عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمنْكِبَيَّ فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: (إِذَا أَمْسَيتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ؛ وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوتِكَ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
- الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ مِنْ صَحِيحِهِ، وَمَفَادُ الحَدِيثِ هُوَ تَرْكُ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا، وَالاقْتِصَارُ مِنْهَا عَلَى مَا يَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ، وَالسَّعْيُ لِاغْتِنَامِ الوَقْتِ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ فِي قِصَرِ الأَمَلِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الدُّنْيَا وَطَنًا وَمَسْكَنًا فَيَطْمَئِنَّ فِيهَا! وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَأَنَّهُ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ يُهَيِّئُ جِهَازَهُ لِلرَّحِيلِ. وَقَدِ
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤١٦). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "قُلْتُ: وَقَدْ أَعَلَّ بَعْضُ الأَئِمَّةِ إِسْنَادَ هَذَا الحَدِيثَ بِالعَنْعَنَةِ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الحَافِظُ دَفْعَهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: «وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِي الحَدِيثَ المَذْكُورَ، لِأَنَّ رُوَاتَهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ -وَإِنْ كَانَ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ عَبْدَةَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ". قُلْتُ: وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢/ ١٣٢) وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: «اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكُنْ …»، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَالاخْتِلَافُ المَذْكُورُ لَمْ يَتَعَرَّضِ الحَافِظُ لِذِكْرِهِ فِي التَّهْذِيبِ، بَلْ ذَكَرَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَبْدَةَ لَقِيَ ابْنَ عُمَرَ فِي الشَّامِ. وَاللهُ أَعْلَمُ". مُخْتَصَرُ صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ (٤/ ١٣٧).
[ ٤٣٦ ]
اتَّفَقَتْ عَلَى ذَلِكَ وَصَايَا الأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، قَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَونَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ﴾ [غَافِر: ٣٩]. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». وَمِنْ وَصَايَا المَسِيحِ ﵇ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: " اُعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا"، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ ذَا الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَوجِ البَحْرِ دَارًا؟! تِلْكُمُ الدُّنْيَا، فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا". وَ" دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي بَيتِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَينَ مَتَاعُكُمْ؟ قَالَ: إِنَّ لَنَا بَيتًا
نُوَجِّهُ إِلَيهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مَتَاعٍ مَا دُمْتَ هَاهُنَا، قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَنْزِلِ
لَا يَدَعُنَا فِيهِ" (^١) " (^٢).
- قَولُهُ: (بِمَنْكِبَيَّ): بِفَتْحِ المِيمِ وَكَسْرِ الكَافِ، وَهُوَ مَجْمَعُ العَضُدِ وَالكَتِفِ، وَيُرْوَى بِالإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ.
- التَّوجِيهُ النَّبَوِيُّ فِي الحَدِيثِ بِأَنْ يَكُونَ العَبْدُ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ غَرِيبٌ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّهُ لَمَّا أُنْزِلَ آدَمُ ﵊ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ صَارَ هُوَ وَذُرِّيَتُهُ غُرَبَاءَ عَنْ وَطَنِهِم، وَلَكِنَّهُم عَائِدُونَ إِلَيهِ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَالشَّاهِدُ مِنَ الحَدِيثِ إِذًا أَنْ يُهَيِّأَ المَرْءُ نَفْسَهُ لِلعَودَةِ إِلَى دَارِ خُلُودِهِ، وَيَاخُذَ بِأَسْبَابِهَا؛ لِذَلِكَ فَهُوَ غَرِيبٌ، وَلَا يَانَسُ الغَرِيبُ إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ.
٢ - أَنَّ الغَرِيبَ فِي غَيرِ بَلَدِهِ لَيسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي مُنَافَسَةِ أَهْلِ البَلَدِ فِي دَارِهِم
_________________
(١) أَخْرَجَهُ البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (١٠١٦٨).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٧٧).
[ ٤٣٧ ]
وَعِزِّهِم، فَالدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ ولَيسَتْ دَارَ مَقَرٍّ، وَفِي الحَدِيثِ «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (^١) (^٢).
٣ - أَنَّ الغَرِيبَ المُقِيمَ فِي بَلَدِ غُرْبَةٍ؛ هَمُّهُ التَّزَوُّدُ لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، وَلَا يَهْتَمُّ بِإِعْمَارِ دَارِ غُرْبَتِهِ وَتَحْسِينِ مَسْكَنِهِ وَالاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ تَارِكُهُ، وَفِي الحَدِيثِ «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيهِ مِنْ مَالِهِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيهِ. قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ» (^٣).
- التَّوجِيهُ النَّبَوِيُّ بِأَنْ يَكُونَ العَبْدُ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ عَابِرُ سَبِيلٍ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ عَابِرَ السَّبِيلِ أَقَلُّ تَعَلُّقًا بِمَسْكَنِهِ وَمَتَاعِهِ مِنَ الغَرِيبِ؛ لِأَنَّ الغَرِيبَ قَدْ يَجْلِسُ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ يَرْحَلُ، أَمَّا عَابِرُ السَّبِيلِ فَهُوَ غَيرُ جَالِسٍ أَبَدًا، بَلْ هُوَ مَارٌّ مِنْ غَيرِ مُكْثٍ فِي مَكَانِهِ أَصْلًا.
