٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ
رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -] أَيْ عَمَّا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَمْذَى، فَسَأَلَهُ [فَقَالَ: فِيهِ الْوُضُوءُ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ: وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ هَذَا [فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -] وَفِي لَفْظٍ [لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي] وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ [لِمَكَانِ فَاطِمَةَ "] وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ «عَنْ عَلِيٍّ - ﵇ - بِلَفْظِ كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْت أَغْتَسِلُ مِنْهُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي» وَزَادَ فِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ فَقَالَ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَك» وَفِي مُسْلِمٍ: «اغْسِلْ ذَكَرَك وَتَوَضَّأْ».
وَقَدْ وَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي السَّائِلِ: هَلْ هُوَ الْمِقْدَادُ " كَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؟ أَوْ عَمَّارٌ "، كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى؟ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ عَلِيًّا " - ﵁ - هُوَ السَّائِلُ، وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا " - ﵇ - أَمَرَ الْمِقْدَادَ " أَنْ يَسْأَلَ، ثُمَّ سَأَلَ بِنَفْسِهِ، إلَّا أَنَّهُ تُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: [فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي] دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ - ﵁ - لَمْ يُبَاشِرْ السُّؤَالَ، فَنِسْبَةُ السُّؤَالِ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مَنْ قَالَ إنَّ عَلِيًّا " سَأَلَ مَجَازٌ؛ لِكَوْنِ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ.:
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلِأَجْلِهِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غُسْلًا وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَرِوَايَةُ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَك» لَا تَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَلِأَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ.
وَأَمَّا إطْلَاقُ لَفْظِ ذَكَرَك فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْوَاجِبُ غَسْلُ مَحَلِّ الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ، وَالْقَرِينَةُ مَا عُلِمَ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّهُ. يَغْسِلُهُ كُلَّهُ عَمَلًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَأَيَّدَهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ» وَعِنْدَهُ أَيْضًا «فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَك وَأُنْثَيَيْك وَتَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ» إلَّا أَنَّ رِوَايَةَ غَسْلِ الْأُنْثَيَيْنِ قَدْ طُعِنَ فِيهَا؛ وَأَوْضَحْنَاهُ فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ " عَنْ عَلِيٍّ "، وَعُرْوَةُ " لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ "، إلَّا أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبِيدَةَ " عَنْ عَلِيٍّ " بِالزِّيَادَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: وَإِسْنَادُهُ لَا مَطْعَنَ فِيهِ، فَمَعَ صِحَّتِهَا فَلَا عُذْرَ عَنْ الْقَوْلِ بِهَا.
وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَهُ كُلَّهُ تَقَلَّصَ، فَبَطَلَ خُرُوجُ الْمَذْيِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَذْيِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ
[ ١ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ " يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ وَأَبُو دَاوُد أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَائِشَةَ "، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ مُرْسَلٌ؛ وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ مُرْسَلٌ؛ قَالَ الْمُصَنِّفُ: رُوِيَ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ عَنْ عَائِشَةَ "، أَوْرَدَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافَاتِ وَضَعَّفَهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ قَبْلَ نُزُولِ الْوُضُوءِ مِنْ اللَّمْسِ.:
إذَا عَرَفْت هَذَا، فَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَمْسَ الْمَرْأَةِ وَتَقْبِيلَهَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَالْحَدِيثُ مُقَرِّرٌ لِلْأَصْلِ، وَعَلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ جَمِيعًا، وَمِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٍّ - ﵇ -.
وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ لَمْسَ مَنْ لَا يَحْرُمُ نِكَاحُهَا نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فَلَزِمَ الْوُضُوءُ مِنْ اللَّمْسِ؛ قَالُوا: أَوْ اللَّمْسُ حَقِيقَةً فِي الْيَدِ، وَيُؤَيِّدُ بَقَاءَهُ عَلَى مَعْنَاهُ قِرَاءَةُ ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي مُجَرَّدِ لَمْسِ الرَّجُلِ مِنْ دُونِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَرْأَةِ فِعْلٌ، وَهَذَا يُحَقِّقُ بَقَاءَ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، فَقِرَاءَةُ ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كَذَلِكَ، إذْ الْأَصْلُ اتِّفَاقُ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ لِلْقَرِينَةِ، فَيُحَوَّلُ عَلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ هُنَا حَمْلُ الْمُلَامَسَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَاللَّمْسُ كَذَلِكَ، وَالْقَرِينَةُ حَدِيثُ عَائِشَةَ " الْمَذْكُورُ، وَهُوَ إنْ قُدِحَ فِيهِ بِمَا سَمِعْت فَطُرُقُهُ يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًا؛ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ " فِي الْبُخَارِيِّ فِي «أَنَّهَا كَانَتْ تَعْتَرِضُ فِي قِبْلَتِهِ - ﷺ -، فَإِذَا قَامَ يُصَلِّي غَمَزَهَا فَقَبَضَتْ رِجْلَيْهَا؛ أَيْ عِنْدَ سُجُودِهِ، وَإِذَا قَامَ بَسَطَتْهُمَا»، فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُ حَدِيثَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤَيِّدُ بَقَاءَ الْأَصْلِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ اللَّمْسُ بِنَاقِضٍ.
وَأَمَّا اعْتِذَارُ الْمُصَنِّفِ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ حَدِيثِهَا هَذَا، بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ بِحَائِلٍ، أَوْ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ، فَإِنَّهُ بَعِيدٌ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، وَقَدْ فَسَّرَ عَلِيٌّ - ﵇ - الْمُلَامَسَةَ بِالْجِمَاعِ: وَفَسَّرَهَا حَبْرُ الْأُمَّةِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْمَدْعُوُّ لَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى التَّأْوِيلَ، فَأَخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ " أَنَّهُ فَسَّرَ الْمُلَامَسَةَ بَعْدَ أَنْ وَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ أَلَا وَهُوَ النَّيْكُ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ الطَّسْتِيُّ أَنَّهُ سَأَلَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ " عَنْ الْمُلَامَسَةِ، فَفَسَّرَهَا بِالْجِمَاعِ، مَعَ أَنَّ تَرْكِيبَ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَأُسْلُوبَهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ الْجِمَاعُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى عَدَّ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّيَمُّمِ الْمَجِيءَ مِنْ الْغَائِطِ تَنْبِيهًا عَلَى الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَعَدَّ الْمُلَامَسَةَ تَنْبِيهًا عَلَى الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ مُقَابَلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ بِالْمَاءِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وَلَوْ حُمِلَتْ الْمُلَامَسَةُ عَلَى اللَّمْسِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ لَفَاتَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ التُّرَابَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ فَيَرْفَعُهُ لِلْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَخَالَفَ صَدْرَ الْآيَةِ. وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفَاصِيلُ لَا يَنْتَهِضُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ.
[ ١ / ٩٤ ]