١٠٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ [فِي قِصَّةِ " ثُمَامَةَ " بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بْنُ أَثَالٍ] بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فَمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَهُوَ الْحَنَفِيُّ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ [عِنْدَمَا أَسْلَمَ] أَيْ عِنْدَ إسْلَامِهِ [وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَغْتَسِلَ] رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَهُوَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ "، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، رَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ خَلَائِقَ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالذُّهْلِيُّ قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَحَدِيثُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ، مَاتَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَأَصْلُهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْغُسْلِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ [أَمَرَهُ] يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ أَجْنَبَ حَالَ كُفْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِلْجَنَابَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ حَالَ كُفْرِهِ فَلَا حُكْمَ لَهُ، وَحَدِيثُ «الْإِسْلَامِ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» لَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ حَالَ كُفْرِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بَعْدَ إسْلَامِهِ لِلْجَنَابَةِ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ «إنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَجْنَبَ حَالَ كُفْرِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ لَا غَيْرُهُ.
أَمَّا عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْكِتَابِ، وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ.
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ " - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، هَذَا دَلِيلُ دَاوُد فِي إيجَابِهِ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَالْجُمْهُورُ يَتَأَوَّلُونَهُ بِمَا عَرَفْت قَرِيبًا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَانَ الْإِيجَابُ أَوَّلَ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ، وَغَالِبُ لِبَاسِهِمْ الصُّوفُ، وَهُمْ فِي أَرْضٍ حَارَّةِ الْهَوَاءِ، فَكَانُوا يَعْرَقُونَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَأَمَرَهُمْ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بِالْغُسْلِ، فَلَمَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَبِسُوا الْقُطْنَ، رَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
[ ١ / ١٢٧ ]
١٠٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
١٠٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ " سَمُرَةَ " تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ ابْنُ جُنْدُبٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ " فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْفَزَارِيّ "، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَوُلِّيَ الْبَصْرَةَ وَعِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، كَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ بِالْبَصْرَةِ، مَاتَ آخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا» أَيْ بِالسُّنَّةِ أَخَذَ [وَنِعْمَتْ] السُّنَّةُ أَوْ بِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ،؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْغُسْلُ، أَوْ بِالْفَرِيضَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْفَرِيضَةُ «وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَنْ صَحَّحَ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ قَالَ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَفِي سَمَاعِهِ مِنْهُ خِلَافٌ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ، وَهُوَ كَمَا عَرَفْت دَلِيلُ الْجُمْهُورِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى تَأْوِيلِ حَدِيثِ الْإِيجَابِ، إلَّا أَنَّ فِيهِ سُؤَالًا وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يُفَضِّلُ الْغُسْلَ وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ فَرِيضَةٌ، وَالْفَرِيضَةُ أَفْضَلُ إجْمَاعًا؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ التَّفْضِيلُ عَلَى الْوُضُوءِ نَفْسِهِ، بَلْ عَلَى الْوُضُوءِ الَّذِي لَا غُسْلَ مَعَهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ تَوَضَّأَ فَقَطْ، وَلِعَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ أَيْضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثِهِ أَيَّامٍ» وَلِدَاوُد أَنْ يَقُولَ: هُوَ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ الْإِيجَابِ.
فَالدَّلِيلُ النَّاهِضُ حَدِيثُ سَمُرَةَ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخَانِ، فَالْأَحْوَطُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتْرُكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ.
وَفِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُؤَكَّدٌ جِدًّا، وَوُجُوبُهُ أَقْوَى مِنْ وُجُوبِ الْوِتْرِ، وَقِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ النِّسَاءِ، وَوُجُوبِهِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَوُجُوبِهِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ الرُّعَافِ، وَمِنْ الْحِجَامَةِ، وَالْقَيْءِ.
[ ١ / ١٢٨ ]