الحسين بن محمد المغربي" أعلى الله درجاته في عليين، مقتصرًا على حلِّ ألفاظه وبيان معانيه، قاصدًا بذلك وجه الله، ثم التقريب للطالبين والناظرين فيه، معرضًا عن ذكر الخلاف والأقاويل، إلا أن يدعو إليه ما يرتبط به الدليل، متجنِّبًا للإيجاز المخل والإطناب الممِل، وقد ضممت إليه زيادات جمَّة على ما في الأصل من الفوائد ".
واعلم أن السنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول الأحكام الشرعية التي أجمع المسلمون على اعتبارها أصلًا مستقلًا. فالقرآن والسنة مصدران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^١)، فما ورد في القرآن من الآيات مجملًا أو مطلقًا أو عامًّا، فإنَّ السنة النبوية القولية منها أو
_________________
(١) سورة النحل: الآية ٤٤.
[ ١ / ١٦ ]
الفعلية تقوم ببيانها، فتقيِّد مطلقها، وتخصِّص عامها، وتفسِّر مجملَها، ولذا كان أثرها عظيمًا في إظهار المراد من الكتاب العزيز، وفي إزالة ما قد يقع في فهمه من خلافٍ أو شبهةٍ.
وقد تظاهرت الآيات في وجوب العمل بالسنة المطهرة، والإذعان لها، وتحكيمها في شؤون حياتنا كلها.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (^٢).
كما حثَّ الله سبحانه على الاستجابة لما يدعو إليه النبي - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (^٣).
ولم يبح للمؤمنين مطلقًا أن يخالفوا حكمَهُ - ﷺ - أو أمرًا من أوامره، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (^٤).
وعدَّ من علامات النفاق الإعراض عن تحكيم الرسول - ﷺ - في مواطن الخلاف، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ (^٥).
وأقسم الله تعالى على نفي إيمان من لم يُحَكِّم الرسول - ﷺ - فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^٦).
وقد أنعم الله على هذه الأمة بأن قيَّض لها في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالفضل نخبة ممتازةً، وصفوة مختارة، نذرت أنفسها لخدمَة السنة المطهرَّة، فالتقطوها من أفواه سامعيها، وجمعوها من صدور حامليها، وقطعوا الفيافي والقِفار إلى حَفَظَتِهَا في كل قطر ومِصر.
_________________
(١) سورة الحشر: الآية ٧.
(٢) سورة النساء: الآية ٨٠.
(٣) سورة الأنفال: الآية ٣٤.
(٤) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.
(٥) سورة النور: الآيتان ٤٨.
(٦) سورة النساء: الآية ٦٥.
[ ١ / ١٧ ]
وبذلوا في سبيل ذلك أموالهم، وأفنوا أعمارهم (^١).
فأثمرت تلك الجهود الكبيرة، والعزائم القوية، والعقول المبدعة، والقلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، تدوين المجامع والمسانيد والأجزاء والسنن والمستدرَكات التي حفظت سنة محمد - ﷺ -.
فشكر الله لهم سعيَهم، وأجزل لهم المثوبات، وأحلّهم دارَ كرامتِهِ أعلى المقامات، وجعلَ لنا نصيبًا من ذلك، ومن جميع الخيرات، وغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا، إنَّهُ سميعُ الدعاء، وجزيلُ العطاء.
* * *
• وبعد أن وضعت هذه المقدِّمة في معرفة أهمية الكتاب، ووجوب اتِّباع السُنَّة، وجهود المحدِّثين في حفظ السنة النبوية من الضياع.
• قمت بترجمة لصاحب سبل السلام في فصل يتضمَّن مبحثين:
(المبحث الأول): السيرة الذاتية.
١ - اسمه ونسبه.
٢ - مولده.
٣ - نشأته.
٤ - مشايخه.
٥ - تلاميذه.
٦ - ورعه وزهده.
٧ - ثناء العلماء عليه.
٨ - وفاته
(والمبحث الثاني): السيرة العلمية.
(أولًا): فكره وثقافته:
_________________
(١) وأفضل كتاب يرجع إليه: كتاب "الرحلة في طلب الحديث" للخطيب البغدادي، تحقيق فضيلة الدكتور: نور الدين عتر.
[ ١ / ١٨ ]
(أ) تمسكه بالدليل، وتخلِّيه عن التقليد:
١ - مسألة الاستثناء في اليمين.
٢ - مسألة الرجوع في الهبة.
(ب) موقفه من التقليد المذهبي:
١ - التناقض بين دعوى الناس بالاقتداء، وواقعهم في محاربة المقتدين.
٢ - إنكاره التعصب، وجعل المذهبية نهجًا ومسلكًا.
(ثانيًا) مؤلفاته.
• كلما ترجمت لصاحب بلوغ المرام في فصل واحد، يتضمن ما يلي:
١ - اسمه ونسبه.
٢ - لقبه وكنيته.
٣ - مولده.
٤ - نشأته العلمية.
٥ - زهده في القضاء.
٦ - مكانته العلمية.
٧ - مشايخه.
٨ - تلاميذه.
٩ - رحلاته:
أ - رحلاته في داخل مصر.
ب - رحلته إلى الديار الحجازية.
ج - رحلته إلى الديار اليمنية.
د - رحلته إلى الديار الشامية.
١٠ - مؤلفاته:
أ - مصنفاته في علوم القرآن.
ب - مصنفاته في علوم الحديث، دراية ورواية.
ج - مصنفاته في العقيدة.
د - مصنفاته في الفقه.
هـ - مصنفاته في التاريخ.
١١ - وفاته.
[ ١ / ١٩ ]
• وكذلك وصَفت المخطوطتين اللَّتين اعتمدت عليهما في التحقيق.
• وفي الخاتمة: ذكرت منهجي في تحقيق الكتاب وتخريجه.
اللَّهَ أسأل أن يتقبَّل هذا الجهدَ، وأنْ يغفرَ الزلَّة، ويمحو السيئةَ، ويرفَعَ الدرجة، إنَّهُ سميعٌ مجيبٌ.
صنعاء
الجمعة ٥ شعبان ١٤١٠ هـ
٢ مارس - آذار - ١٩٩٠ م
[ ١ / ٢٠ ]