عن أميرِ المؤمنينَ أبي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ تعالَى عليهِ وعلَى آلهِ وسَلَّمَ يقُولُ: «إنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لكُلِّ امْرئٍ ما نَوَى فمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرأةٍ يَنْكِحُهَا فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ» رواهُ إمَامَا المُحَدِّثِينَ أبو عَبْدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعِيلَ بنِ إبراهيمَ ابنِ المُغِيرةِ بنِ بَرْدِزبَه البُخاريُّ، وأبُو الحُسَيْنِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ بنِ مُسْلِمٍ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُوريُّ في صحيحَيْهِما اللَّذَيْنِ هُما أصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ (^١).
- أَهَمِّيَّةُ الحَدِيثِ: قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: "يَدْخُلُ فِي حَدِيثِ «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ثُلُثُ العِلْمِ" (^٢)، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كَسْبَ العَبْدِ يَكُونُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوارِحِهِ، وَالنِّيَّةُ أَحَدُ الأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَيضًا: "يَدْخُلُ هَذَا الحَدِيثُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الفِقْهِ" (^٣).
وَاسْتَحَبَّ العُلَمَاءُ أَنْ تُسْتَفْتَحَ المُصَنَّفَاتُ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَمِمَّنِ افْتَتَحَ بِهِ
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٧)، وَالحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ مَعْنَوِيًّا، غَرِيبٌ سَنَدًا.
(٢) رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي (السُّنَنِ الكُبْرَى) (٢٢٥٥).
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٦١).
[ ٩ ]
كِتَابَهُ: الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ (^١)، وَالبَغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ السُّنَّةِ)،
وَعَبْدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ الأَحْكَامِ)، وَالسُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ (الجَامِعُ الصَّغِيرُ) ﵏ جَمِيعًا.
وَحَضَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الابْتِدَاءِ بِهِ فِي المُصَنَّفَاتِ تَنْبِيهًا لِطَالِبِ العِلْمِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ إِقْدَامِهِ عَلَى العِلْمِ.
- هَذَا الحَدِيثُ مَيزَانٌ لِلأَعْمَالِ البَاطِنَةِ، وَحَدِيثُ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٢) هُوَ مِيزَانٌ لِلأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا يُقْبَلُ العَمَلُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا بِهِمَا، أَي: الإِخْلَاصُ للهِ، وَالمُوَافَقَةُ لِرَسُولِهِ ﷺ.
- وَرَدَ الحَدِيثُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةِ؛ مِنْهَا: «إِنَّمَا العَمَلُ بِالنِّيَّةِ»، وَ«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ».
- الأَعْمَالُ جَمْعُ عَمَلٍ، وَالمَقْصُودُ بِهَا هُنَا الأَعْمَالُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنِ المُكَلَّفِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا الأَقْوَالُ وَالأَفْعَالُ مَعًا.
- النِّيَّةُ هُنَا فِي الحَدِيثِ هِيَ قَصْدُ القَلْبِ وَإِرَادَتُهُ وَمُبْتَغَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّوْرَى: ٢٠] (^٣).
_________________
(١) وَقَدْ أَقَامَهُ البُخَارِيُّ ﵀ مَقَامَ الخُطْبَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ؛ فقد أَورَدَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ بِدْءِ الوَحْيِّ.
(٢) رَوَاهُ َمُسْلِمٌ (١٧١٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "قَالَ النَّوَوِيُّ: النِّيَّةُ: القَصْدُ؛ وَهِيَ عَزِيمَةُ القَلْبِ. وَتَعَقَّبَهُ الكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَزِيمَةَ القَلْبِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ القَصْدِ". فَتْحُ البَارِي (١/ ١٣).
[ ١٠ ]
- النِّيَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ بِعَامَّةٍ يُرَادُ بِهَا أَحَدُ مَعْنَيَينِ:
١ - نِيَّةٌ يُقْصَدُ بِهَا التَّعَبُّدُ، وَهِيَ تَمْيِيزُ العَادَةِ عَنِ العِبَادَةِ، وَتَمْيِيزُ العِبَادَاتِ عَنْ بَعْضِهَا.
وَالتَّلَفُّظُ بِهَا فِي العِبَادَاتِ بِدْعَةٌ، وَفِي العَادَاتِ مَرَضٌ وَجُنُونٌ (^١).
