وُصُولِي إلَى مَطْلُوبِي (مِنْ جَمِيعِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ) ثُمَّ جَعَلَهُ اسْمًا لِمُخْتَصَرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى مَفْعُولِ الْمَصْدَرِ: أَيْ بُلُوغُ الطَّالِبِ مَطْلُوبَهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ (وَاَللَّهَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ (أَسْأَلُهُ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ: أَيْ: لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ (أَنْ لَا يَجْعَلَ مَا عَلِمْنَاهُ عَلَيْنَا وَبَالًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ: هُوَ الشِّدَّةُ وَالثِّقَلُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ لَا يَجْعَلُهُ شِدَّةً فِي الْحِسَابِ وَثِقَلًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْزَارِ، إذْ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ إذَا لَمْ تُخْلَصْ لِوَجْهِ اللَّهِ انْقَلَبَتْ أَوْزَارًا وَآثَامًا (وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا يُرْضِيهِ، ﷾) أُنَزِّهُهُ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ. وَأُثْبِتُ لَهُ الْعُلُوَّ عَلَى كُلِّ عَالٍ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، وَكَثِيرًا مَا قَرَنَ التَّسْبِيحَ بِصِفَةِ الْعُلُوِّ كَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى: وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى.
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) الْكِتَابُ وَالطَّهَارَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرَانِ أُضِيفَا وَجُعِلَا اسْمًا لِمَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ خَاصَّةٍ؛ وَبَدَأَ بِالطَّهَارَةِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ الْمُصَنِّفِينَ فِي ذَلِكَ وَتَقْدِيمًا لِلْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ عَلَى غَيْرِهَا وَاهْتِمَامًا بِأَهَمِّهَا وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَلَمَّا كَانَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِهَا بَدَأَ بِهَا، وَهِيَ هُنَا اسْمُ مَصْدَرٍ: أَيْ طَهُرَ تَطْهِيرًا وَطَهَارَةً، مِثْلُ: كَلَّمَ تَكْلِيمًا وَكَلَامًا، وَحَقِيقَتُهَا اسْتِعْمَالُ الْمُطَهَّرَيْنِ أَيْ: الْمَاءُ وَالتُّرَابُ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَسِ وَالْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْمَاءُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالتَّطَهُّرِ بِهِ أَصَالَةً قَدَّمَهُ فَقَالَ:
(بَابُ الْمِيَاهِ) الْبَابُ لُغَةً: مَا يُدْخَلُ وَيُخْرَجُ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ، شَبَّهَ الدُّخُولَ إلَى الْخَوْضِ فِي مَسَائِلَ مَخْصُوصَةٍ بِالدُّخُولِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَحْسُوسَةِ، ثُمَّ أَثْبَتَ لَهَا الْبَابَ.
وَالْمِيَاهُ: جَمْعُ مَاءٍ وَأَصْلُهُ مَوَهَ، وَلِذَا ظَهَرَتْ الْهَاءُ فِي جَمْعِهِ، وَهُوَ جِنْسٌ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إلَّا أَنَّهُ جَمْعٌ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ فِيهِ مَا يُنْهَى عَنْهُ وَفِيهِ مَا يُكْرَهُ، وَبِاعْتِبَارِ الْخِلَافِ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ كَمَاءِ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ نَقَلَ الشَّارِحُ الْخِلَافَ فِي التَّطَهُّرِ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو. وَفِي النِّهَايَةِ: أَنَّ فِي كَوْنِ مَاءِ الْبَحْرِ مُطَهِّرًا خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَكَأَنَّهُ لِقِدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثٍ يُفِيدُ طَهُورِيَّتَهُ، وَهُوَ حُجَّةُ الْجَمَاهِيرِ
[ ١ / ١٨ ]
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فِي الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ، [وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ كَأَنْ قَالَ: بَابُ الْمِيَاهِ أَرْوِي فِيهِ، وَأَذْكُرُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْأَوَّلُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ الْحَافِظُ الْمُكْثِرُ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الَّذِي تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ "، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ؛ وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: ذُكِرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُسْنَدِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ خَمْسَةُ آلَافِ حَدِيثٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَهُوَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ هَذَا الْقَدْرُ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ. قُلْت: كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الِاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَفْظِ: إلَّا أَنَّ " عَبْدَ الرَّحْمَنِ " هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ إلَيْهِ الْقَلْبُ فِي اسْمِهِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ (أَيْ الِاسْتِيعَابِ): مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَقِيلَ: مَاتَ بِالْعَقِيقِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ " الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ " وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا قَالَهُ " ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ".
[قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْبَحْرِ] أَيْ فِي حُكْمِهِ، وَالْبَحْرُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، أَوْ الْمَالِحُ فَقَطْ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنْ مَقُولِهِ - ﷺ -، بَلْ مَقُولُهُ [هُوَ الطَّهُورُ بِفَتْحِ الطَّاءِ، هُوَ الْمَصْدَرُ وَاسْمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، أَوْ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي الشَّرْعِ: يُطَلَّقُ عَلَى الْمُطَهِّرِ، وَبِالضَّمِّ مَصْدَرٌ: وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ بِالْفَتْحِ لَهُمَا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْقَامُوسِ بِالضَّمِّ
[مَاؤُهُ] هُوَ فَاعِلُ الْمَصْدَرِ، وَضَمِيرُ مَاؤُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الطَّهُورُ.
الْبَحْرُ: يَعْنِي مَكَانَهُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى قَوْلِهِ مَاؤُهُ، إذْ يَصِيرُ فِي مَعْنَى طَهُورٌ مَاؤُهُ فِي الْمَاءِ وَ[الْحِلُّ] هُوَ مَصْدَرُ حَلَّ الشَّيْءُ ضِدُّ حَرُمَ، وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ: الْحَلَالُ [مَيْتَتُهُ] هُوَ فَاعِلٌ أَيْضًا.
[ ١ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ] هُوَ: أَبُو بَكْرٍ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي حَقِّهِ: الْحَافِظُ الْعَدِيمُ النَّظِيرِ، الثَّبْتُ النِّحْرِيرُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ وَالْمُصَنَّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد، وَابْنِ مَاجَهْ [وَاللَّفْظُ لَهُ] أَيْ لَفْظُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ سَرْدُهُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ ذُكِرَ أَخْرَجُوهُ بِمَعْنَاهُ [وَ] صَحَّحَهُ [ابْنُ خُزَيْمَةَ] بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَزَايٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ: الْحَافِظُ الْكَبِيرُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، انْتَهَتْ إلَيْهِ الْإِمَامَةُ وَالْحِفْظُ فِي عَصْرِهِ بِخُرَاسَانَ [وَ] صَحَّحَهُ [التِّرْمِذِيُّ] أَيْضًا، فَقَالَ عَقِبَ سَرْدِهِ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَسَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
هَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ لِلْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ، وَحَقِيقَةُ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ مَا نَقَلَهُ: عَدْلٌ تَامُّ الضَّبْطِ عَنْ مِثْلِهِ مُتَّصِلُ السَّنَدِ غَيْرُ مُعَلٍّ وَلَا شَاذٍّ؛ هَذَا وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّلْخِيصِ مِنْ تِسْعِ طُرُقٍ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ تَخْلُ طَرِيقٌ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ جَزَمَ بِصِحَّتِهِ مَنْ سَمِعْت، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ حَكَمَ بِصِحَّةِ جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا تَبْلُغُ دَرَجَةَ هَذَا وَلَا تُقَارِبُهُ.
قَالَ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَتَدَاوَلَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، وَرَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ، ثُمَّ عُدَّ مَنْ رَوَاهُ وَمَنْ صَحَّحَهُ.
وَالْحَدِيثُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ " أَبَا هُرَيْرَةَ " - ﵁ - قَالَ: [جَاءَ رَجُلٌ] وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ [مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ] وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ [اسْمُهُ " عَبْدُ اللَّهِ " إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ؛ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ؟» وَفِي لَفْظِ " أَبِي دَاوُد " بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَأَفَادَ - ﷺ - أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، لَا يَخْرُجُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ بِحَالٍ إلَّا مَا سَيَأْتِي مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَلَمْ يَجِبْ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، مَعَ إفَادَتِهَا الْغَرَضَ، بَلْ أَجَابَ بِهَذَا اللَّفْظِ لِيَقْرِنَ الْحُكْمَ بِعِلَّتِهِ وَهِيَ الطَّهُورِيَّةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي بَابِهَا، وَكَأَنَّ السَّائِلَ لَمَّا رَأَى مَاءَ الْبَحْرِ خَالَفَ الْمِيَاهَ بِمُلُوحَةِ طَعْمِهِ وَنَتْنِ رِيحِهِ؛ تَوَهَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أَيْ بِالْمَاءِ الْمَعْلُومِ إرَادَتُهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَاغْسِلُوا﴾، أَوْ أَنَّهُ لَمَّا عَرَفَ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ظَنَّ اخْتِصَاصَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَفَادَهُ - ﷺ - الْحُكْمَ، وَزَادَهُ حُكْمًا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ، وَهُوَ حِلُّ الْمَيْتَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمَّا عَرَفَ اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ عَلَى السَّائِلِ فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَشْفَقَ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَيْتَتِهِ، وَقَدْ يُبْتَلَى بِهَا رَاكِبُ الْبَحْرِ، فَعَقَّبَ الْجَوَابَ عَنْ سُؤَالِهِ بِبَيَانِ حُكْمِ الْمَيْتَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَذَلِكَ
[ ١ / ٢٠ ]