عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ الله ِصَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ». حَدِيث حَسَنٌ. رَوَاهُ ابْن مَاجَه والبَيهَقِيُّ وَغَيرُهُمَا (^١).
- قَولُهُ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي»: اللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ، أَي: تَجَاوَزَ مِنْ أَجْلِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ.
- التَّجَاوُزُ هُنَا هُوَ الوَضْعُ، وَالأُمَّةُ هُنَا هِيَ أُمَّةُ الإِجَابَةِ؛ وَلَيسَتْ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ.
- الخَطَأُ: أَنْ يَرْتَكِبَ الإِنْسَانُ غَيرَ الصَّوَابِ مِنْ غَيرِ عَمْدٍ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٢٠٤٣)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (١٥٠٩٤). صَحِيحُ الجَامِعِ (١٧٣١). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أُعِلَّ بِعِلَّةٍ غَيرِ قَادِحَةٍ". فَتْحُ البَارِي (٥/ ١٦١).
[ ٤٢٨ ]
- النِّسْيَانُ: هُوَ ذُهُولُ القَلْبِ عَنْ شَيءٍ مَعْلُومٍ مِنْ قَبْلُ.
- الاسْتِكْرَاهُ: هُوَ الإِجْبَارُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُكْرِهَهَ شَخْصٌ عَلَى عَمَلٍ مُحَرَّمٍ وَلَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ.
- هَذِهِ الأَعْذَارُ الثَّلَاثَةُ شَهِدَ لَهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ، فَأَمَّا الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فَقَدْ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَانَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] (^١).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁؛ قَالَ: (لَمَّا نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطَانَا﴾ قَالَ اللهُ: «قَدْ فَعَلْتُ») (^٢).
وَأَمَّا الإِكْرَاهُ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّحْل: ١٠٦]، فَرَفَعَ اللهُ ﷿ حُكْمَ الكُفْرِ عَنِ المُكْرَهِ -المُطْمَئِنِّ بِالإِيمَانِ-، وَمَا دُونَ الكُفْرِ مِنَ المَعَاصِي هُوَ مِنْ بَابِ أَولَى.
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ: أَخَذَ المُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيرٍ! ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيرٍ. قَالَ: «كَيفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ» (^٣).
_________________
(١) وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأَحْزَاب:٥].
(٢) مُسْلِمٌ (١٢٦). وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ فَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّاي.
(٣) مُسْتَدْرَكُ الحَاكِمِ (٣٣٦٢)، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀: "عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ»، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الدِّرَايَةِ (٢/ ١٩٧): «وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ؛ إِنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ". وَفِي الإِسْنَادِ كَلَامٌ، وَقَدْ جَزَمَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِثُبُوتِ نُزُولِ الآيَةِ فِي عَمَّارٍ لِمَجِيءِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ؛ إِلَّا أَنَّ سِيَاقَ الحَدِيثِ فِيهِ نَظَرٌ. يُنْظَرُ: فِقْهُ السِّيرَةِ لِلغَزَالِيِّ (ص: ١١١) بِتَحْقِيقِ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.
[ ٤٢٩ ]
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَاتِ عُمُومًا لَا تَلْزَمُ إِلَّا بِالعِلْمِ؛ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٥]، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُقَصِّرًا فَهُوَ مُحَاسَبٌ بِهَا، كَمَنْ عِنْدَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ مِنَ العُلَمَاءِ وَلَكِنْ لَا يَحْرِصُ عَلَى سُؤَالِهِم مَعَ عِلْمِهِ بِجَهْلِ نَفْسِهِ وَحَاجَتِهِ لِلْعِلْمِ!
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا في سَفَرٍ؛ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ في رَاسِهِ
ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا:
مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى المَاءِ! فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ؛ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟! فَإِنَّمَا شِفَاءُ
العِيِّ السُّؤَالُ» (^١).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ؛ وَهِيَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ مُبَكِّرَةً لَزِمَهَا الصِّيَامُ! وَيَظُنُّونَ أَنَّ المَرْأَةَ لَا يَلْزَمُهَا الصِّيَامُ إِلَّا إِذَا تَمَّ لَهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً! وَهِيَ قَدْ حَاضَتْ وَلَهَا إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مَثَلًا؛ فَلَهَا خَمْسُ سِنِينَ لَمْ تَصُمْ! فَهَلْ نُلْزِمُهَا بِالقَضَاءِ؟
الجَوَابُ: لَا نُلْزِمُهَا بِالقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جَاهِلَةٌ وَلَمْ تُقَصِّرْ، لَأَنَّهُ لَيسَ عِنْدَهاَ مَنْ تَسْأَلُهُ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَهَا يَقُولُونَ لَهَا: أَنْتِ صَغِيرَةٌ؛ لَيسَ عَلَيكِ شَيءٌ! وَكَذَلِكَ لَو
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٣٦) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٣٦٢).