٢ - نِيَّةٌ مُتَّجِهَةٌ إِلَى المَعْبُودِ، وَهِيَ الإِخْلَاصُ لَهُ فِي العِبَادَةِ.
وَعَلَى هَذَا المَعْنَى الأَخِيرِ: مَنْ نَوَى غَيرَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى فِي عَمَلِهِ فَهُوَ مُرَاءٍ، وَالرِّيَاءُ الكَامِلُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ مُنَافِقٍ، وَلَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ مُسْلِمٍ فِي فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[النِّسَاء: ١٤٢].
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَالنِّيَّةُ: هِيَ قَصْدُ القَلْبِ، وَلَا يَجِبُ التَّلَفُّظَ بِمَا فِي القَلْبِ فِي شَيءٍ مِنَ العِبَادَاتِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَهُ قَولًا بِاشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ، وَغَلَّطَهُ المُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ، وَاخْتَلَفَ المُتَأَخِّرُونَ مِنَ الفُقَهَاءِ فِي التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيرِهَا، فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ. وَلَا يُعْلَمُ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ نَقْلٌ خَاصٌّ عَنِ السَّلَفِ وَلَا عَنِ الأَئِمَّةِ إِلَّا فِي الحَجِّ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: إِذَا أَرَادَ الحَجَّ يُسَمِّي مَا يُهِلُّ بِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يُسَمِّيهِ فِي التَّلْبِيَةِ. وَهَذَا لَيسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ! فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَذْكُرُ نُسُكَهُ فِي تَلْبِيَتِهِ، فَيَقُولُ: «لَبَّيكَ عُمْرَةً وَحَجًّا»، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي أَنَّهُ يَقُولُ عِنْدَ إِرَادَةِ عَقْدِ الإِحْرَامِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ أَوِ العُمْرَةَ -كَمَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ- وَكَلَامُ مُجَاهِدٍ لَيسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ. وَقَالَ أَكْثَرُ السَّلَفِ -مِنْهُمْ عَطَاءُ وَطَاوُسُ وَالقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالنَّخَعِيُّ-: تُجْزِئُهُ النِّيَّةُ عِنْدَ الإِهْلَالِ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا عِنْدَ إِحْرَامِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الحَجَّ أَوِ العُمْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: (أَتُعْلِمُ النَّاسَ؟ أَوَلَيسَ اللهُ يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ؟!) ". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٩٢).
[ ١١ ]
- قَولُهُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ»: إِنَّمَا: لِلحَصْرِ، وَالبَاءُ هُنَا سَبَبِيَّةٌ، يَعْنِي: إِنَّمَا الأَعْمَال تُقْبَلُ -أَو تَقَعُ صَحِيحَةً- بِسَبَبِ النِّيَّةِ، يَعْنِي: بِقَصْدِهِ لِلعِبَادَةِ نَفْسِهَا، وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا للهِ وَحْدَهُ.
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانيُّ ﵀: "وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ قَولَ الرَّجُلِ لِغَيرهِ (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) يُعَدُّ شِرْكًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِنْ شِرْكِ الأَلفَاظِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ فِي دَرَجَةِ مَشيئَةِ الرَّبِّ ﷾، وَسَبَبُهُ: القَرْنُ بَينَ المَشيئَتَينِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَولُ بَعْضِ العَامَّةِ وأَشْبَاهِهِم -مِمَّنْ يَدَّعِي العِلْمَ-: (مَالِي غَيرُ اللهِ وَأَنْتَ) وَ(تَوَكَّلْنَا عَلى اللهِ وَعَلَيكَ)، وَمِثْلُهُ قَولُ بَعْضِ المُحَاضِرِينَ: (بَاسْمِ اللهِ وَالوَطَنِ)، أَو (بَاسْمِ اللهِ وَالشَّعْبِ)، وَنَحوِ ذَلِكَ مِنَ الأَلْفَاظِ الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ الانْتِهَاءُ عَنْهَا، وَالتَّوبَةُ مِنْهَا أَدَبًا مَعَ اللهِ ﵎.
وَلَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا الأَدَبِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ مِنَ العَامَّةِ، وَغَيرُ قَلِيلٍ مِنَ الخَاصَّةِ الَّذِينَ يُسَوِّغُونَ النُّطْقَ بِمِثْلِ هَذهِ الشِّرْكِيَّاتِ! كَمُنَادَاتِهِم غَيرَ اللهِ فِي الشَّدَائِدِ، والاسْتِنْجَادِ بِالأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَالحَلِفِ بِهِم مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَالإِقْسَامِ بِهِم عَلَى اللهِ ﷿، فَإِذَا مَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيهِم عَالِمٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنهَّمُ -بَدَلَ أَنْ يَكُونُوا عَونًا عَلَى إِنْكَارِ المُنْكَرِ- عَادُوا بِالإِنْكَارِ عَلَيهِ، وَقَالُوا: إِنَّ نِيَّةَ أُولَئِكَ -المُنَادِينَ غَيرَ اللهِ- طَيِّبَةٌ! وَ«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»! كَمَا جَاءَ فِي الحِدِيثِ، فَيَجْهَلُونَ أَو يَتَجَاهَلُونَ -إِرْضَاءً لِلعَامَّةِ- أَنَّ النِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ -وَإِنْ وُجِدَتْ عِنْدَ المَذْكُورِينَ- فَهيَ لَا تَجْعَلُ العَمَلَ السَيِّئَ صَالِحًا! وَأَنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ المَذْكُورِ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِالنِّيَّاتِ الخَالِصَةِ، لَا أَنَّ الأَعْمَالَ المُخَالِفَةَ لِلشَّرِيعَةِ تَنْقَلُبُ إِلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ مَشْرُوعَةٍ بِسَبَبِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ بِهَا!
[ ١٢ ]
ذَلِكَ مَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا جَاهِلٌ أَو مُغْرِضٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَو صَلَّى تُجَاهَ القَبْرِ؛ لَكَانَ ذَلكَ مُنْكَرًا مِنَ العَمَلِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلأَحَادِيثِ وَالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ بِالصَّلَاةِ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الاسْتِقْبَالِ -بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهي الشَّرْعِ عَنْهُ- إِنَّ نِيَّتَهُ طَيِّبَةٌ وَعَمَلُهُ مَشْرُوعٌ؟! كَلَّا ثُمَّ كَلَّا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَيَنْسَونَهُ تَعَالَى فِي حَالَةٍ هُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ فِيهَا إِلَى عَونِهِ وَمَدَدِهِ؛ لَا يُعْقَلُ أَنْ تَكُونَ نِيَّاتُهُم طَيِّبَةً؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُم صَالِحًا، وَهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى هَذا المُنْكَرِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (^١).
- حُكْمُ العِبَادَةِ إِذَا خَالَطَهَا الرِّيَاءُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (^٢):
١ - أَنْ يَكُونَ البَاعِثَ عَلَى العِبَادَةِ مُرَاءَاةُ النَّاسِ مِنَ الأَصْلِ؛ كَمَنْ قَامَ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ مُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَلَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا شِرْكٌ وَالعِبَادَةُ بَاطِلَةٌ (^٣).
٢ - أَنْ يَكُونَ الرِّيَاءُ مُشَارِكًا لِلعِبَادَةِ فِي أَثْنَائِهَا؛ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الحَامِلَ لَهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ الإِخْلَاصُ للهِ تَعَالَى ثُمَّ يَطْرَأُ الرِّيَاءُ فِي أَثْنَاءِ العِبَادَةِ؛ فَهُنَا نُمَيِّزُ العِبَادَةَ نَفْسَهَا؛ فَإِنْ كَانَتِ العِبَادَةُ لَا يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أوَّلِهَا -كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَةِ تِلوَ الصَّدَقَةِ- فَأَوَّلُهَا صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالبَاطِلُ آخِرُهَا.
_________________
(١) الصَّحِيحَةُ (١٣٩).
(٢) (القَولُ المُفِيدُ) لِابْنِ عُثَيمِين ﵀ (٢/ ١٢٥) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٣) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَإِنْ كَانَتِ النِّيَّةُ شَرْطًا فِي سُقُوطِ الفَرْضِ؛ وَجَبَتْ عَلَيهِ الإِعَادَةُ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الإِخْلَاصِ الَّتِي هِي شَرْطٌ فِي صِحَّةِ العَمَلِ وَالثَّوَابِ عَلَيهِ لَمْ تُوجَدْ؛ وَالحُكْمُ المُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَإِنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ تَجْرِيدُ القَصْدِ طَاعَةً لِلْمَعْبُودِ؛ وَلَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِهَذَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ المَامُورُ بِهِ فَلَمْ يَاتِ بِهِ؛ بَقِيَ فِي عُهْدَةِ الأَمْرِ". إِعْلَامُ المُوَقِّعِين (٢/ ١٢٤)، وَيُنْظَرُ أَيضًا: الجَوَابُ الكَافِي (ص: ١٣٢).
