١٢/ ١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رَسُولُ الله - ﷺ -: "إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَد جَنَاحَيهِ دَاءَ، وَفِي الآخَرِ شِفَاء". [صحيح]
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٤) وَأَبُو دَاوُدَ (^٥)، وَزَادَ: "وَإِنَّهُ يَتقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ".
(وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُم)، وهو كما أسلفناهُ مِنْ أن الإضافَةَ ملغاةٌ كما في قولهِ: "إذا وَلَغَ الكلبُ في إِناءِ
_________________
(١) في "المجموع شرح المهذب" (٩/ ٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ١٢٨ رقم ٢٤٨٣) و(٦/ ١٣٠ رقم ٢٩٨٣) و(٨/ ٧٧ - ٧٨ رقم ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢) و(٩/ ٦١٥ رقم ٥٤٩٣، ٥٤٩٤)، ومسلم (٣/ ١٥٣٥ - ١٥٣٧ رقم ١٧ - ٢١/ ١٩٣٥)، وأبو داود (٤/ ١٧٨ رقم ٣٨٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٧ - ٢٠٩) من حديث جابر.
(٣) في النسخة (أ): "يكره لحديث علي - ﵁ -، إلَّا أنه حديث لا يعرف من أخرجه. عن علي - ﵁ -: إنه لقمةُ الشيطان، أي أنه يُسرُّ بأكله". وحديث علي أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٢٦).
(٤) في صحيحه (رقم: ٣١٤٢ - البغا) و(رقم: ٥٤٤٥ - البغا).
(٥) في "السنن" (٤/ ١٨٢ رقم ٣٨٤٤). قُلتُ: وأخرجه ابنُ ماجهْ (٢/ ١١٥٩ رقم ٣٥٠٥)، وأحمدُ في "المسند" (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، والدارمي (٢/ ٩٨ - ٩٩)، وابن خزيمة (١/ ٥٦ رقم ١٠٥)، والطبراني في "الأوسطِ" (رقم ٢٤١٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ٢٨٣).
[ ١ / ١٢٩ ]
أحدِكُم" (^١) وفي لفظٍ: "في طعامِ"، (فَلْيَغْمِسْهُ)، زادَ في روايةٍ البخاريِّ: "كُلَّهُ"، وفي لفظِ أبي داودَ: "فَامْقُلوهُ"، وفي لفظِ ابن السكَنِ: "فَلْيَمْقُلْهُ"، (ثم لْيَنْزِعْهُ)، فيهِ أَنَّهُ يمهَلُ في نزعِهِ بعدَ غمسِهِ؛ (فَإِن في أَحَد جَنَاحَيْهِ دَاءَ وَفِي الآخَرِ شِفَاءً)، هذا تعليلٌ للأمرِ بغَمْسِهِ.
ولفظُ البخاريِّ: "ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ فإنَّ في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفي الآخَرِ داءً"، وفي لفظٍ: "سُمًّا"، (أخرجَه البخاريُّ وأبو داود وزادَ: وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداءُ)، وعند أحمد (^٢) وابن ماجه (^٣): إنهُ يقدِّمُ السُّمَّ، ويؤخِّرُ الشِّفاءَ".
والحديثُ دليلٌ ظاهرٌ على جواز قتلِهِ دفعًا لضرِرِه، وأَنَّهُ يُطْرَحُ ولا يُؤكَلُ، وأنَّ الذُبابَ إذا ماتَ في مائع فإِنَّه لا ينجِّسُهُ، لأنهُ - ﷺ - أمرَ بغمسِهِ، ومعلومٌ أَنَّهُ يموتُ من ذلكَ، ولا سيما إذا كانَ الطعامُ حارًا، فلوْ كانَ ينجِّسُهُ لكانَ أمرًا بإفسادِ الطعامِ وهوَ - ﷺ - إنما أمرَ بإصلاحِهِ، ثمَّ عدَّى [هذا الحكمَ] (^٤) إلى كلِّ ما لا نفسَ لهُ سائلةٌ؛ كالنَّحلةِ، والزُّنْبُورِ (^٥)، والعنكبوتِ، وأشباه ذلكَ؛ إذِ الحكمُ يعمُّ بعمومِ علتِهِ، وينتفي بانتفاءِ سببِهِ، فلما كانَ سببَ التنجيس هوَ الدَّمُ [المحتقِنُ] (^٦) في
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٣٤ رقم ٨٩/ ٢٧٩)، والنسائي (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وابنُ الجارود رقم (٥١)، والدارقطني (١/ ٦٤ رقم ٢)، والبيهقي (١/ ١٨)، كلهم من رواية عليّ بن مسهر، عن الأَعْمش، عن أبي رزين وأبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ - بِهِ.