٢ - أَنَّ عَابِرَ السَّبِيلِ أَسْرَعُ وَأَخَفُّ حَرَكَةً مِنَ الغَرِيبِ لِأَنَّهُ قَلِيلُ المَتَاعِ، وَهَذِهِ القِلَّةُ مِنَ المَتَاعِ فِي الدُّنْيَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِهَا.
- إنَّ عَطْفَ عَابِرِ السَّبِيلِ عَلَى الغَرِيبِ لَيسَ مِنْ بَابِ الشَّكِّ، وَلَا مِنْ بَابِ
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٧٧) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٦٦٨).
(٢) قَالَ ابْنُ دَقِيق العِيد ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ (ص: ١٣٣): "قَالَ ابْنُ هُبَيرَةَ ﵀: حَضَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التَّشَبُّهِ بِالغَرِيبِ، لِأَنَّ الغَرِيبَ إِذَا دَخَلَ بَلْدَةً لَمْ يُنَافِسْ أَهْلَهَا فِي مَجَالِسِهِم، وَلَا يَجْزَعُ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ فِي المَلْبُوسِ". وَابْنُ هُبَيرَةَ: هُوَ يَحْيَى بنُ مُحَمَّدٍ الشَّيبَانِيُّ؛ أَبُو المُظَفَّرِ، مِنْ عُلَمَاءِ الحَنَابِلَةِ الفُحُولِ، لَهُ كِتَابُ (الإِفْصَاحُ) شَرْحُ صَحِيحَي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَكَانَ وَزِيرًا لِلدَّولَةِ؛ سَلَفِيًّا أَثرِيًّا، (ت ٥٦٠ هـ). اُنْظُرِ السِّيَرَ لِلذَّهَبِيِّ (٣٩/ ٤٤٣).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٤٢) فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
[ ٤٣٨ ]
التَّخْيِيرِ؛ وَإِنَّمَا مِنْ بَابِ التَّرَقِّي فِي التَّمْثِيلِ، لِأَنَّ عَابِرَ السَّبِيلِ أَقَلُّ تَعَلُّقًا بِالدُّنْيَا مِنَ الغَرِيبِ.
- فِي الحَدِيثِ التَّشْبِيهُ بِالمَحْسُوسِ لِيَكُونَ أَحْفَظَ فِي الذِّهْنِ، وَفِي قَولِهِ: (أَخَذَ بِمنْكَبَيَّ) فِعْلُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِانْتِبَاهِ المُخَاطَبِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ.
- فِي الحَدِيثِ فَضِيلَةُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ لِكَونِهِ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الوَصِيَّةِ.
- فِي الحَدِيثِ إِرْشَادٌ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ بِطُولِ الأَمَلِ، فَالإِنْسَانُ لَا يَدْرِي مَتَى يَنْقَطِعُ أَجَلُهُ، وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أَو قَدْ أَحَاطَ بِهِ-، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ؛ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا» (^١).
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيضًا الَّذِي فِي البُخَارِيِّ «هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ» (^٢).
- قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ﵀: " اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، فَقَالُوا لِأَحَدِهِم: مَا أَمَلُكَ؟ قَالَ: مَا أَتَى عَلَيَّ شَهْرٌ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَمُوتُ فِيهِ، قَالَ: فَقَالَ صَاحِبَاهُ: إنَّ هَذَا لَأَمَلٌ، فَقَالَا لِأَحَدِهِم: فَمَا أَمَلُكَ؟ قَالَ: مَا أَتَتْ عَلَيَّ جُمُعَةٌ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَمُوتُ فِيهَا، قَالَ: فَقَالَ صَاحِبَاهُ: إنَّ هَذَا لَأَمَلٌ، فَقَالَا لِلآخَرِ: فَمَا أَمَلُكَ؟ قَالَ:
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٤١٧).
(٢) البُخَارِيُّ (٦٤١٨).
[ ٤٣٩ ]
مَا أَمَلُ مَنْ نَفْسُهُ فِي يَدِ غَيرِهِ؟ " (^١).
- قَولُ ابْنِ عُمَرَ " إِذَا أَمْسَيتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ"؛ فِيهِ إِرْشَادَانِ:
١ - كُنْ دَائِمًا عَلَى حَذَرٍ مِنَ المَوتِ أَنْ يُفَاجِئَكَ وَأَنْتَ غَيرُ مُسْتَعِدٍّ لَهُ.
٢ - بَاشِرْ فِي العَمَلِ وَلَا تُؤَخِّرْهُ.