[ ١٣ ]
أَمَّا إِذَا كَانَتِ العِبَادَةُ يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا -كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ-؛ فَإِذَا دَافَعَ الرِّيَاءَ وَكَرِهَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَو تَتَكَلَّمْ» (^١).
أمَّا إِذَا اسْتَرْسَلَ مَعَهُ ولم يُدَافِعْهُ؛ فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ جَمِيعُ العِبَادَةِ؛ لِأَنَّ آخِرَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَمُرْتَبِطٌ بِهَا (^٢).
٣ - إِذَا طَرَأَ الرِّيَاءُ - وَهُوَ هُنَا مَحَبَّةُ الثَّنَاءِ وَالفَرَحُ بِهِ- بَعْدَ انْتِهَاءِ العِبَادَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ عَلَيهَا شَيئًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ عُدْوَانٌ كَالمَنِّ وَالأَذَى بِالصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا العُدْوَانَ يَكُونُ إِثْمُهُ مُقَابِلًا لِأَجْرِ الصَّدَقَةِ فَيُبْطِلُهَا؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٤].
- لَيسَ مِنَ الرِّيَاءِ أَنْ يَفْرَحَ الإِنْسَانُ بِعِلْمِ النَّاسِ بِعِبَادَتِهِ، لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا طَرَأَ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ العِبَادَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ قِيلَ للنَّبِيِّ ﷺ: أرأيتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ مِنَ الخَيرِ؛ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
- قَولُهُ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ»: أَي:
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢٦٩)، وَمُسْلِمٌ (١٢٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ.
(٢) وَفِي بُطْلَانِهَا خِلَافٌ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُم: إَنَّهُ يُجَازَى بِأَصْلِ نِيَّتِهِ؛ وَهُوَ قَولُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ ﵏. انْظُرْ كِتَابَ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (١/ ٨٣). قُلْتُ: وَلَكِنْ يَشْهَدُ لِمَا أَثْبَتْنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعُ «قَالَ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٩٨٥).
(٣) مُسْلِمٌ (٢٦٤٢).
[ ١٤ ]
مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ نِيَّةً وَقَصْدًا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثَوَابًا وَأَجْرًا وَمُتَابَعَةً (^١)، وَالتَّكْرَارُ فِي قَولِهِ: «فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» أُسْلُوبٌ مِنَ أَسَالِيبِ العَرَبِ فِي بَيَانَ تَحَقُّقِ الشَّيءِ وَوُقُوعِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
- قَولُهُ: «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا (^٢) يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إلَيهِ»: لَمْ يُكَرِّرْ ذِكْرَ الدُّنْيَا وَالمَرْأَةِ تَحْقِيرًا لِشَانِهَا وَشَانِ مَنْ جَعَلَهَا مُبْتَغَاهُ؛ فَإنَّ الأَوَّلَ تَاجِرٌ، وَالثَّانِي خَاطِبٌ!
وَفِي هَذَا المَقَامِ اشْتَهَرَتْ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي هَاجَرَ مِنْ أَجْلِ امْرَأَةٍ؛ فَسُمِّيَ تَبَعًا لَهَا بِمُهَاجِرِ أُمِّ قَيسٍ (^٣).
- الهِجْرَةُ مَعْنَاهَا: التَّرْكُ، وَالهِجْرَةُ إِلى: مَعْنَاهَا الانْتِقَالُ إِلى.
وَالهِجْرَةُ إِلَى اللهِ: هِيَ الإِخْلَاصُ وَابْتِغَاءُ مَا عِنْدَهُ تَعَالَى. وَالهِجْرَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هِيَ اتِّبَاعُهُ، وَالهِجْرَةُ بِمَعْنًى آخَرَ فِي الشَّرْعِ: تَرْكُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ (^٤).
_________________
(١) وَيُمْكِنُ القَولُ أَيضًا: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ تَقَرُّبًا وَطَاعَةً، وَإِلَى رَسُولِهِ مُتَابَعَةً.
