٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ.
مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى، أَنْ يُجَاءَ فِي الْجَوَابِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ، وَإِفَادَةً لِعِلْمِ غَيْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ؛ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ إلَى الْحُكْمِ كَمَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ عَنْ الْعِلْمِ بِحِلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ تَقَدُّمِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ أَشَدُّ تَوَقُّفًا، ثُمَّ الْمُرَادُ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ دَوَابِّهِ مِمَّا لَا يَعِيشُ إلَّا فِيهِ، لَا مَا مَاتَ فِيهِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ لُغَةً أَنَّهُ مَيْتَةُ بَحْرٍ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُرَادُ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَظَاهِرُهُ حِلُّ كُلِّ مَا مَاتَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ؛ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - اسْمُهُ " سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْخُدْرِيُّ: بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ، نِسْبَةً إلَى " خُدْرَةَ " حَيٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَمِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الشَّجَرَةِ، رَوَى حَدِيثًا كَثِيرًا وَأَفْتَى مُدَّةً، عَاشَ " أَبُو سَعِيدٍ " سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَحَدِيثُهُ كَثِيرٌ، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ؛ هُمْ أَصْحَابُ السُّنَنِ مَا عَدَا ابْنَ مَاجَهْ كَمَا عَرَفْت، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ: إنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، لَكِنْ قَالَ: حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ جَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَرْوِ حَدِيثَ " أَبِي سَعِيدٍ " فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ بِأَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ "، وَالْحَدِيثُ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ أَنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ لِلَّهِ - ﷺ -: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهِ الْحَيْضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ: الْمَاءُ طَهُورٌ»
[ ١ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْحَدِيثَ، هَكَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ فِيهِ [إنَّ الْمَاءَ]
كَمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَطَالَ هُنَا فِي الشَّرْحِ الْمَقَالَ، وَاسْتَوْفَى مَا قِيلَ فِي حُكْمِ الْمِيَاهِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَلِنَقْتَصِرَ فِي الْخَوْضِ فِي الْمِيَاهِ عَلَى قَدْرٍ يَجْتَمِعُ بِهِ شَمْلُ الْأَحَادِيثِ، وَيُعْرَفُ بِهِ مَأْخَذُ الْأَقْوَالِ وَوُجُوهُ الِاسْتِدْلَالِ فَنَقُولُ: قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ يُؤْخَذُ مِنْهَا أَحْكَامُ الْمِيَاهِ فَمِنْهَا حَدِيثُ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَحَدِيثُ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَحَدِيثُ «الْأَمْرِ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ»، وَحَدِيثُ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» وَحَدِيثُ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» وَحَدِيثُ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِإِرَاقَةِ الْمَاءِ الَّذِي وُلِغَ فِيهِ، وَهِيَ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ سَتَأْتِي جَمِيعُهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
إذَا عَرَفْت هَذَا، فَإِنَّهُ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، فَذَهَبَ الْقَاسِمُ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ، وَمَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَى أَنَّهُ طَهُورٌ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، عَمَلًا بِحَدِيثِ «الْمَاءُ طَهُورٌ» وَإِنَّمَا حَكَمُوا بِعَدَمِ طَهُورِيَّةِ مَا غَيَّرَتْ النَّجَاسَةُ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، إلَى قِسْمَةِ الْمَاءِ إلَى قَلِيلٍ تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ مُطْلَقًا، وَكَثِيرٍ لَا تَضُرُّهُ إلَّا إذَا غَيَّرَتْ بَعْضَ أَوْصَافِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَحْدِيدِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ إلَى تَحْدِيدِ الْقَلِيلِ بِأَنَّهُ مَا ظَنَّ الْمُسْتَعْمِلُ لِلْمَاءِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ النَّجَاسَةُ اسْتِعْمَالَهَا بِاسْتِعْمَالِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ الْكَثِيرُ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمَاءِ بِمَا إذَا حَرَّكَ أَحَدَ طَرَفَيْهِ آدَمِيٌّ لَمْ تَسِرْ الْحَرَكَةُ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَهَذَا رَأْيُ الْإِمَامِ، أَمَّا رَأْيُ صَاحِبَيْهِ: فَعَشْرَةٌ فِي عَشْرَةٍ، وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ الْقَلِيلُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمَاءِ بِمَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ عَمَلًا بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ الْقَلِيلُ. وَوَجْهُ هَذَا الِاخْتِلَافِ تَعَارُضُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَسْلَفْنَاهَا، فَإِنَّ حَدِيثَ الِاسْتِيقَاظِ، وَحَدِيثَ الْمَاءِ الدَّائِمِ، يَقْضِيَانِ أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ قَلِيلَ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْوُلُوغِ، وَالْأَمْرُ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، وَعَارَضَهَا حَدِيثُ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْأَمْرُ بِصَبِّ ذَنُوبِ مَاءٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ لَا يُنَجِّسُ قَلِيلَ الْمَاءِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ بَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ بِذَلِكَ الذَّنُوبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فَقَالَ الْأَوَّلُونَ، وَهُمْ الْقَائِلُونَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ
يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِالْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، كَمَا دَلَّ لَهُ هَذَا اللَّفْظُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، وَأَحَادِيثُ الِاسْتِيقَاظِ، وَالْمَاءِ الدَّائِمِ، وَالْوُلُوغِ، لَيْسَتْ وَارِدَةً لِبَيَانِ حُكْمِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ، بَلْ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِهَا تَعَبُّدِيٌّ لَا لِأَجْلِ
[ ١ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى لَا نَعْرِفُهُ، كَعَدَمِ مَعْرِفَتِنَا لِحِكْمَةِ أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا وَقِيلَ: بَلْ النَّهْيُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِلْكَرَاهَةِ فَقَطْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ مُطَهِّرَةٌ.
وَجَمَعَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ حَدِيثَ «لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَحَدِيثُ الِاسْتِيقَاظِ، وَحَدِيثُ الْمَاءِ الدَّائِمِ، مَحْمُولٌ عَلَى الْقَلِيلِ.
وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّ حَدِيثَ الِاسْتِيقَاظِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا لَهُ؛ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: الْمُرَادُ بِلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ: الْكَثِيرُ الَّذِي سَبَقَ تَحْدِيدُهُ، وَقَدْ أَعَلُّوا حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ بِالِاضْطِرَابِ وَكَذَلِكَ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَهُ، وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ فِي الْقَلِيلِ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، فَإِنَّهُ كَمَا عَرَفْت دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ قَلِيلَ الْمَاءِ، فَدَفَعَتْهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: إذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ نَجَّسَتْهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ الِاسْتِيقَاظِ، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا الْمَاءُ لَمْ تَضُرَّ، كَمَا فِي خَبَرِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَفِيهِ بَحْثٌ حَقَّقْنَاهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَحَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ حَكَمُوا أَنَّهُ إذَا وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَتْهُ، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا الْمَاءُ الْقَلِيلُ لَمْ يُنَجَّسْ، فَجَعَلُوا عِلَّةَ عَدَمِ تَنَجُّسِ الْمَاءِ الْوُرُودَ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ حِينَ يَرِدُ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ يَرِدُ عَلَيْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يُفْنِي عَيْنَهَا، وَيَذْهَبُ قَبْلَ فَنَائِهِ، فَلَا يَأْتِي آخِرُ جُزْءٍ مِنْ الْمَاءِ الْوَارِدِ عَلَى النَّجَاسَةِ إلَّا وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ، أَوْ بَقِيَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْهَا، يَفْنَى وَيَتَلَاشَى عِنْدَ مُلَاقَاةِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْهَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَاءُ، كَمَا تَفْنَى النَّجَاسَةُ وَتَتَلَاشَى إذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْكَثِيرِ فِي إفْنَاءِ الْكُلِّ لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ الْوَارِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ يُحِيلُ عَيْنَهَا لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَالْعِلَّةُ فِي عَدَمِ تَنَجُّسِهِ بِوُرُودِهِ عَلَيْهَا: فِي كَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَا الْوُرُودُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْوُرُودَيْنِ، بِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُنَجِّسُهُ دُونَ الْآخَرِ، وَإِذَا عَرَفْت مَا أَسْلَفْنَاهُ وَأَنَّ تَحْدِيدَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ لَمْ يَنْهَضْ عَلَى أَحَدِهِمَا دَلِيلٌ، فَأَقْرَبُ الْأَقَاوِيلِ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْآلِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاخْتَارَهُ مِنْهُمْ الْإِمَامُ شَرَفُ الدِّينِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ قَوْلٌ لِأَحْمَدَ، وَنَصَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَرَجَّحَهُ أَيْضًا مِنْ أَتْبَاعِ الشَّافِعِيِّ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الرُّويَانِيُّ صَاحِبُ بَحْرِ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الْإِمَامِ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى: إنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
" وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ "، " وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "، وَابْنِ عَبَّاسٍ، " وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ "، " وَمَيْمُونَةَ " أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، " وَأَبِي هُرَيْرَةَ " " وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ "، " وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ " " وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَخِيهِ، " وَابْنِ أَبِي لَيْلَى "، " وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ "، " وَابْنِ الْمُسَيِّبِ "، " وَمُجَاهِدٍ "، " وَعِكْرِمَةَ، " وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، " وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ "، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ.
٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ «الْمَاءُ طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ».
[ ١ / ٢٣ ]
٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ
- وَلِلْبَيْهَقِيِّ «الْمَاءُ طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ».
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَاسْمُهُ " صُدَيٌّ " بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ وَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ الْبَاهِلِيُّ بِمُوَحَّدَةٍ نِسْبَةً إلَى بَاهِلَةَ: فِي الْقَامُوسِ: بَاهِلَةُ قَوْمٌ وَاسْمُ أَبِيهِ عَجْلَانُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ يَعْنِي فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، سَكَنَ " أَبُو أُمَامَةَ " مِصْرَ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهَا وَسَكَنَ حِمْصَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إحْدَى، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ: هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالشَّامِ، كَانَ مِنْ الْمُكْثِرِينَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ - ﷺ - قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» الْمُرَادُ أَحَدُهَا كَمَا يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي حَقِّهِ: أَبُو حَاتِمٍ هُوَ الرَّازِيّ، الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحَنْظَلِيُّ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ إلَى أَنْ قَالَ: قَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَةٌ، تُوُفِّيَ أَبُو حَاتِمٍ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَإِنَّمَا ضُعِّفَ الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ " رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ " بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ كَانَ " رِشْدِينُ " رَجُلًا صَالِحًا فِي دِينِهِ فَأَدْرَكَتْهُ غَفْلَةُ الصَّالِحِينَ، فَخَلَطَ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَحَقِيقَةُ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ: هُوَ مَا اخْتَلَّ فِيهِ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، وَلَهُ سِتَّةُ أَسْبَابٍ مَعْرُوفَةٍ، سَرْدُهَا فِي الشَّرْحِ. وَالْبَيْهَقِيُّ: هُوَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ " خُرَاسَانَ " أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، لَهُ التَّصَانِيفُ الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَى مِثْلِهَا، كَانَ زَاهِدًا وَرِعًا تَقِيًّا، ارْتَحَلَ إلَى الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: تَآلِيفُهُ تُقَارِبُ أَلْفَ جُزْءٍ، " وَبَيْهَقُ " بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَهَاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَقَافٍ: بَلَدٌ قُرْبَ نَيْسَابُورَ، أَيْ رَوَاهُ بِلَفْظِ «الْمَاءُ طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ» عَطْفٌ عَلَيْهِ [بِنَجَاسَةٍ] الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ: أَيْ بِسَبَبِ
[ ١ / ٢٤ ]
٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَفِي لَفْظٍ " لَمْ يَنْجُسْ " أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ.
نَجَاسَةٍ [تَحْدُثُ فِيهِ]: قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ رِيحُهُ أَوْ لَوْنُهُ كَانَ نَجِسًا، يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ وَجْهٍ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى تَضْعِيفِهِ. وَالْمُرَادُ تَضْعِيفُ رِوَايَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا أَصْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَلَكِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ يُجْمِعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِحُكْمِهَا.
قَالَ " ابْنُ الْمُنْذِرِ ": أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لَهُ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا فَهُوَ نَجِسٌ؛ فَالْإِجْمَاعُ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَةِ مَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، لَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ.
٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَفِي لَفْظٍ «لَمْ يَنْجُسْ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ " - ﵄ - هُوَ: ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ صَغِيرًا بِمَكَّةَ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَعَمَّرَ، وَرَوَى عَنْهُ خَلَائِقُ، كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَدُفِنَ بِهَا بِذِي طُوًى فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ.
[قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَفِي لَفْظٍ [لَمْ يَنْجُسْ] هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا، كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ.
وَالْحَاكِمُ هُوَ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ إمَامُ الْمُحَقِّقِينَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَيْعِ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، وُلِدَ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَطَلَبَ هَذَا الشَّأْنَ، وَرَحَلَ إلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ، وَحَجَّ، ثُمَّ جَالَ فِي خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءِ النَّهْرِ، وَسَمِعَ مِنْ أَلْفَيْ شَيْخٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، حَدَّثَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَخَلَائِقُ. وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْفَائِقَةُ مَعَ التَّقْوَى وَالدِّيَانَةِ، أَلَّفَ الْمُسْتَدْرَكَ، وَتَارِيخَ نَيْسَابُورَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.:
وَابْنُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: هُوَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ: أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، سَمِعَ أُمَمًا لَا يُحْصَوْنَ مِنْ مِصْرَ إلَى خُرَاسَانَ،
[ ١ / ٢٥ ]