٨٦ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحُ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
٨٧ - وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ " - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحُ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» كِنَايَةً عَنْ الْغَائِطِ كَمَا عَرَفْت أَنَّهُ أَحَدُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ [وَلَا يَتَنَفَّسُ] يُخْرِجُ نَفَسَهُ [فِي الْإِنَاءِ] عِنْدَ شُرْبِهِ مِنْهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ]: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ حَالَ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ: وَتَحْرِيمُ التَّمَسُّحِ بِهَا مِنْ الْغَائِطِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْبَوْلِ، لِمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ. وَتَحْرِيمُ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ حَالَ الشُّرْبِ. وَإِلَى التَّحْرِيمِ ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي الْكُلِّ عَمَلًا بِهِ كَمَا عَرَفْت، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ، وَأَجْمَلَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (بَابُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ) وَذَكَرَ حَدِيثَ الْكِتَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: عَبَّرَ بِالنَّهْيِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ لَهُ: هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ؟ أَوْ أَنَّ الْقَرِينَةَ الصَّارِفَةَ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّحْرِيمِ لَمْ تَظْهَرْ؛ وَهَذَا حَيْثُ اسْتَنْجَى بِأَنَّهُ كَالْمَاءِ وَالْأَحْجَارِ.
أَمَّا لَوْ بَاشَرَ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا؛ وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِ الْيَمِينِ وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْأَقْذَارِ، وَالنَّهْيِ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ لِئَلَّا يُقَذِّرَهُ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ يَسْقُطَ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ مَا يُفْسِدُهُ عَلَى الْغَيْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ، وَحَمَلَهُ الْجَمَاهِيرُ عَلَى الْأَدَبِ.
وَعَنْ سَلْمَانَ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَيُقَالُ لَهُ: سَلْمَانُ الْخَيْرِ؛ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أَصْلُهُ مِنْ فَارِسَ، سَافَرَ لِطَلَبِ الدِّينِ وَتَنَصَّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَلَهُ أَخْبَارٌ طَوِيلَةٌ نَفِيسَةٌ، ثُمَّ تَنَقَّلَ حَتَّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَكَانَ رَأْسًا فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلُ الْبَيْتِ» وَوَلَّاهُ عُمَرُ " الْمَدَائِنَ، وَكَانَ مِنْ الْمُعَمِّرِينَ، قِيلَ: عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِعَطَائِهِ،
[ ١ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. قَالَ: لَقَدْ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» الْمُرَادُ أَنْ نَسْتَقْبِلَ بِفُرُوجِنَا عِنْدَ خُرُوجِ الْغَائِطِ أَوْ الْبَوْلِ [أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ] وَهَذَا غَيْرُ النَّهْيِ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْبَوْلِ الَّذِي مَرَّ [أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ] الِاسْتِنْجَاءُ إزَالَةُ النَّجْوِ بِالْمَاءِ أَوْ الْحِجَارَةِ [أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ وَهُوَ الرَّوْثُ [أَوْ عَظْمٍ] رَوَاهُ مُسْلِمٌ
؛ الْحَدِيثُ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، كَمَا فَسَّرَهَا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فِي قَوْلِهِ: فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَسَيَأْتِي؛ ثُمَّ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ اسْتِدْبَارِهَا أَيْضًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا» وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لَا؟ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ): أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ؛ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَالْعُمْرَانِ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ، بِقَرِينَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ «رَأَيْته قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا؛ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلًا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرًا لِلْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ. «فَحَوِّلُوا مَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ» الْمُرَادُ بِمَقْعَدَتِهِ مَا كَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهِ حَالَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ؛ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمْ الْقِبْلَةَ، قَالَ: أَرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوا، اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ» هَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ؛ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ الصَّلْتِ ": هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ.
(الثَّانِي): أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِيهِمَا لِظَاهِرِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ. وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي جُعِلَتْ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لِعُذْرٍ وَلِأَنَّهَا حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ لَهَا.
(الثَّالِثُ): أَنَّهُ مُبَاحٌ فِيهِمَا، قَالُوا: وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ،؛ لِأَنَّ فِيهَا التَّقْيِيدَ بِقَبْلِ عَامٍ وَنَحْوَهُ؛ وَاسْتَقْوَاهُ فِي الشَّرْحِ.
(الرَّابِعُ) يَحْرُمُ فِي الصَّحَارِي دُونَ الْعُمْرَانِ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ وَرَدَتْ فِي الْعُمْرَانِ، فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَامَّةٌ، وَبَعْدَ تَخْصِيصِ الْعُمْرَانِ بِأَحَادِيثِ فِعْلِهِ الَّتِي سَلَفَتْ بَقِيَتْ الصَّحَارِي عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ بِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِالْبَعِيدِ، لِبَقَاءِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَلَى بَابِهَا، وَأَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ كَذَلِكَ.
(الْخَامِسِ): الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِقْبَالِ فَيَحْرُمُ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِمَا، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِوُرُودِ النَّهْيِ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءٍ.