(٢) دُنْيَا: مُؤَنَّثُ أَدْنَى، مِثْلُ: أَحْسَنُ وَحُسْنَى. وَالدُّنْيَا مِنَ الدُّنُوِّ، وَلَيسَتْ مِنَ الدَّنَاءَةِ.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقِصَّةُ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيسٍ رَوَاهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ- قَالَ: "مَنْ هَاجَرَ يَبْتَغِي شَيئًا؛ فَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ، هَاجَرَ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيسٍ؛ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرُ أُمِّ قَيسٍ". وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الأَعْمَشِ بِلَفْظِ: (كَانَ فِينَا رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيسٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ حَتَّى يُهَاجِرَ؛ فَهَاجَرَ فَتَزَوَّجَهَا؛ فَكُنَّا نُسَمِّيهِ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيسٍ). وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ، لَكِنْ لَيسَ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ الأَعْمَالِ سِيقَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيءٍ مِنَ الطُّرُقِ مَا يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ". فَتْحُ البَارِي (١/ ١٠).
(٤) كَمَا فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (٢٣٩٦٧) مِنْ حَدِيثِ فُضَالَةِ بْنِ عُبَيدٍ مَرْفُوعًا: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الخَطَايَا وَالذُّنُوبَ». الصَّحِيحَةُ (٥٤٩).
[ ١٥ ]
- وَقَعَتِ الهِجْرَةُ فِي الإِسْلَامِ عَلَى وَجْهَينِ:
١ - الانْتِقَالُ مِنْ دَارِ الخَوفِ إِلَى دَارِ الأَمْنِ، كَمَا في هِجْرَتَي الحَبَشَةِ، وَابْتِدَاءِ الهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ.
٢ - الهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِيمَانِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وَهَاجَرَ إِلَيهِ مَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
وَكَانَتِ الهِجْرَةُ إِذْ ذَاكَ تَخْتَصُّ بِالانْتِقَالِ إِلَى المَدِينَةِ إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ فَانْقَطَعَ الاخْتِصَاصُ وَبَقِيَ عُمُومُ الانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الكُفْرِ لِمَنْ قَدِرَ عَلَيهِ بَاقِيًا، كَمَا في الحَدِيثِ «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١).
- فَائِدَةٌ:
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَكَمَا أَنَّ الإِيمَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ فَفَرْضٌ عَلَيهِ هِجْرَتَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ: هِجْرَةٌ إِلَى اللهِ ﷿ بِالتَّوحِيدِ وَالإِخْلَاصِ وَالإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالخَوفِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَّوبَةِ، وَهِجْرَةٌ إِلَى رَسُولِهِ بِالمُتَابَعَةِ وَالانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ وَتَقْدِيمِ أَمْرِهِ وَخَبَرِهِ عَلَى أَمْرِ غَيرِهِ وَخَبَرِهِ" (^٢).
- فِي الحَدِيثِ فَوَائِدُ؛ مِنْهَا:
١ - الحَثُّ عَلَى الإِخْلَاصِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ صَوَابًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ.
٢ - الحَثُّ عَلَى تَعَلُّمِ النِّيَّاتِ؛ فَفِي العَمَلِ الوَاحِدِ تَتَنَوَّعُ النِّيَّاتُ وَيَزْدَادُ بِهَا
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٤٧٩) عَنْ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٤٦٩).
(٢) زَادُ المَعَادِ (٣/ ١١).
[ ١٦ ]
الأَجْرُ، كَمَا قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: "تَعَلَّمُوا النِّيَّةَ؛ فَإِنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ العَمَلِ" (^١).
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: "عِبَادَاتُ أَهْلِ الغَفْلَةِ عَادَاتٌ، وَعَادَاتُ أَهْلِ اليَقَظَةِ عِبَادَاتٌ"، كَمَثَلِ رَجُلٍ لَبِسَ ثَوبًا جَدِيدًا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَتَرَفَّعَ بِثِيَابِهِ! فَهَذَا لَا يُؤْجَرُ. وَآخَرُ لَبِسَ ثَوبًا جَدِيدًا يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ قَدْرَ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيهِ مِنْ بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحَى: ١١]؛ فَهَذَا يُؤْجَرُ.
٣ - التَّرْهِيبُ مِنَ الرِّيَاءِ وَمِنْ إِرَادَةِ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَو لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَو لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيهِ؛ فَهُوَ في النَّارِ» (^٢).