(٢) في "المسند" (٣/ ٦٧).
(٣) في "السنن" (٢/ ١١٥٩ رقم ٣٥٠٤). قلتُ: وأخرجهُ الطيالسي (ص ٢٩١ رقم ٢١٨٨)، والنسائي (٧/ ١٧٨ رقم ٤٢٦٢)، وغيرهم من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ، وهُو حديث صحيح. • وفي الباب من حديثٍ أنس أخرجه البزار (٣/ ٣٢٩ رقم ٢٨٦٦)، وقال: "لا نعلمُهُ يُروى عن أنسِ إلا بهذا الإسنادلا. وأخرجَهُ الطبرانيُّ في "الأوسط" (٣/ ٣٥٥ رقم ٢٧٥٦)، وقال: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَبَّادٍ إلا عمرٌو". قُلتُ: وأوردَهُ الهيثميُّ في "مجمعِ الزوائِدِ" (٥/ ٣٨) وقال: (رواهُ البزارُ ورجالُهُ رجالُ الصحيح، ورواهُ الطبرانيُّ في "الأوسطِ") اهـ. وانظر: "الصحيحة" للمحدثِ الألبانيِّ (١/ ٥٩ - ٦٤ رقم ٣٩).
(٤) زيادة من النسخة (أ).
(٥) ضرب من الذباب لسَّاع. "لسان العرب" (٦/ ٨٩).
(٦) في النسخة (أ): "المتحقن".
[ ١ / ١٣٠ ]
الحيوانِ بموتِه، وكانَ ذلكَ مفقودًا فيما لا دَمَ لهُ سائلٌ انتفى الحكمُ بالتنجيسِ لانتفاءِ علَّتِهِ.
والأمرُ بغمسِهِ لِيخرُجَ الشفاءُ منهُ كما خرجَ الداءُ منهُ، وقد عُلِمَ أنَّ في الذبابِ قوةَ سُمِّيَّةَ كما يدلُّ [عليها] (^١) الورَمُ والحِكَّةُ الحَاصِلَةُ من لسْعِهِ، وهي بمنزلةِ السلاحِ، فإِذَا وقَعَ فيما يؤذيهِ اتقاهُ بسلاحِهِ كما قالَ - ﷺ -: "فإنَّهُ يتقي بجناحِهِ الذي فيهِ الداءُ"؛ فأمرَ - ﷺ - أَنْ تُقابَلَ تلكَ السُّمِّيَّةُ بما أودَعَهُ اللَّهُ ﷾ فيهِ مِنَ الشفاءِ في جناحِهِ الآخَرِ بغمسِهِ كلِّهِ، فتقابلُ المادةُ السُّمِّيَّةُ المادَّةَ النافِعَةَ فيزولُ ضرَرُها. وقد ذَكرَ غيرُ واحدٍ مِنَ الأطباءِ أَن لسعَةَ العقرَبِ والزُّنْبُورِ إذا دلكَ موضِعَها بالذُّبابِ [نفعَ] (^٢) منهُ نَفْعًا بيِّنًا، [وَيُسَكِّنُهَا] (^٣)، وما ذلكَ إلَّا للمادَّةِ التي فيهِ من الشفاءِ.