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ أَقْرَبُهَا الرَّابِعُ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ فِي الصَّحْرَاءِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مُصَلٍّ مِنْ مَلَكٍ أَوْ آدَمِيٍّ أَوْ جِنِّيٍّ؛ فَرُبَّمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى عَوْرَتِهِ؛ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَقَدْ سُئِلَ: أَيْ الشَّعْبِيُّ عَنْ اخْتِلَافِ الْحَدِيثَيْنِ، حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ
[ ١ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَآهُ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ فَقَالَ: صَدَقَا جَمِيعًا، أَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ " فَهُوَ فِي الصَّحْرَاءِ فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا مَلَائِكَةً وَجِنًّا يُصَلُّونَ فَلَا يَسْتَقْبِلُهُمْ أَحَدٌ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمْ، وَأَمَّا كَنَفُكُمْ فَإِنَّمَا هِيَ بُيُوتٌ بُنِيَتْ لَا قِبْلَةَ فِيهَا، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْكَعْبَةِ، وَقَدْ أُلْحِقَ بِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَتَيْنِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَقْوَى عَلَى رَفْعِ الْأَصْلِ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ اسْتِقْبَالِ الْقَمَرَيْنِ لِمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ. وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْيُمْنَى تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ: وَقَوْلُهُ، «أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَقَدْ وَرَدَ كَيْفِيَّةُ اسْتِعْمَالِ الثَّلَاثِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «حَجَرَانِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرُبَةِ» وَهِيَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ أَوْ مَفْتُوحَةٍ، مَجْرَى الْحَدَثِ مِنْ الدُّبُرِ. وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ؛ فَالْهَادَوِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ إلَّا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ؛ أَوْ مَنْ خَشِيَ تَعَدِّي الرُّطُوبَةِ وَلَمْ تَزَلْ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ؛ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لِلصَّلَاةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ: مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحِجَارَةِ أَيُّهُمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ؛ وَإِذَا اكْتَفَى بِالْحِجَارَةِ فَلَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ الثَّلَاثِ الْمَسَحَاتِ، وَلَوْ زَالَتْ الْعَيْنُ بِدُونِهَا، وَقِيلَ إذَا حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِدُونِ الثَّلَاثِ أَجْزَأَ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِثَلَاثٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَيُنْدَبُ الْإِيتَارُ. وَيُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ؛ فَتَكُونُ سِتَّةُ أَحْجَارٍ، وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ.
قُلْت: إلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَأْتِ فِي طَلَبِهِ - ﷺ - لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمَا إلَّا بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَجَاءَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الدُّبُرِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْقُبُلِ، وَلَوْ كَانَتْ السِّتُّ مُرَادَةً لِطَلَبِهَا - ﷺ - عِنْدَ إرَادَتِهِ التَّبَرُّزَ، وَلَوْ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، فَلَوْ كَانَ حَجَرٌ لَهُ سِتَّةُ أَحْرُفٍ أَجْزَأَ الْمَسْحُ بِهِ، وَيَقُومُ غَيْرُ الْحِجَارَةِ مِمَّا يُنَقِّي مَقَامَهَا، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ فَقَالُوا بِوُجُوبِ الْأَحْجَارِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ نَهْيُهُ أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ، وَلَوْ تَعَيَّنَتْ الْحِجَارَةُ لَنَهَى عَمَّا سِوَاهَا، وَكَذَلِكَ نَهَى عَنْ الْحُمَمِ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُد: «مُرْ أُمَّتَك أَنْ لَا يَسْتَنْجُوا بِرَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا» فَنَهَى - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْعَظْمِ أَنَّهَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ - ﷺ - لِلْجِنِّ لَمَّا سَأَلُوهُ الزَّادَ: لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْفَرُ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». وَلَا يُنَافِيهِ تَعْلِيلُ الرَّوْثَةِ بِأَنَّهَا رِكْسٌ فِي حَدِيثِ. «ابْنِ مَسْعُودٍ
[ ١ / ١١٤ ]
٨٨ - وَلِلسَّبْعَةِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - ﵁ - «وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»
٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَأْتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَأَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ إنَّهَا رِكْسٌ» فَقَدْ يُعَلَّلُ الْأَمْرُ الْوَاحِدُ بِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا مَانِعَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ رِجْسًا، وَتُجْعَلَ لِدَوَابّ الْجِنِّ طَعَامًا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقَمَرَيْنِ الْحَدِيثُ الْآتِي:
وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِلسَّبْعَةِ حَدِيثُ " أَبِي أَيُّوبَ وَاسْمُهُ: " خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ شَهِدَ بَدْرًا وَنَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَالَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ عَلَيْهِ مَاتَ غَازِيًا سَنَةَ خَمْسِينَ بِالرُّومِ وَقِيلَ بَعْدَهَا وَالْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ أَوَّلُهُ أَنَّهُ قَالَ - ﷺ - " إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ] الْحَدِيثَ؛ وَفِي آخِرِهِ مِنْ كَلَامِ أَبِي أَيُّوبَ " قَالَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ «فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِقْبَالِ الْقَمَرَيْنِ وَاسْتِدْبَارهمَا إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا فِي الشَّرْقِ أَوْ الْغَرْبِ غَالِبًا.
وَعَنْ عَائِشَةَ " - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثُ فِي السُّنَنِ نَسَبُهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَكَذَلِكَ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ: مَدَارُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْحُبْرَانِيِّ الْحِمْصِيِّ "، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ. قِيلَ: إنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَلَا يَصِحُّ وَالرَّاوِي عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَالْحَدِيثُ كَاَلَّذِي سَلَف دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِتَارِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا شَطْرَهُ، وَلَفْظُهُ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ؛
[ ١ / ١١٥ ]