عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «بُنِي الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (^١)؛ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ، وَصَومِ رَمَضَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
- هَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ مِنْ كِتَابِ (جَامِعُ الأُصُولِ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ) لِابْنِ الأَثِيرِ ﵀ (^٣).
- الحَدِيثُ عِنْدَ البُخَارِيِّ بِتَمَامِهِ "أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا؛ وَتَتْرُكَ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿؛ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللهُ فِيهِ؟! قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي؛ بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَاةِ الخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ. قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحُجُرَات: ٩]، ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأَنْفَالُ: ٣٩]؟! قَالَ: فَعَلْنَا
_________________
(١) وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ (١٦): «بُنيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ».
(٢) البُخَارِيُّ (٨)، وَمُسْلِمٌ (١٦).
(٣) وَهُوَ كِتَابٌ جَمَعَ فِيهِ مُصَنِّفُهُ أَحَادِيثَ الكُتُبِ السِّتَّةِ -عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ السَّادِسَ مِنْهَا هُوَ مُوَطَّأُ مَالِكٍ وَلَيسَ سُنَنَ ابْنِ مَاجَه-.
[ ٤٨ ]
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺوَكَانَ الإِسْلَامُ قَلِيلًا- فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ؛
إِمَّا قَتَلُوهُ وَإِمَّا يُعَذِّبُونَهُ، حَتَّى كَثُرَ الإِسْلَامُ؛ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ. قَالَ: فَمَا قَولُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ فَكَأَنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ؛ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ! وَأَمَّا عَلِيٌّ؛ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخَتَنُهُ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ- فَقَالَ: هَذَا بَيتُهُ حَيثُ تَرَونَ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ "أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيرِ؟ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَنَعُوا مَا تَرَى، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ- فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ ".
- لَمْ يَذْكُرِ الحَدِيثُ الإِيمَانَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَغَيرَ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ جَوَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ المُرَادَ بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ؛ فَيَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنَ المُعْتَقَدَاتِ (^١).
- قَولُهُ: «وَإِقَامِ الصَّلَاةِ»: إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ هِيَ مِنْ مَبَانِي الإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهَا تَقَعُ بِاعْتِبَارَينِ (^٢):
١ - إِقَامَتِهَا عَلَى القَدْرِ الوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ أَقَلُّ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ.
٢ - إِقَامَتِهَا كَامِلَةً، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ تَكْمِيلُهَا وَتَتْمِيمُهَا بِالإِتْيَانِ بِكُلِّ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِيهَا.
وَلَا رَيبَ أَنَّ إِقَامَتَهَا عَلَى وُفْقِ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ مِنْ إِقَامَتِهَا الكَامِلَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» (^٣).
_________________
(١) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (١/ ٥٠).
(٢) ذَكَرَهُ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ القَوِيِّ المَتِينِ) (ص: ٣١).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٣١) مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الحُوَيرِث مَرْفُوعًا.
[ ٤٩ ]
فَلَيسَ مَعْنَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ مُجَرَّدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ! بَلْ أَنْ تَكُونَ قَوِيمَةً -أَي: وُفْقَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ- غَيرَ مُعْوَجَّةٍ (^١)، وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِذَا اِطْمَأَنُّوا بَعْدَ الخَوفِ مِنْ عَدُوِّهِم أَنْ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ -رُغْمَ أَنَّهُم كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الخَوفِ-؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ لَيسَتْ هِيَ مُجَرَّدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ! حَيثُ أَنَّهُم فِي صَلَاةِ الخَوفِ قَدْ قَصُرَتْ صَلَاتُهُم مِنْ جِهَةِ الكَمِّ وَالكَيفِ، وَغَابَ عَنْهَا -فِي الغَالِبِ- حُضُورُ القَلْبِ لِانْشِغَالِهِ بِالعَدُوِّ فِي الخَارِجِ.
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى-: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوقُوتًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٣]: "أَي: إِذَا أَمِنْتُم مِنَ الخَوفِ وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُكُم وَأَبْدَانُكُم فَأَتِمُّوا صَلَاتَكُم عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَخُشُوعِهَا وَسَائِرِ مُكَمِّلَاتِهَا" (^٢).
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيضًا حَدِيثُ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً مَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ! لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ» (^٣).
