٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - فِي «صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: وَمَسَحَ
أَنَّهُ الْعَظْمُ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ؛ وَفِي الْمَسْأَلَةِ مُنَاظَرَاتٌ وَمُقَاوَلَاتٌ طَوِيلَةٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ، أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، حَدِيثُ " النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ " فِي صِفَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ: «فَرَأَيْت الرَّجُلَ مِنَّا يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ» قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَنْهَضُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَقُولُ: أَنَا أُسَمِّيه كَعْبًا، وَلَا أُخَالِفُكُمْ فِيهِ، لَكِنِّي أَقُولُ: إنَّهُ غَيْرُ الْمُرَادِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ، إذْ الْكَعْبُ يُطْلَقُ عَلَى النَّاشِزِ وَعَلَى مَا فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَغَايَةُ مَا فِي حَدِيثِ " النُّعْمَانِ " أَنَّهُ سَمَّى النَّاشِزَ كَعْبًا، وَلَا خِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ، وَقَدْ أَيَّدْنَا فِي (حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ) أَرْجَحِيَّةَ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَدِلَّةٍ هُنَاكَ. [ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلُ ذَلِكَ] أَيْ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ «قَالَ أَيْ عُثْمَانُ؛ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.
«مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» أَيْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ، وَلَوْ عَرَضَ لَهُ حَدِيثٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، بِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ عُفِيَ عَنْهُ، وَلَا يُعَدُّ مُحَدِّثًا لِنَفْسِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ أَفَادَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَعْطُوفَةِ بِثُمَّ، وَأَفَادَ التَّثْلِيثَ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَضِيلَةٌ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ عَدَمُ إجْزَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا إذَا كَانَ بِصِفَتِهِ، وَلَا وَرَدَ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ صِفَاتِهِ، فَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَخَالَفَتْ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَقَالُوا: لَا يَجِبُ. وَأَمَّا التَّثْلِيثُ فَغَيْرُ وَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ. وَدَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهِ: تَصْرِيحُ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهُ - ﷺ - تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَرَّةً مَرَّةً، وَبَعْضَ الْأَعْضَاءِ ثَلَّثَهَا، وَبَعْضَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ فِي وُضُوءِ مَرَّةٍ مَرَّةٍ: إنَّهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ.
وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِمَا، فَقِيلَ: يَجِبَانِ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِيهِ: «وَبَالِغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» وَلِأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهِمَا فِي جَمِيعِ وُضُوئِهِ.
وَقِيلَ: إنَّهُمَا سُنَّةٌ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَفِيهِ: «أَنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ» فَلَمْ يَذْكُرْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُؤَوَّلُ حَدِيثُ الْأَمْرِ بِأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ.
َ
[ ١ / ٦٠ ]
بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ.
[وَعَنْ " عَلِيٍّ " - ﵇ - هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؛ " أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الذُّكُورِ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ عَلَى خِلَافٍ فِي سِنِّهِ، كَمْ كَانَ وَقْتُ إسْلَامِهِ؟ وَلَيْسَ فِي الْأَقْوَالِ أَنَّهُ بَلَغَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، بَلْ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ سِتَّ عَشْرَةَ إلَى سَبْعِ سِنِينَ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا إلَّا " تَبُوكَ "، فَأَقَامَهُ - ﷺ - فِي الْمَدِينَةِ خَلِيفَةً عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» اُسْتُخْلِفَ يَوْمَ قُتِلَ " عُثْمَانُ " يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَاسْتُشْهِدَ صُبْحَ الْجُمُعَةِ بِالْكُوفَةِ، لِسَبْعِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنْ ضَرْبَةِ الشَّقِيِّ " ابْنُ مُلْجِمٍ " لَهُ؛ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَخِلَافَتُهُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٌ، وَقَدْ أُلِّفَتْ فِي صِفَاتِهِ وَبَيَانِ أَحْوَالِهِ كُتُبٌ جَمَّةٌ، وَاسْتَوْفَيْنَا شَطْرًا صَالِحًا مِنْ ذَلِكَ فِي: " الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ شَرْحِ التُّحْفَةِ الْعُلْوِيَّةِ ". فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ اسْتَوْفَى فِيهِ صِفَةَ الْوُضُوءِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ مَا أَفَادَهُ حَدِيثُ " عُثْمَانَ "، وَإِنَّمَا أَتَى الْمُصَنِّفُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِمَا لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِي حَدِيثِ " عُثْمَانَ "، وَهُوَ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً، فَإِنَّهُ نَصَّ أَنَّهُ وَاحِدَةً مَعَ تَصْرِيحِهِ بِتَثْلِيثِ مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ بِتَثْلِيثِ مَسْحِهِ كَمَا يُثَلَّثُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ إذْ هُوَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ تَثْلِيثُهُ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ذُكِرَ فِيهِ تَثْلِيثُ الْأَعْضَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " عُثْمَانَ " فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ، أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، صَحَّحَ أَحَدَهُمَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَذَلِكَ كَافٍ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ السُّنَّةِ. وَقِيلَ: لَا يُشَرَّعُ تَثْلِيثُهُ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ " عُثْمَانَ " الصِّحَاحِ كُلِّهَا كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُد تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْغَسْلِ، وَبِأَنَّ الْعَدَدَ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي الْمَسْحِ لَصَارَ فِي صُورَةِ الْغَسْلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَ أَبِي دَاوُد يَنْقُصُهُ مَا رَوَاهُ هُوَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، فَلَا يُسْمَعُ. فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي صُورَةِ الْغَسْلِ لَا يُبَالَى بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَنْ الشَّارِعِ، ثُمَّ رِوَايَةُ التَّرْكِ لَا تُعَارِضُ رِوَايَةَ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَثُرَتْ رِوَايَةُ التَّرْكِ؛ إذْ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، بَلْ سُنَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُفْعَلَ أَحْيَانًا، وَتُتْرَكَ أَحْيَانًا. وَأَخْرَجَهُ أَيْ حَدِيثَ " عَلِيٍّ " - ﵇ - النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد
[ ١ / ٦١ ]
٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - ﵄ - فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: «وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
- وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ».
مِنْ سِتِّ طُرُقٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ، لَمْ يَذْكُرْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَفِي بَعْضٍ: «وَمَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى لَمْ يَقْطُرْ».
٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - ﵄ - فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: «وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ "] هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ، مِنْ " مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ "، شَهِدَ " أُحُدًا " وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ " مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ "، وَشَارَكَهُ " وَحْشِيٌّ "، وَقُتِلَ " عَبْدُ اللَّهِ " يَوْمَ الْحَرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ؛ وَهُوَ غَيْرُ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ "؛ الَّذِي يَأْتِي حَدِيثُهُ فِي الْآذَانِ، وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَلِذَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ. «فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرَأْسِهِ؛ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فَسَّرَ الْإِقْبَالَ بِهِمَا بِأَنَّهُ بَدَأَ مِنْ مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ، فَإِنَّ الْإِقْبَالَ بِالْيَدِ إذَا كَانَ مُقَدَّمًا يَكُونُ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ.
إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: [وَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ] وَاللَّفْظُ الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ [وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا] أَيْ الشَّيْخَيْنِ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا أَيْ الْيَدَيْنِ إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ».
الْحَدِيثُ يُفِيدُ صِفَةَ الْمَسْحِ لِلرَّأْسِ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ لِيَدَيْهِ فَيُقْبِلَ بِهِمَا وَيُدْبِرَ.
وَلِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
(الْأَوَّلُ): أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ؛ فَيَذْهَبَ إلَى الْقَفَا؛ ثُمَّ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ؛ وَهُوَ مُبْتَدَأُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْطِيه ظَاهِرُ قَوْلِهِ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ؛ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» إلَّا أَنَّهُ أُورِدَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ إلَى جِهَةِ الْقَفَا إدْبَارٌ؛ وَرُجُوعَهُ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ إقْبَالٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَالتَّقْدِيرُ: وَأَدْبَرَ وَأَقْبَلَ.
أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ، وَيَمُرَّ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ؛ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْمُؤَخَّرِ؛ مُحَافَظَةً عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ: أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَالْإِقْبَالُ إلَى مُقَدَّمِ الْوَجْهِ وَالْإِدْبَارُ إلَى نَاحِيَةِ الْمُؤَخَّرِ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، «بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ»، وَيُحَمَّلُ الِاخْتِلَافُ فِي لَفْظِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالَاتِ. أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّاصِيَةِ؛ وَيَذْهَبَ إلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَذْهَبَ إلَى جِهَةِ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ثُمَّ يَعُودَ إلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ وَهُوَ النَّاصِيَةُ، وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا قَصَدَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى قَوْلِهِ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ»،
[ ١ / ٦٢ ]