[ ٤٣٠ ]
كَانَتْ لَا تُصَلِّي" (^١).
- فِي العُذْرَ بِالجَهْلِ ضَوَابِطُ عِدَّةٌ، مِنْهَا (^٢):
١ - إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ -دُونَ تَقْصِيرٍ مِنْهُ- كَبُعْدِهِ عَنْ بِلَادِ الإِسْلَامِ، أَو لِعَدَمِ شُهْرَةِ المَسْأَلَةِ؛ فَيُعْذَرُ.
مِثَالُهُ: رَجُلٌ زَنَى يَحْسَبُ أَنَّ الزِّنَى حَلَالٌ! لِأَنَّهُ عَاشَ فِي غَيرِ بِلَادِ الإِسْلَامِ -وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ-؛ فَلَا حَدَّ عَلَيهِ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ، حَيثُ أَسْلَمَ حَدِيثًا وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ، فَقَولُهُ مَقْبُولٌ، لَكِنْ لَو قَالَ رَجُلٌ عَاشَ بَينَ المُسْلِمِينَ: إِنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ! فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَيُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ.
٢ - الجَهْلُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الفِعْلِ لَيسَ بِعُذْرٍ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ! إِنَّمَا العُذْرُ إِذَا جَهِلَ الحُكْمَ.
مِثَالُهُ: رَجُلٌ جَامَعَ زَوجَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ -وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الجِمَاعَ حَرَامٌ-؛ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ كَفَّارَةً؛ فَهَذَا تَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ، لِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَيرُ مَعْذُورٍ حَيثُ انْتَهَكَ حُرْمَةَ رَمَضَانَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ فَتَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ، وَلِهَذَا أَلْزَمَ النَّبِيُّ ﷺ المُجَامِعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِالكَفَّارَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الكَفَّارَةَ (^٣).
وَأَيضًا كَرَجُلٍ زَنَى -وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ-، لَكِنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ
الزَّانِي
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِين لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٣٨٨).
(٢) بِتَصَرُّفٍ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَرْبَعِين (ص: ٣٨٦).
(٣) وَالحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٩٣٦)، وَمُسْلِمٌ (١١١١).
[ ٤٣١ ]
المُحْصَنَ عَلَيهِ الرَّجْمُ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَو عَلِمَ أَنَّ عَلَيهِ الرَّجْمَ مَا زَنَى؛
فَإِنَّهُ يُرْجَمُ.
٣ - الجَهْلُ فِي حَقَّ اللهِ تَعَالَى يَرْفَعُ الإِثْمَ، أَمَّا فِي حَقِّ المَخْلُوقِ فَلَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ -وَإِنْ أَسْقَطَ الإِثْمَ-.
مِثَالُهُ: رَجُلٌ أَخَذَ شَاةً -ظَنَّهَا شَاتَهُ- فَذَكَّاهَا وَأَكَلَهَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لِغَيرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، لِأَنَّ هَذَا حَقُّ آدَمِيٍّ، وَحُقُوقُ الآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المُشَاحَّةِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الإِثْمُ لِأَنَّهُ غَيرُ مُتَعَمِّدٍ لِأَخْذِ مَالِ غَيرِهِ.
٤ - الحَدِيثُ عَامٌّ فِي المَحْظُورَاتِ، أَمَّا المَامُورَاتُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ أَدَاؤُهَا وَقَضَاؤُهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تُفْعَلَ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ الإِثْمُ فِي تَاخِيرِهَا بِعُذْرٍ، وَسَيَاتِي الكَلَامُ عَلَيهَا فِي المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَفِي الحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا؛ فَلْيُصِلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (^١)، فَعَذَرَهُ عَلَى التَّاخِيرِ وَلَمْ يُعْفِهِ مِنَ القَضَاءِ.