- هَذِهِ الأَرْكَانُ الخَمْسَةُ وَرَدَتْ فِي الحَدِيثِ مُرَتَّبَةً حَسْبَ أَهَمِّيَّتِهَا،
وَبَدَأَ فِيهَا بِالشَّهَادَتَينِ اللَّتَينِ هُمَا الأَسَاسُ لِكُلِّ عَمَلٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ ﷿،
_________________
(١) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكَهْف: ١، ٢]، فَتَأَمَّلْ كَيفَ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى الكِتَابَ بِأَنَّهُ قَيِّمٌ لَيسَ لَهُ عِوَجٌ.
(٢) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ١٩٨).
(٣) حَسَنٌ. الأَصْبَهَانِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٩٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٥٣٥).
[ ٥٠ ]
ثُمَّ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الَّتِي تَتَكَرَّرُ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ فَهِيَ صِلَةٌ وَثِيقَةٌ بَينَ العَبْدِ وَرَبَّهِ،
ثُمَّ الزَّكَاةَ الَّتِي تَجِبُ فِي المَالِ إِذَا مَضَى عَلَيهِ الحَولُ لِأَنَّ نَفْعَهَا مُتَعَدٍّ،
ثُمَّ الصِّيَامَ الَّذِي يَجِبُ شَهْرًا فِي السَّنَةِ، وُهُوَ عِبَادَةٌ غَيرُ مُتَعَدِّيَةِ النَّفْعِ،
ثُمَّ الحَجَّ الَّذِي لَا يَجِبُ فِي العُمُرِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً -إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا-.
[ ٥١ ]
- فِي حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا:
قَالَ العَلَّامَةُ الشَّوكَانِيُّ ﵀: "وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ لَهَا تَكَاسُلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ لِوُجُوبِهَا -كَمَا هُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ-؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ.
فَذَهَبَتِ العِتْرَةُ وَالجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ -مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ- إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَلْ يَفْسُقُ، فَإِنْ تَابَ؛ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي المُحْصَنِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيفِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ (^١)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
_________________
(١) قُلْتُ: وَهَذَا الكُفْرُ عِنْدَهُم مَقْرُونٌ بِالاسْتِتَابَةِ كَمَا هُوَ قَولُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، وَسَيَاتِي. قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ -شَرْحِ الحَدِيثِ الثَّالِثِ-: "الصَّحِيحُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا كُفْرٌ أَكْبَرٌ، لَكِنَّ كُفْرَهُ بَاطِنٌ وَلَيسَ كُفْرُهُ ظَاهِرًا، وَلَيسَ بِبَاطِنٍ وَظَاهِرٍ جَمِيعًا حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ القَاضِي، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون لَهُ شُبْهَةٌ مِنْ خِلَافٍ أَو فَهْمٍ أَو نَحْوِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يُحْكَمُ بِرِدَّةِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الجِنْسِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَهُوَ كَافِرٌ الكُفْرَ الأَكْبَرَ، وَأَمَّا المُعَيَّنُ؛ فَإِنَّ الحُكْمَ عَلَيهِ بِالكُفْرِ وَتَنْزِيلَ أَحْكَامِ الكُفْرِ كُلِّهَا عَلَيهِ هَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ يَدْرَأُ عَنْهُ الشُّبْهَةَ وَيَسْتَتِيبُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ". شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لصَالِح آلِ الشَّيخِ (ص: ٩٣). قُلْتُ: وَبِنَحْوِهِ يَقُولُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ المَادِّيَّ دَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بَاطِنًا حَيثُ لَمْ يَرْضَ بِالصَّلَاةِ وَلَو قُتِلَ! أَفَادَهُ ﵀ فِي أَشْرِطَةِ سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط رَقَم: ٣٩٤). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "قُلْتُ: تَارِكُ الصَّلَاةِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ المَالِكِيَّةِ وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيمَةَ وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو عُبَيدِ بْنُ جوَيرِيَةَ وَمَنْصُورٌ الفَقِيهُ وَأَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَفَّرُ بِذَلِكَ وَلَو لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمُ المُزَنِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ، وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ رَفَعَهُ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى العِبَادِ» الحَدِيثَ، وَفِيهِ «وَمَنْ لَمْ يَاتِ بِهِنَّ؛ فَلَيسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ السَّكَنِ وَغَيرُهُمَا، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِرِ أَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِتَكْفِيرِهِ، وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَى المُسْتَحِلِّ، جَمْعًا بَينَ الأَخْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقٍ العِيد ﵀: وَأَرَادَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانَهُ أَنْ يُزِيلَ الإِشْكَالَ؛ فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ»، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ العِصْمَةَ عَلَى المَجْمُوعِ، وَالمُرَتَّبُ عَلَى أَشْيَاءَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِحُصُولِ مَجْمُوعِهَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا. قَالَ: وَهَذَا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَالَ بِمَنْطُوقِهِ وَهُوَ (أُقَاتِلُ النَّاسَ) إِلَخْ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الأَمْرَ بِالقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الغَايَةِ؛ فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَينَ المُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيءِ وَالقَتْلِ عَلَيهِ، فَإِنَّ المُقَاتَلَةَ مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي الحُصُولَ مِنَ الجَانِبَينِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ المُقَاتَلَةِ عَلَى الصَّلَاةِ إِبَاحَةُ قَتْلِ المُمْتَنِعِ مِنْ فِعْلِهَا إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ. وَلَيسَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ قَومًا لَو تَرَكُوا الصَّلَاةَ وَنَصَبُوا القِتَالَ أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُمْ! وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا إِنْسَانٌ مِنْ غَيرِ نَصْبِ قِتَالٍ هَل يُقْتَلُ أَو لَا؟ وَالفَرْقُ بَينَ المُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيءِ وَالقَتْلِ عَلَيهِ ظَاهِرٌ". فَتْحُ البَارِي (١٢/ ٢٠٣).
[ ٥٢ ]
طَالِبٍ ﵇، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَينِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (^١)، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ) (ص: ٤٨): "وَإِنَّ مِمَّا يُؤَكِّدُ مَا حَمَلْتُ عَلَيهِ كَلَامَ الإِمْامِ أَحْمَدَ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ (الإِنْصَافُ فِي مَعْرِفَةِ الرَّاجِحِ مِنَ الخِلَافِ عَلَى مَذْهَبِ الإِمْامِ المُبَجَّلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل" لِلشَّيخِ عَلَاءِ الدِّينِ المَرْدَاوِيِّ، قَالَ ﵀ (١/ ٤٠٢) -كَالشَّارِحِ لِقَولِ أَحْمَدَ المُتَقَدِّمِ آنِفًا-: " (أَدْعُوهُ ثَلَاثًا): (الدَّاعِي لَهُ هُوَ الإِمَامُ أَو نَائِبُهُ) فَلَو تَرَكَ صَلَوَاتٍ كَثِيرْةً قَبْلَ الدُّعَاءِ؛ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ! وَلَا يَكْفُرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ، وَعَلَيهِ جَمَاهِيرُ الأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ الكَثِيرُ مِنْهُم". وَمِمَّنِ اخْتَارَ هَذَا المَذْهَبَ أَبْو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ -كَمَا ذَكَرَ الشَّيخُ أَبُو الفَرَجِ؛ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ (الشَّرْحُ الكَبِيرُ عَلَى (المُقْنِع) لِلإِمَامِ مُوَفَّقِ الدِّينِ المَقْدِسِيِّ) (١/ ٣٨٥) -، وَزَادَ أَنَّهُ أَنْكَرَ قَولَ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ. قَالَ أَبُو الفَرَجِ: "وَهُوَ قَولُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ، مِنْهُم أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكُ وَالشَّافِعِيُّ". اهـ مِنْ كِتَابِ الأَلْبَانِيِّ ﵀. قُلْتُ: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَلَا يُعْرَفُ فِي شَيءٍ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ نَفْيُ الإِسْلَامِ عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ؛ كَمَا يُنْفَى الإِيمَانُ عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ! وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُ الكُفْرِ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ المُحَرَّمَاتِ، وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ أَيضًا". جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ١١١).
[ ٥٣ ]
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَالمُزَنِيُّ -صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ- إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ؛ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ" (^١).
قُلْتُ: أَمَّا الجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا؛ فَهُوَ كَافِرٌ خَارِجٌ مِنَ المِلَّةِ بِالإِجْمَاعِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: "وَأَجْمَعُ المُسْلِمُونَ أَنَّ جَاحِدَ الصَّلَاةِ كَافِرٌ حَلَالٌ دَمُهُ كَسَائِرِ الكُفَّارِ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَا لَهُ دِينٌ يُقِرُّ عَلَيهِ دَمَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيهَا، غَيرُ جَاحِدٍ بِفَرْضِهَا-" (^٢).
