لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرَّيْك لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ] هُوَ مِنْ بَابِ: وَنَفَخَ فِي الصُّوَرِ، عَبَّرَ عَنْ الْآتِي بِالْمَاضِي، لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وَالْمُرَادُ تُفْتَحُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ،] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ»
جَمَعَ بَيْنَهُمَا ائْتِمَامًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وَلَمَّا كَانَتْ التَّوْبَةُ طَهَارَةَ الْبَاطِنِ مِنْ أَدْرَانِ الذُّنُوبِ، وَالْوُضُوءُ طَهَارَةُ الظَّاهِرِ عَنْ الْأَحْدَاثِ الْمَانِعَةِ عَنْ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعَالَى، نَاسَبَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا، أَيْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى غَايَةَ الْمُنَاسَبَةِ فِي طَلَبِ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مَحْبُوبًا بِاَللَّهِ وَفِي زُمْرَةِ الْمَحْبُوبِينَ لَهُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ الْحَدِيثَ: فِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، فَصَدْرُ الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي مُسْلِمٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ رَوَاهَا الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ بِلَفْظِ: «مَنْ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَسَاعَةَ فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ السُّنِّيِّ، فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ،، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك» كُتِبَ فِي رَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ فَلَا يُكْسَرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَصَحَّحَ النَّسَائِيّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَهَذَا الذِّكْرُ عَقِيبَ الْوُضُوءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا عَقِيبَ الْغُسْلِ.
وَإِلَى هُنَا انْتَهَى بَابُ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْأَذْكَارِ فِيهِ إلَّا حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِهِ، وَهَذَا الذِّكْرُ فِي آخِرِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الذِّكْرِ مَعَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى ضَعْفِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَدْعِيَةُ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ لَا أَصْلَ لَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُتَقَدِّمُونَ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ.
هَذَا وَلَا يَخْفَى حُسْنُ خَتْمِ الْمُصَنِّفِ بَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ فِعْلًا، فَقَالَهُ عِنْدَ تَمَامِ أَدِلَّتِهِ تَأْلِيفًا.
وَعَقَّبَ الْوُضُوءَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوُضُوءِ فَقَالَ:
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
أَيْ بَابُ ذِكْرِ أَدِلَّةِ شَرْعِيَّةِ ذَلِكَ.
وَالْخُفُّ: نَعْلٌ مِنْ أَدَمٍ يُغَطِّي الْكَعْبَيْنِ. وَالْجُرْمُوقُ: خُفٌّ كَبِيرٌ يُلْبَسُ فَوْقَ خُفٍّ صَغِيرٍ. وَالْجَوْرَبُ: فَوْقَ الْجُرْمُوقِ يُغَطِّي الْكَعْبَيْنِ بَعْضَ التَّغْطِيَةِ دُونَ النَّعْلِ، وَهِيَ تَكُونُ دُونَ الْكِعَابِ. (٥٣) - عَنْ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْهُ إلَّا النَّسَائِيّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
[ ١ / ٨٠ ]
٥٣ - عَنْ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْهُ إلَّا النَّسَائِيّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
[عَنْ " الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " - ﵁ - قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -] أَيْ فِي سَفَرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي دَاوُد تَعْيِينُ السَّفَرِ أَنَّهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَتَعْيِينُ الصَّلَاةِ أَنَّهَا صَلَاةُ الْفَجْرِ [فَتَوَضَّأَ] أَيْ أَخَذَ فِي الْوُضُوءِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، فَفِي لَفْظٍ: [تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ] وَفِي أُخْرَى: [فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ]
فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَوَضَّأَ أَخَذَ فِيهِ، لَا أَنَّهُ اسْتَكْمَلَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ [فَأَهْوَيْت] أَيْ مَدَدْت يَدِي، أَوْ قَصَدَتْ الْهَوِيَّ مِنْ الْقِيَامِ إلَى الْقُعُودِ [لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ] كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ بِرُخْصَةِ الْمَسْحِ، أَوْ عَلِمَهَا وَظَنَّ أَنَّهُ - ﷺ - سَيَفْعَلُ الْأَفْضَلَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ، وَيَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ، أَوْ جَوَازُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ الْمَسْحِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ أَقْرَبُ لِقَوْلِهِ [فَقَالَ: دَعْهُمَا] أَيْ الْخُفَّيْنِ [فَإِنِّي أَدْخَلَتْهُمَا طَاهِرَتَيْنِ] حَالٌ مِنْ الْقَدَمَيْنِ كَمَا تُبَيِّنُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد [فَإِنِّي أَدْخَلْت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ] [فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا] [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ؛ وَلَفْظُهُ هُنَا لِلْبُخَارِيِّ. وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ " الْمُغِيرَةِ " مِنْ سِتِّينَ طَرِيقًا، وَذَكَرَ مِنْهَا ابْنُ مَنْدَهْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ طَرِيقًا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِيهِ كَمَا عَرَفْت.
وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِهِ سَفَرًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَضَرًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ، قَالَ " أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ": فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: فِيهِ عَنْ أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ: وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ أَسْمَاءَ مَنْ رَوَاهُ فِي تَذْكِرَتِهِ، فَبَلَغُوا ثَمَانِينَ صَحَابِيًّا، وَالْقَوْلُ بِالْمَسْحِ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ " عَلِيٍّ " - ﵇ -، " وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ "، " وَبِلَالٍ، " وَحُذَيْفَةَ "، " وَبُرَيْدَةَ "، " وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ "،
[ ١ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَسَلْمَانَ "، " وَجَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، وَغَيْرِهِمْ؛ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ إنْكَارُهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إثْبَاتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ إنْكَارُهُ إلَّا عَنْ " مَالِكٍ "، مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإِثْبَاتِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ الْمَسْحَ مُتَوَاتِرٌ؛ وَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مُسْتَدِلِّينَ بِمَا سَمِعْت.
وَرُوِيَ عَنْ الْهَادَوِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَالُوا: فَعَيَّنَتْ الْآيَةُ مُبَاشَرَةَ الرِّجْلَيْنِ بِالْمَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا سَلَفَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ أَحَادِيثِ التَّعْلِيمِ، وَكُلُّهَا عَيَّنَتْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، قَالُوا: وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ فِي الْمَسْحِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّسْخِ قَوْلُ " عَلِيٍّ " - ﵇ -: سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ.
وَقَوْلُ " ابْنِ عَبَّاسٍ ": مَا مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ الْمَائِدَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَمَسَحَهُ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَمَا عَرَفْت، فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ. بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ تَأَخُّرَ آيَةِ الْمَائِدَةِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْآيَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مُطْلَقٌ، وَقَيَّدَتْهُ أَحَادِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، أَوْ عَامٌّ وَخَصَّصَتْهُ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ " عَلِيٍّ " - ﵇ - فَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، مَعَ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ عَنْهُمَا مِنْ الْقَوْلِ بِالْمَسْحِ، وَقَدْ عَارَضَ حَدِيثُهُمَا مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُمَا، وَهُوَ حَدِيثُ " جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ "، فَإِنَّهُ لَمَّا رَوَى أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ قِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: وَهَلْ أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ الْمَائِدَةِ؟ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّعْلِيمِ فَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنَافِي جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا فِيمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ خُفَّانِ فَأَيُّ دَلَالَةٍ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: قَدْ ثَبَتَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ الْقِرَاءَةُ بِالْجَرِّ لِأَرْجُلِكُمْ عَطْفًا عَلَى الْمَمْسُوحِ وَهُوَ الرَّأْسُ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ كَمَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وَيَتِمُّ ثُبُوتُ الْمَسْحِ بِالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ الَّتِي تُوَجَّهُ بِهِ قِرَاءَةُ الْجَرِّ.
إذَا عَرَفْت هَذَا فَلِلْمَسْحِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ شَرْطَانِ:
مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مَعَ كَمَالِ طَهَارَةِ الْقَدَمَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَلْبَسَهُمَا وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ، بِأَنْ يَتَوَضَّأَ حَتَّى يُكْمِلَ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَلْبَسَهُمَا، فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدَثًا أَصْغَرَ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِطَاهِرَتَيْنِ الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ، وَقَدْ قِيلَ: بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا طَاهِرَتَانِ عَنْ النَّجَاسَةِ، يُرْوَى عَنْ دَاوُد، وَيَأْتِي مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا يُقَوِّي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ. مُسْتَفَادٌ مِنْ مُسَمَّى الْخُفِّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَامِلُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَاتِرًا، قَوِيًّا، مَانِعًا نُفُوذَ الْمَاءِ غَيْرَ مُخَرَّقٍ، فَلَا يُمْسَحُ عَلَى مَا لَا يَسْتُرُ الْعَقِبَيْنِ، وَلَا عَلَى مُخَرَّقٍ يَبْدُو مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ، وَلَا عَلَى مَنْسُوجٍ إذَا لَمْ يَمْنَعْ نُفُوذَ الْمَاءِ،
[ ١ / ٨٢ ]