عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِديِّ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فقالَ: يَا رَسولَ اللهِ؛ دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ، فَقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيدِي النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنةٍ (^١).
- الزُّهْدُ لُغَةً: الرَّغْبَةُ عَنِ الشَيءِ وَاحْتِقَارُهُ وَارْتِفَاعُ الهِمَّةِ عَنْهُ، يُقَالُ: شَيءٌ زَهِيدٌ أَي: قَلِيلٌ حَقِيرٌ، وَالزُّهْدُ حَقِيقَتُهُ: " تَرْكُ مَا يُشْغِلُكَ عَنِ اللهِ ﷿" (^٢)، وَالاقْتِصَارُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْهَا.
- الزُّهْدُ أَعْلَى مِنَ الوَرَعِ، فَالوَرَعُ: تَرْكُ مَا قَدْ يَضُرُّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَالزُّهْدُ: تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ أَعْلَى مِنْ تَرْكِ مَا قَدْ يَضُرُّ.
- سُمِّيَتِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا لِأَحَدِ أَمْرَينِ:
١ - أَنَّهَا دُنْيَا فِي الزَّمَنِ، أَي: أَدْنَى زَمَنًا وَأَقْرَبُ مِنَ الآخِرَةِ، فَهِيَ الأُولَى؛ وَتِلْكَ الآخِرَةُ.
٢ - أَنَّهَا دُنْيَا فِي القَدْرِ وَالمَنْزِلَةِ، مِنَ الدَّنَاءَةِ؛ فَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ العَمَلَ
_________________
(١) صَحِيحٌ بِشَوَاهِدِهِ. ابْنُ مَاجَه (٤١٠٢). الصَّحِيحَةُ (٩٤٤).
(٢) قَالَهُ أَبُو سُلَيمَانَ الدَّارَانِيُّ، كَمَا فِي حِلْيَةِ الأَولِيَاءِ (١/ ٢٥٨)، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سُلَيمَان حَسَنٌ، وَهُوَ يَجْمَعُ جَمِيعَ مَعَانِي الزُّهْدِ وَأَقْسَامِهِ وَأَنْوَاعِهِ". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٨٦).
[ ٣٢٧ ]
وَالانْشِغَالَ بِهَا.
وَالأَوَّلُ أَقْرَبُ نَظَرًا لِتَسْمِيَةِ مُقَابِلَتِهَا بِالآخِرَةِ وَلَيسَ بِالعُلْيَا!
- اشْتَمَلَ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى وَصِيَّتَينِ عَظِيمَتَينِ:
١ - الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا؛ وَأَنَّهُ مُقْتَضٍ لِمَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ.
٢ - الزُّهْدُ فِيمَا فِي أَيدِي النَّاسِ؛ وَأَنَّهُ مُقْتَضٍ لِمَحبَّةِ النَّاسِ.
- فِي الحَدِيثِ ذَمُّ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ؛ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَو مُتَعَلِّمٌ» (^١).
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ «مَنْ كَانَتْ هَمَّهُ الآخِرَةُ جَمَعَ الله لَهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً، وَمَنْ كَانَتْ هَمَّهُ الدُّنْيَا فَرَّقَ الله عَلَيهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَينَ عَينَيهِ، وَلَمْ يَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ» (^٢).
- الزُّهْدُ دَرَجَتَانِ:
١ - مَنِ اقْتَصَرَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمقَ فَقَط، وَهُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ الزُّهَّادِ.
٢ - مَنْ فَسَحَ لِنَفْسِهِ أَحْيَانًا فِي تَنَاوُلِ بَعْضِ شَهَوَاتِهَا المُبَاحَةِ لِتَقْوَى النَّفسُ بِذَلِكَ وَتَنْشَطَ لِلعَمَلِ، وكما فِي الحَدِيثِ «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْياكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ» (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٧٩٧). وَقَولُهُ «إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ»: أَي: مَبْغُوضَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِكَونِهَا مُبْعِدَةٌ عَنِ اللهِ، «مَلْعُونٌ مَا فِيهَا»: أَي: مِمَّا يُشْغِلُ عَنِ اللهِ. انْظُرْ كِتَابَ (تُحْفَةُ الأَحْوَذِيِّ) (٦/ ٥٠٤).
(٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤١٠٥) عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٥٠).
(٣) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٣٩٣٩) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣١٢٤).