- قَولُ ابْنِ عُمَرَ " وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ؛ وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوتِكَ": مَعْنَاهُ: المُبَادَرَةُ فِي العَمَلِ عِنْدَ صِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَ عَلَيهِ زَمَنٌ يَعْجَزُ فِيهِ عَنِ العَمَلِ -لِمَرَضٍ أَو مَوتٍ- فَيَنْدَمَ عَلَى تَفْرِيطِهِ فِي وَقْتِ صِحَّتِهِ، كَمَا في البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (^٢) (^٣).
- في صَحِيحِ مُسْلِمٍ (^٤) عَنْ أَبِي هُريرة مَرْفُوعًا «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَو خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَو أَمْرَ العَامَّةِ» (^٥). فَالوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ المُبَادَرَةُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يَقْدِرَ
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٨٤).
(٢) البُخَارِيُّ (٦٤١٢).
(٣) وَفِي الحَدِيثِ «اغْتَنِمْ خَمْسًا قبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وشَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ». صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٧٨٤٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٠٧٧).
(٤) مُسْلِمٌ (٢٩٤٧).
(٥) وَشَرْحُ الغَرِيبِ بِاخْتِصَارٍ مِنْ كِتَابِ (فَيضِ القَدِيرِ) (٣/ ١٩٤) لِلمَنَاوِيِّ ﵀: " (الدُّخَانَ): أَي: ظُهُورُهُ، (وَدَابَّةَ الأَرْضِ وَالدَّجَّالَ): أَي: خُرُوجُهُمَا، وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ بِهَذَا الاسْمِ لِأَنَّهُ خَدَّاعٌ مُلَبِّسٌ وَيُغَطِّي الأَرْضَ بِأَتْبَاعِهِ، (خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ): المُرَادُ حَادِثَةُ المَوتِ الَّتِي تَخُصُّ الإِنْسَانَ، وَقِيلَ هِيَ مَا يَخُصُّ الإِنْسَانَ مِنَ الشَّوَاغِلِ المُقْلِقَةِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَمَا يَهْتَمُ بِهِ، وَ(أَمْرَ العَامَّةِ): القِيَامَةُ. قُلْتُ: وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَفِي تَفْسِيرِ الشَّيخِ السَّعْدِيِّ (ص: ٦١٠): «قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النَّمْل: ٨٢]: أَي: إِذَا وقعَ عَلَى النَّاسِ القَولُ الَّذِي حَتَمَهُ اللهُ وَفَرَضَ وَقْتَهُ ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ خَارِجَةً ﴿مِنَ الأَرْضِ﴾ أَو دَابَّةً مِنْ دَوَابِّ الأَرْضِ لَيسَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَهَذِهِ الدَّابَّةُ ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أَي: تُكَلِّمُ العِبَادَ ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ أَي: لِأَجْلِ أَنَّ النَّاسَ ضَعُفَ عِلْمُهُم وَيَقِينُهُم بِآيَاتِ اللهِ، فَإِظْهَارُ اللهِ هَذِهِ الدَّابَّةَ مِنْ آيَاتِ اللهِ العَجِيبَةِ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ".
[ ٤٤٠ ]
عَلَيهَا وَيُحَالَ بَينَهُ وَبَينَهَا إِمَّا بِمَرَضٍ أَو مَوتٍ أَو بِأَنْ يُدْرِكَهُ بَعْضُ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عَمَلٌ.
- فَائِدَةٌ: تَتِمَّةُ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ القُبُورِ»، وَتَتِمَّةُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ " فَإِنَّكَ يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدًا" (^١) يَعْنِي:
١ - لَعَلَّكَ غَدًا مَعْدُودٌ مِنَ الأَمْوَاتِ (^٢).
٢ - أَو لَعَلَّكَ بَعْدَ مَوتِكَ تَكُونُ شَقِيًّا أَو سَعِيدًا (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٣٣). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٣٤١).
(٢) وَفِي الحَدِيثِ «إذا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَاجْمَعِ الإِيَاسَ مِمَّا فِي أَيدِي النَّاسِ». صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤١٧١) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٤٠١).
(٣) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المُنَافِقُون:١٠ - ١١].
[ ٤٤١ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- مَسْأَلَةٌ: فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَو سَافَرَ كَتَبَ اللهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (^١) فَفِيهِ أَنَّ العَبْدَ يُكْتَبُ لَهُ الأَجْرُ فِي المَرَضِ، فَمَا هُوَ تَوجِيهُ الحَدِيثِ مَعَ حَدِيثِ البَابِ «خُذْ
مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ» وَالَّذِي مَفَادُهُ أَنَّهُ سَيَاتِي عَلَيكَ وَقْتٌ لَا تَسْتَطِيعُ فِيهِ العَمَلَ لِتَنَالَ الأَجْرَ؟
الجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ أَبَدًا، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى هَذَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ يَعْمَلُ، أَمَّا التَّحْذِيرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ شَيئًا؛ فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ نَدِمَ عَلَى تَرْكِهِ العَمَلَ، وَعَجَزَ لِمَرَضِهِ عَنِ العَمَلِ فَلَا يُفِيدُهُ النَّدَمُ (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٩٩٦).
(٢) قَالَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (١١/ ٢٣٥).
[ ٤٤٢ ]