- فِي الحَدِيثِ إِظْهَارُ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى حَيثُ جَعَلَ لِلإِسْلَامِ مَبَانٍ أُصُولًا عِظَامًا يَظْهَرُ بِهَا إِيمَانُ العَبْدِ؛ وَبِهِ يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا أَو كَافِرًا؛ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَسَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ» ثُمَّ قَرَأَ:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [اللَّيل: ٥] الآيَةَ (^٣).
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ تَنَوُّعِ أَعْمَالِ الإِسْلَامِ، وَقِيَامُهَا بِالعَبْدِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ فِعْلًا وَتَرْكًا، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَدِّ النَّفْعِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ لِازِمُ
_________________
(١) نَيلُ الأَوطَارِ (١/ ٣٦١).
(٢) الاسْتِذْكَارُ (١/ ٢٣٥).
(٣) البُخَارِيُّ (١٣٦٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٧).
[ ٥٤ ]
النَّفْعِ لِصَاحِبِهِ فَقَط، وَمِنْهَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ سِرٌّ بَينَ العَبْدِ وَرَبِّهِ، وَمِنْهَا البَدَنِيُّ، وَمِنْهَا المَالِيُّ:
١ - فَالشَّهَادَةُ تَقُومُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَهِيَ نُطْقٌ عَنْ عِلْمٍ.
٢ - وَالصَّلَاةُ تَقُومُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ.
٣ - وَالصِّيَامُ يَقُومُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ جَانِبِ التَرْكِ وَلَيسَ الفِعْلِ، وَهُوَ سِرٌّ بَينَ العَبْدِ وَرَبِّهِ.
٤ - وَالزَّكَاةُ تَتَعَرَّضُ لِلمَالِ دُونَ اللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، فَهِيَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ وَلَيسَتْ بَدَنِيَّةً كَالسَّابِقَتَينِ، وَهِيَ مُتَعَدِّيَّةُ النَّفْعِ لِلمُسْلِمِينَ.
٥ - وَالحَجُّ عِبَادَةٌ مُشْتَرَكَةٌ: مَالِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ.
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "قَالَ طَاوُوسُ: مَثَلُ الإِسْلَامِ كَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا الشَّهَادَةُ، وَسَاقُهَا كَذَا وَكَذَا، وَوَرَقُهَا كَذَا وَكَذَا، وَثَمَرُهَا: الوَرَعُ. وَلَا خَيرَ فِي إِنْسَانٍ لَا وَرَعَ فِيهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى الشَّجَرَةِ وَالنَّخْلَةِ مِنْ فُرُوعِهَا وَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا وَثَمَرِهَا إِذَا ذَهَبَ شَيءٌ مِنْهُ لَمْ يَذْهَبْ عَنِ الشَّجَرَةِ اسْمُهَا! وَلَكِنْ يُقَالُ: هِيَ شَجَرَةٌ نَاقِصَةٌ؛ وَغَيرُهَا أَكْمَلُ مِنْهَا.
فَإِنْ قُطِعَ أَصْلُهَا وَسَقَطَتْ لَمْ تَبْقْ شَجَرَةً، وَإِنَّمَا تَصِيرُ حَطَبًا! فَكَذَلِكَ الإِيمَانُ وَالإِسْلَامُ إِذَا زَالَ مِنْهُ بَعْضُ مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّاه -مَعَ بَقَاءِ أَرْكَانِ بُنْيَانِهِ- لَا يَزُولُ بِهِ اسْمُ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ بِالكُلِّيَّةِ -وَإِنْ كَانَ قَدْ سُلِبَ الاسْمُ عَنْهُ لِنَقْصِهِ-، بِخِلَافِ مَا انْهَدَمَتْ أَرْكَانُهُ وَبُنْيَانُهُ؛ فَإِنَّهُ يَزُولُ مُسَمَّاهُ بِالكُلِّيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ" (^١).
_________________
(١) فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي شَرْحُ البُخَارِي) (١/ ٢٨).
[ ٥٥ ]
- فَائِدَةٌ مِنْ كِتَابِ (فَتْحُ البَارِي) لِلْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀تَعْلِيقًا عَلَى قَولِ البُخَارِيِّ ﵀: وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ (^١) -:
"وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ قَالُوا: هُوَ قَولٌ وَعَمَلٌ، وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَقَد حَكَى الشَّافِعِيُّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَيهِ، وَحَكَى أَبُو ثَور الإِجْمَاعَ عَلَيهِ أَيضًا.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِمَّن سَلَفَ لَا يُفَرِّقُونَ بَينَ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ، وَحَكَاهُ غَيرُ وَاحِدٍ مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَمِمَّن حَكَى ذَلِكَ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: الفُضَيلُ بنُ عِياض، وَوَكِيعُ بنُ الجَرَّاحِ.