[ ٣٢٨ ]
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَمَتَى نَوَى الْمُؤْمِنُ بِتَنَاوُلِ شَهَوَاتِهِ الْمُبَاحَةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ؛ كَانَتْ شَهَوَاتُهُ لَهُ طَاعَةً يُثَابُ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: " إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي" (^١)، يَعْنِي: أَنَّهُ يَنْوِي بِنَوْمِهِ التَّقَوِّي عَلَى الْقِيَامِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَيَحْتَسِبُ ثَوَابَ نَوْمِهِ كَمَا يَحْتَسِبُ ثَوَابَ قِيَامِهِ" (^٢).
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكَهْف: ٧]: بَيَانُ أَنَّ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا هِيَ ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ جَعَلَهُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِيَنْظُرَ سُبْحَانَهُ أَيَّهُم كَانَ مُؤْمِنًا بِوَعْدِ رَبِّهِ فَأَخَذَ مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَأَيُّهُم عَاشَ لِدُنْيَاهُ وَنَسِيَ آخِرَتَهُ، ثُمَّ أَعْقَبَ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِبَيَانِ فَنَائِهَا فَقَالَ: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (^٣)، فَكَانَ الفَائِزُ فِي هَذَا الامْتِحَانِ هُوَ مَنْ اشْتَغَلَ بِآخِرَتِهِ وَلَمْ يَنْشَغِلْ بِدُنْيَاهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ﴾ [غَافِر: ٣٩]، قَالَ سَعِيدُ ابْنُ جُبَيرٍ: " مَتَاعُ الغُرُورِ: مَا يُلْهِيكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، وَمَا لَمْ يُلْهِكَ فَلَيسَ بِمَتَاعِ الغُرُورِ؛ وَلَكِنَّهُ مَتَاعُ بَلَاغٍ إِلَى مَا هُوَ خَيرٌ مِنْهُ" (^٤).
فَكَانَ الفَائِزُ هُوَ مَنْ جَعَلَ هَمَّهُ التَّزَوُّدَ مِنْهَا لِلآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ القَرَارِ، وَاكْتَفَى مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَكْتَفِي بِهِ المُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁:
_________________
(١) وَهُوَ بِتَمَامِهِ «أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيتُ جُزْئِي مِنَ النَّومِ؛ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللهُ لِي؛ فَأَحْتَسِبُ نَومَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَومَتِي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٣٤١) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٩٢).
(٣) (جُرُزًا): أَي: أَرْضًا غَلِيظَةً لَا تُنْبِتُ شَيئًا. قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٥/ ٣١٧): "أَرْضٌ جَارِزَةٌ: يَابِسَةٌ غَلِيظَةٌ يَكْتَنِفُهَا رَمْلٌ أَو قَاعٌ".
(٤) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٨/ ٣٩).
[ ٣٢٩ ]
(اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الحَصِيرِ شَيئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (^١).
- وَأَمَّا الزُّهْدُ بِمَا فِي أَيدِي النَّاسِ فَقَدْ تَكَاثَرَتِ الأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالأَمْرِ بِالاسْتِعْفَافِ عَنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ وَالاسْتِغْنَاءِ عَنْهُم (^٢)، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ مَا بِأَيدِيهِم كَرِهُوهُ وَأَبْغَضُوهُ، لِأَنَّ المَالَ مَحْبُوبٌ لِنُفُوسِ بَنِي آدَمَ؛ فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُم مَا يُحِبُّونَهُ كَرِهُوهُ لِذَلِكَ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ عَمَّا فِي أَيدِي النَّاسِ أَحَبُّوهُ.
قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِأَهْلِ البَصْرَةِ: مَنْ سَيِّدُ أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ؟ قَالُوا: الحَسَنُ، قَالَ: بِمَ سَادَهُم؟ قَالُوا: احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى عِلْمِهِ، وَاسْتَغْنَى هُوَ عَنْ دُنْيَاهُم (^٣).
- وَفِي الحَدِيثِ فَائِدَةٌ: أَنَّهُ لَا بَاسَ بِالسَّعْي فِيمَا تُكْتَسَبُ بِهِ مَحَبَّةُ العِبَادِ مِمَّا لَيسَ بِمُحَرَّمٍ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ الأَمْرُ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ أَيضًا (^٤)، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنْ جَوَالِبِ المَحَبَّةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الشَّارِعُ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٧٠٩) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٦٦٨).
(٢) وَفِي الحَدِيثِ «وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٤٢٧) عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ مَرْفُوعًا.
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٠٦).
(٤) كَمَا فِي الحَدِيثِ «لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٣٣٠ ]