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «بَشِّرْ هذِهِ الأمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالدِّينِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (^٣).
٤ - الإِشَارَةُ إِلَى عَظِيمِ أَجْرِ الهِجْرَةِ، كَمَا في صَحِيحِ مُسْلِمِ عَنْ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوعًا «وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَان قَبْلَهَا» (^٤).
_________________
(١) حِلْيَةُ الأَولِيَاءِ (٣/ ٧٠).
(٢) حَسَنٌ. ابْنُ مَاجَه (٢٥٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٣٨٢).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٢٢٠) عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٨٢٥).
(٤) مُسْلِمٌ (١٢١).
[ ١٧ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: كَيفَ يُجْمَعُ بين مَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ -حَيثُ قَرْنَ الرَسُولُ ﷺ نَفْسَهُ مَعَ اللهِ تَعَالَى بِـ (الوَاوِ) حَيثُ قَالَ: «إلى اللهِ ورَسُولِهِ» ولم يَقُلْ: «ثُمَّ رَسُولِهِ» - مَعَ الحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُولُوا: «مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ» عِوَضًا عَنْ قَولِهِم: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ» (^١)؟
الجَوَابُ: إِنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِيعَةِ يَصِحُّ أَنْ يُعبَّرَ عَنْهُ بِالوَاوِ، لِأَنَّ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ رَبِّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النِّسَاء: ٨٠]، وَأَمَّا الأُمُورُ الكَونِيَّةُ -كَالمَشِيئَةِ مَثَلًا- فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَنَ مَعَ اللهِ أَحَدٌ بِالوَاوِ أَبَدًا، لِأَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ -رُغْمَ أَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشَاءَ اللهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٩]-، فَأَثْبَتَتِ الآيَةُ مَشِيئَتَينِ مُسْتَقِلَّتَينِ عَنْ بَعْضِهِمَا.
_________________
(١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٣٧٧٣). الصَّحِيحَةُ (١٣٦). وَتَمَامُ الحَدِيثِ هُوَ عَنْ قُتَيلَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ! وَتَقُولُونَ: وَالكَعْبَةِ! فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: «وَرَبِّ الكَعْبَةِ، وَأَنْ يَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ».
[ ١٨ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ مَنْ خَالَطَتْ نِيَّتَهُ نِيَّةٌ غَيرُ الرِّيَاءِ؟
كَمَنْ جَاهَدَ مِنْ أَجْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَأَضَافَ لِذَلِكَ المَغْنَمَ!
وَكَمَنْ حَجَّ لِأَدَاءِ مَا أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِنْ فَرِيضَةٍ؛ وَأَضَافَ لِذَلِكَ تِجَارَةً دُنْيَوِيَّةً!
وَكَمَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ؛ وَتَوسِيعًا فِي رِزْقِهِ؛ وَإِطَالَةً لِعُمُرِهِ!
الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ وَلَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ فِي تَقْوَاهُ بِذِكْرِ مَنَافِعَ لَهُم فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطَّلَاق: ٢]. وَكَمَا فِي الحَجِّ: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٨].
وَكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ (^١) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَه فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
إِلَّا أَنَّ أَجْرَهُ يَنْقُصُ بِحَسْبِ ذَلِكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ؛ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجْرِهِمْ مِنَ الأُجْرَةِ، وَيَبْقى لَهُمُ الثُّلْثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمُ» (^٢).
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: "التَّاجِرُ وَالمُسْتَاجَرُ أَجْرُهُم عَلَى قَدْرِ مَا يَخْلُصُ مِنْ نيَّتِهِم فِي غَزَاتِهِم؛ وَلَا يَكُونُ مِثْلَ مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا يَخْلِطُ بِهِ غَيرَهُ" (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٩٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٧).
(٢) مُسْلِمٌ (١٩٠٦).
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٨٢).
[ ١٩ ]
- تَنْبِيهٌ:
إِنَّ مَا سَبَقَ لَا يَعْنِي جَوَازَ أَنْ تَكُونَ نيَّتُهُ خَالِصَةً لِأَمْرِ الدُّنْيَا! فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٨، ١٩].
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا! فَلَهُ مَا نَوَى» (^١).
_________________
(١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٣١٣٨) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٤٠١).
[ ٢٠ ]