١٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
شَرْطٌ لِجَمْعِهِ عَلَمًا وَصِفَةً. قُلْت: لَمَّا نُزِّلَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ بِوَصْفِهِ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الْخَادِمُ، أَجْرَاهُ مَجْرَاهُ فِي جَمْعِهِ صِفَةً.
وَفِي التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَادِمِ فِي كَثْرَةِ اتِّصَالِهَا بِأَهْلِ الْمَنْزِلِ وَمُلَابَسَتِهَا لَهُمْ وَلِمَا فِي مَنْزِلِهِمْ خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِجَعْلِهَا غَيْرَ نَجَسٍ رَفْعًا لِلْحَرَجِ؛ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ، وَالْعُقَيْلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْهِرَّةِ وَسُؤْرِهَا وَإِنْ بَاشَرَتْ نَجَسًا. وَأَنَّهُ لَا تَقْيِيدَ لِطَهَارَةِ فَمِهَا بِزَمَانٍ.
وَقِيلَ: لَا يَطْهُرُ فَمُهَا إلَّا بِمُضِيِّ زَمَانٍ مِنْ لَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ، أَوْ سَاعَةٍ، أَوْ شُرْبِهَا الْمَاءَ، أَوْ غَيْبَتِهَا، حَتَّى يَحْصُلَ ظَنٌّ بِذَلِكَ، أَوْ بِزَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ مِنْ فَمِهَا؛ وَهَذَا الْأَخِيرُ أَوْضَحُ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِي فَمِهَا، فَالْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ لِتِلْكَ الْعَيْنِ لَا لِفَمِهَا، فَإِنْ زَالَتْ الْعَيْنُ فَقَدْ حَكَمَ الشَّارِعُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - هُوَ: أَبُو حَمْزَةَ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ، الْأَنْصَارِيُّ، النَّجَّارِيُّ، الْخَزْرَجِيُّ، خَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إلَى وَفَاتِهِ - ﷺ -، وَقَدِمَ - ﷺ - الْمَدِينَةَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانٍ، أَوْ تِسْعٍ. أَقْوَالٌ؛ سَكَنَ الْبَصْرَةَ فِي خِلَافَةِ " عُمَرَ "، لِيُفَقِّهَ النَّاسَ، وَطَالَ عُمْرُهُ إلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَصَحُّ مَا قِيلَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً؛ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ سَنَةَ إحْدَى أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
[قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ نِسْبَةٌ إلَى الْأَعْرَابِ؛ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ سَوَاءٌ كَانُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا، وَقَدْ وَرَدَ تَسْمِيَتُهُ أَنَّهُ " ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ "، وَكَانَ رَجُلًا جَافِيًا [فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ] أَيْ فِي نَاحِيَتِهِ، وَالطَّائِفَةُ: الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ [فَزَجَرَهُ النَّاسُ بِالزَّايِ فَجِيمٍ فَرَاءٍ أَيْ: نَهَرُوهُ، وَفِي لَفْظٍ [فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ] وَفِي أُخْرَى [فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَهْ، مَهْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَوْلِهِ لَهُمْ: [دَعُوهُ] وَفِي لَفْظٍ [لَا تَزْرِمُوهُ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ
[ ١ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَنُونٍ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ وَهِيَ الدَّلْوُ الْمَلْآنُ مَاءً، وَقِيلَ: الْعَظِيمَةُ [مِنْ مَاءٍ] تَأْكِيدٌ وَإِلَّا فَقَدْ أَفَادَهُ لَفْظُ الذَّنُوبِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ كَتَبْت بِيَدَيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ سَجْلًا بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الذَّنُوبِ [فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ] أَصْلُهُ: فَأُرِيقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْهَاءُ مِنْ الْهَمْزَةِ، فَصَارَ فَهُرِيقَ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، زِيدَتْ هَمْزَةٌ أُخْرَى بَعْدَ إبْدَالِ الْأُولَى فَقِيلَ: فَأُهْرِيقَ، [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا عَرَفْت.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَعَلَى أَنَّ الْأَرْضَ إذَا تَنَجَّسَتْ طَهُرَتْ بِالْمَاءِ كَسَائِرِ الْمُتَنَجِّسَاتِ، وَهَلْ يُجْزِئُ فِي طَهَارَتِهَا غَيْرُ الْمَاءِ؟ قِيلَ: تُطَهِّرُهَا الشَّمْسُ وَالرِّيحُ، فَإِنَّ تَأْثِيرَهُمَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَعْظَمُ إزَالَةً مِنْ الْمَاءِ، وَلِحَدِيثِ [زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا] ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ - ﷺ - كَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدِيثَ أَبِي قِلَابَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ بِلَفْظِ: جُفُوفُ الْأَرْضِ طَهُورُهَا فَلَا تَقُومُ بِهِمَا حُجَّةٌ.
وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ صَبَّ الْمَاءِ يُطَهِّرُ الْأَرْضَ، رَخْوَةً كَانَتْ أَوْ صُلْبَةً. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الصُّلْبَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُتَنَجِّسَاتِ، وَأَرْضُ مَسْجِدِهِ - ﷺ - كَانَتْ رَخْوَةً فَيَكْفِي فِيهَا الصَّبُّ.
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ الطَّهَارَةُ عَلَى نُضُوبِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الصَّبِّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ شَيْئًا، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَفِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حَفْرُهَا وَإِلْقَاءُ التُّرَابِ؛ وَقِيلَ: إذَا كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَفْرِهَا، وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَعُمَّ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا؛ وَلِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: «خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَأَلْقُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً».
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: لَهُ إسْنَادَانِ مَوْصُولَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ "، وَالْآخَرُ عَنْ " وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ "، وَفِيهِمَا مَقَالٌ، وَلَوْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ أَرْضَ مَسْجِدِهِ - ﷺ - رَخْوَةٌ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يَحْفِرُ، وَيُلْقَى التُّرَابُ إلَّا مِنْ الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا:
احْتِرَامُ الْمَسَاجِدِ «فَإِنَّهُ - ﷺ - لَمَّا فَرَغَ الْأَعْرَابِيُّ مِنْ بَوْلِهِ دَعَاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ ﷿ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا تَبَادَرُوا إلَى الْإِنْكَارِ أَقَرَّهُمْ - ﷺ -، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالرِّفْقِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِلْحَدِيثِ إلَّا مُسْلِمًا أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» وَلَوْ كَانَ الْإِنْكَارُ غَيْرَ جَائِزٍ لَقَالَ لَهُمْ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْأَعْرَابِيُّ مَا يُوجِبُ نَهْيَكُمْ لَهُ.
وَمِنْهَا: الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ، وَعَدَمُ التَّعْنِيفِ.
وَمِنْهَا: حُسْنُ خُلُقِهِ - ﷺ -، وَلُطْفِهِ بِالْمُتَعَلِّمِ؛ وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِبْعَادَ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يُرِيدُ الْغَائِطَ لَا الْبَوْلَ، فَإِنَّهُ كَانَ عُرْفُ الْعَرَبِ عَدَمَ ذَلِكَ، وَأَقَرَّهُ الشَّارِعُ، «وَقَدْ بَالَ - ﷺ -، وَجَعَلَ رَجُلًا عِنْدَ عَقِبِهِ يَسْتُرُهُ».
وَمِنْهَا: دَفْعُ أَعْظَمِ الْمَضَرَّتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ بَوْلُهُ لَأَضَرَّ بِهِ؛ وَكَانَ يَحْصُلُ مِنْ تَقْوِيمِهِ مِنْ مَحَلِّهِ مَعَ مَا قَدْ حَصَلَ مِنْ تَنْجِيسِ الْمَسْجِدِ
[ ١ / ٣٤ ]