١٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ. ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَلَهُمَا، مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ» - وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ، فَرَدَّهُ، وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ
وَحَدِيثِ طَوَافِهِ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ كَذَا قِيلَ؛ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى هُنَا دَلِيلٌ.
وَذَهَبَ دَاوُد وَجَمَاعَةٌ إلَى وُجُوبِهِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَنَمْ» وَفِي الْبُخَارِيِّ: «اغْسِلْ فَرْجَك ثُمَّ تَوَضَّأْ» وَأَصْلُهُ الْإِيجَابُ.
وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَتَوَضَّأُ إنْ شَاءَ» وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ دُونَ قَوْلِهِ: إنْ شَاءَ "، إلَّا أَنَّ تَصْحِيحَ مَنْ ذَكَرَهَا وَإِخْرَاجَهَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ كِتَابِهِ كَافٍ فِي الْعَمَلِ؛ وَيُؤَيِّدُ حَدِيثَ [وَلَا يَمَسُّ مَاءً] وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ التِّرْمِذِيِّ، وَيُعَضِّدُ الْأَصْلَ وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ جُنُبًا كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ أَيْ أَرَادَ ذَلِكَ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ» فِي حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ ": [مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يُفْرِغُ] أَيْ الْمَاءَ [بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ] فِي حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ ": " وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " [ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ] أَيْ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ: [يُخَلِّلُ بِهَا شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ فَيَتْبَعُ بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ الْحَفْنَةُ بِالْمُهْمَلَةِ فَنُونٌ: مِلْءُ الْكَفِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: [ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ
[ ١ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَفَّيْهِ] إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ مِلْءَ كَفِّهِ بِالْإِفْرَادِ [ثُمَّ أَفَاضَ] أَيْ الْمَاءَ [عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ] أَيْ بَقِيَّتِهِ، وَلَفْظُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: " ثُمَّ غَسَلَ " بَدَلَ أَفَاضَ [ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ
وَلَهُمَا أَيْ لِلشَّيْخَيْنِ: مِنْ حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ " فِي صِفَةِ الْغُسْلِ مِنْ ابْتِدَائِهِ إلَى انْتِهَائِهِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ " عَائِشَةَ " فَقَطْ: [ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ] وَفِي رِوَايَةٍ [فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ] وَفِي آخِرِهِ [ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ] بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ [فَرَدَّهُ - وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ] وَقِيلَ: هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِهِمَا [ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَتَيْته] إلَى آخِرِهِ. وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُشْتَمِلَانِ عَلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ مِنْ ابْتِدَائِهِ إلَى انْتِهَائِهِ، فَابْتِدَاؤُهُ غُسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، إذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا مِنْ النَّوْمِ، كَمَا وَرَدَ صَرِيحًا، وَكَانَ الْغُسْلُ مِنْ الْإِنَاءِ، وَقَدْ قَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ الْفَرْجَ، وَفِي الشَّرْحِ أَنَّ ظَاهِرَهُ مُطْلَقُ الْغُسْلِ فَيَكْفِي مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَدَلَكَ الْأَرْضَ لِأَجْلِ إزَالَةِ الرَّائِحَةِ مِنْ الْيَدِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ أَعَادَ غَسْلَ الْفَرْجِ بَعْدَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ الرَّائِحَةُ فِي الْيَدِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي الْفَرْجِ؛ وَهَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُطَهَّرُ بِهِ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، وَعَلَى تَشْرِيكِ النِّيَّةِ لِلْغُسْلِ الَّذِي يُزِيلُ النَّجَاسَةِ بِرَفْعِهَا الْحَدَثَ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الرَّائِحَةِ بَعْدَ غَسْلِ الْمَحَلِّ لَا يَضُرُّ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، هَذَا كَلَامُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَبْقَ رَائِحَةٌ بَلْ ضَرَبَ الْأَرْضَ لِإِزَالَةِ لُزُوجَةِ الْيَدِ إنْ سُلِّمَ أَنَّهَا تُفَارِقُ الرَّائِحَةَ، وَأَمَّا وُضُوءُهُ قَبْلَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وُضُوءُهُ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ؛ وَأَنْ يَكُونَ غَسْلُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ كَافِيًا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَأَنَّهُ تَتَدَاخَلُ الطَّهَارَتَانِ، وَهُوَ رَأْيُ " زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ " وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِلْجَنَابَةِ وَقَدَّمَهَا تَشْرِيفًا لَهَا، ثُمَّ وَضَّأَهَا لِلصَّلَاةِ، لَكِنْ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ أَصْلًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَضَّأَهَا لِلصَّلَاةِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهَا الْمَاءَ مَعَ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ لِلْجَنَابَةِ، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ: أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، لَا تُنَاسِبُ هَذَا؛ إذْ هِيَ ظَاهِرَةٌ أَنَّهُ أَفَاضَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ مِمَّا لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ، فَإِنَّ السَّائِرَ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ؛ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالسَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَ جَمَاعَاتٌ فَالْحَدِيثَانِ ظَاهِرَانِ فِي كِفَايَةِ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ رَفْعُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَتَدَاخَلَانِ، وَأَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بَعْدَ كَمَالِ الْغُسْلِ، لَمْ يَنْهَضْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ؛ وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ وَصَلَاةَ الْغَدَاةِ وَلَا يَمَسُّ مَاءً» فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ
[ ١ / ١٣٢ ]