وَكَذَا لَو أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ لَحْمَ إِبِلٍ -وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ- وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الإِبِلِ نَاقِضٌ لِلوُضُوءِ، فَصَلَّى؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الوَاجِبَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ مَعَ الجَهْلِ، وَأَمَّا المُحَرَّمُ فَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَانْتَهَى مِنْهُ.
- إِنَّ العُذْرَ بِالإِكْرَاهِ يُقَيَّدُ بِمَا لَمْ يَكُنْ حَقًّا لِلآدَمِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالإِكْرَاهِ.
مِثَالٌ: لَو أَنَّ رَجُلًا أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ إِنْسَانٍ، وَقَالَ لَهُ المُكْرِهُ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَ فُلَانًا أَو أَقْتُلَكَ -وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ- فَقَتَلَهُ؛ فَإِنَّ القاتِلَ المُكْرَهَ يُقْتَلُ بِهِ.
- المُكْرَهُ نَوعَانِ:
١ - مَنْ لَا اخْتِيَارَ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الامْتِنَاعِ: كَمَنْ حُمِلَ كَرْهًا
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٩٧)، وَمُسْلِمٌ (٦٨٤) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.
[ ٤٣٢ ]
وَأُدْخِلَ إِلَى مَكَانٍ حَلَفَ عَلَى الامْتِنَاعِ مِنْ دُخُولِهِ، أَو حُمِلَ كَرْهًا وَضُرِبَ بِهِ غَيرُهُ حَتَّى مَاتَ ذَلِكَ الغَيرُ -وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الامْتِنَاعِ-، أَوِ امْرَأَةٍ زُنِيَ بِهَا مِنْ غَيرِ قُدْرَةٍ لَهَا عَلَى الامْتِنَاعِ؛ فَهَؤُلَاءِ لَا إِثْمَ عَلَيهِم بِالاتِّفَاقِ.
٢ - مَنْ أُكْرِهَ بِضَرْبٍ أَو غَيرِهِ حَتَّى فَعَلَ المَحْظُورَ؛ فَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ بَينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَبَينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ العَبْدِ، وَقَدْ مَضَى تَفْصِيلُهُ.
- التَّجَاوُزُ عَنِ النِّسْيَانِ مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يَتَعَاطَ صَاحِبُهُ أَسْبَابَهُ، كَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِأَمْرٍ مَا سَيَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ وَقَدْ يَنْسَاهَا لِذَلِكَ!
- يَنْبَغِي لِلنَّاصِحِ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَعَ النَّاسِ نَظْرَتَانِ: نَظْرَةُ حَازِمٍ: بِأَنْ لَا يَتَهَاوَنَ مَعَ مَنْ عَلِمَ مِنْهُ تَقْصِيرًا، وَالأُخْرَى نَظْرَةُ رَاحِمٍ: إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ؛ لَكِنَّهُ جَاهِلٌ أَو نَاسٍ أَو تَائِبٌ.
[ ٤٣٣ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي حَدِيثِ المُسِيءِ صَلَاتَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَامُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ إِلَّا الصَّلَاةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا دُونَ مَا سَبَقَ مِنْهَا! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الوَاجِبَاتِ تَسْقُطُ بِالجَهْلِ مَا لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهَا فِي الوَقْتِ -اسْتِدْلَالًا بِنَفْسِ الحَدِيثِ- (^١).
وَالحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَرَدَّ، وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ!» فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا! فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيرَهُ؛ فَعَلِّمْنِي. فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَا مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (^٢).
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِين لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٣٨٨).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٥٧)، وَمُسْلِمٌ (٣٩٧).
[ ٤٣٤ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يُبْنَى عَلَى مَا سَلَفَ؛ أَنَّ مَنْ جَهِلَ الزَّكاةَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَيهِ تَكْلِيفُ مَا سَلَفَ مِنَ السَّنَوَاتِ؟
الجَوَابُ: لَا، لِأَنَّ هَذَا الوَاجِبَ الَّذِي تَرَكَهُ جَهْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقَّانِ: حَقُّ للهِ تَعَالَى، وَحَقٌّ لِلغَيرِ، فَلَو أَخَّرَهَا عَمْدًا إِلَى خَمْسِ سَنَوَاتٍ لَزِمَهُ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَا نُؤَثِّمُهُ بِتَرْكِهَا جَهْلًا.
[ ٤٣٥ ]