وَمِمَّن رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الإيمَانَ قَولٌ وَعَمَلٌ: الحَسَنُ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَعَطَاءُ، وَطَاوسُ، وَمُجَاهِدُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَهُوَ قَولُ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَابنُ المُبَارَكِ، وَمَالِكُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبِي عُبَيدٍ، وَأَبِي ثَورٍ وَغَيرُهُم؛ حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُم: إِنَّ الرَّقَبَةَ المُؤْمِنَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الكَفَّارَةِ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهَا الإِقْرَارُ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ" (^٢) (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١/ ١٠).
(٢) فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَب (١/ ٥).
(٣) تَنْوِيهٌ: هَذِهِ الفِقْرَةُ وَالفَقَرَاتُ التَّالِيَةُ لَهَا مُصَوَّبَةٌ عَنِ النُّسْخَةِ السَّابِقَةِ مِنَ الكِتَابِ المَطْبُوعِ؛ فَفِيهَا مَزِيدُ فَائِدَةٍ وَبَيَانٍ. نَسْأَلُ اللهَ التَّوفِيقَ وَالسَّدَادَ.
[ ٥٦ ]
- وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ -مُعَلِّقًا عَلَى الشَّطْرِ الثَّانِي مِن عِبَارَةِ البُخَارِيِّ: (وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ) -:
"وَأَمَّا المَقَامُ الثَّانِي؛ فَذَهَبَ السَّلَفُ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ، وَقَالُوا: مَتَى قَبِلَ ذَلِكَ كَانَ شَكًّا.
قَالَ الشَّيخُ مُحْيِيُ الدِّينِ: وَالأَظْهَرُ المُخْتَارُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَوُضُوحِ الأَدِلَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ إِيمَانُ الصِّدِّيقِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيرِهِ؛ بِحَيثُ لَا تَعْتَرِيهِ الشُّبَهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى إِنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ الإِيمَانُ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَتَوَكُّلًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيقِ وَالمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ ظُهُورِ البَرَاهِينِ وَكَثْرَتِهَا، وَقَدْ نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ (تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ) عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ صَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي (مُصَنَّفِهِ) عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالأَوزَاعِيِّ وَابْنِ جُرَيجٍ وَمَعْمَرٍ وَغَيرِهِمْ -وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ فِي عَصْرِهِمْ-، وَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو القَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ فِي كِتَابِ (السُّنَّةِ) عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوِيه وَأَبِي عُبَيدٍ وَغَيرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَرَوَى بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنِ البُخَارِيِّ قَالَ: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَمَاءِ بِالأَمْصَارِ؛ فَمَا رَأَيتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الإِيمَانَ قَولٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
وَأَطْنَبَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَاللَّالِكَائِيُّ فِي نَقْلِ ذَلِكَ بِالأَسَانِيدِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكُلِّ مَنْ يَدُورُ عَلَيهِ الإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَحَكَاهُ فُضَيلُ بْنُ عِيَاضٍ وَوَكِيعٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَقَالَ الحَاكِمُ فِي (مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ): حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ الأَصَمُّ؛ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: الإِيمَانُ قَولٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ مِنَ (الحِلْيَةِ) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الرَّبِيعِ وَزَادَ (يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ ثُمَّ تَلَا ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المُدَّثِّر: ٣١] الآيَةَ) " (^١).
- تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ:
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "فَقَولٌ: لَا إِلَه َإِلَّا اللهُ: قَوْلُ لِسَانٍ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ: فِعْلُ الجَوَارِحِ، وَالحَيَاءُ: وَهَذَا عَمَلُ قَلْبٍ؛ مِنَ الإيمَانِ، وَلَا حَاجَةَ أَنْ نَقُولَ مَا يَدُورُ الآنَ بَينَ الشَّبَابِ وَطَلَبَةِ العِلْمِ: هَلِ الأَعْمَالُ مِنْ كَمَالِ الإِيمَانِ أَوْ مِنْ صِحَّةِ الإِيمَانِ؟
فَهَذَا السُّؤَالُ لَا دَاعِيَ لَهُ، أَيُّ إِنْسَانٍ يَسْأَلُكَ وَيَقُولُ: هَلِ الأَعْمَالُ شَرْطٌ لِكَمَالِ الإِيمَانِ أَوْ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ؟ نَقُولُ لَهُ: الصَّحَابَةُ ﵃ أَشْرَفُ مِنْكَ وَأَعْلَمُ مِنْكَ وَأَحْرَصُ مِنْكَ عَلَى الخَيرِ؛ وَلَمْ يَسْأَلُوا الرَّسُولَ ﷺ هَذَا السُّؤَالَ! إِذًا يَسَعُكَ مَا يَسَعُهُم.
إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا العَمَلَ يَخْرُجُ بِهِ الإِنْسَانُ مِنَ الإِسْلَامِ صَارَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الإِيمَانِ، وَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ صَارَ شَرْطًا لِكَمَالِ الإِيمَانِ وَانْتَهَى المَوضُوعُ.
أَمَّا أَنْ تُحَاوِلَ الأَخْذَ وَالرَّدَّ وَالنِّزَاعَ؛ ثُمَّ مَنْ خَالَفَكَ قُلْتَ: هَذَا مُرْجِئٌ، وَمَنْ وَافَقَكَ رَضِيتَ عَنْهُ، وَإِنْ زَادَ قُلْتَ: هَذَا مِنَ الخَوَارِجِ!! وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَلِذَلِكَ مَشُورَتِي لِلْشَّبَابِ وَلِطُلَّابِ العِلْمِ أَنْ يَدَعُوا البَحْثَ فِي هَذَا المَوضُوعِ، وَأَنْ نَقُولَ: مَا جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُه شَرْطًا لِصِحَّةِ الإِيمَانِ وَبَقَائِهِ فَهُوَ شَرْطٌ، وَمَا لَا فَلَا وَنَحْسِمُ المُوضُوعَ" (^٢).
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي لِابْنِ حَجَرٍ (١/ ٤٧).
(٢) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِلْعُثَيمِين (ص: ٣٣٧).
[ ٥٧ ]
فَائِدَةٌ، ثُمَّ كَلِمَةُ حَقٍّ وَإِنْصَافٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الإِمَامِ الأَلْبَانِيِّ ﵀:
قَالَ الإِمَامُ البَرْبَهَارِيُّ (^١) ﵀ فِي عَقِيدَتِهِ المَشْهُورَةِ: "وَمَنْ قَالَ: الإِيمَانُ قَولٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإِرْجَاءِ (^٢) كُلِّهِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ" (^٣).
سُئِلَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ عَن قَولِ البَعْضِ: إِنَّ الشَّيخَ الأَلْبَانِيَّ - ﵀ - قَولُهُ فِي مَسَائِلِ الإِيمَانِ قَولُ المُرْجِئَةِ! فَمَا قَولُ فَضِيلَتِكُم فِي هَذَا؟
الجَوَابُ: "أَقُولُ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: أَقِلُّوا عَلَيهِ لَا أَبَا لِأَبِيكُم مِنَ اللَّومِ أَو سُدُّوا المَكَانَ الَّذِي سَدُّوا.
الأَلْبَانِيُّ ﵀ عَالِمٌ مُحَدِّثٌ فَقِيهٌ، وَإِنْ كَانَ مُحَدِّثًا أَقْوَى مِنْهُ فَقِيهًا، وَلَا أَعْلَمُ لَه كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى الإِرْجَاءِ أَبَدًا، لَكِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُكَفِّرُوا النَّاسَ يَقُولُونَ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ إِنَّهُم مُرْجِئَةٌّ! فَهُوَ مِن بَابِ التَّلْقِيبِ بِأَلْقَابِ السُّوءِ.
وَأَنَا أَشْهَدُ لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ بِالاسْتِقَامَةِ وَسَلَامَةِ المُعْتَقَدِ وَحُسْنِ المَقْصِدِ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا نَقُولُ إِنَّهُ لَا يُخْطِئُ، لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ مَعْصُومٌ إِلَّا الرَّسُولُ ﵊" (^٤) إِلَى آخِرِ مَا قَالَ ﵀.
وَقَالَ العَلَّامَةُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادُ البَدْرُ حَفِظَهُ اللهُ: "وَإِنَّ مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنْ يُبْتَلَى عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ بِالنَّيلِ مِنَ الشَّيخِ العَلَّامَةِ المُحَدِّثِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ وَوَصْفَهُ بِالإِرْجَاءِ! فِي الوَقْتِ الَّذِي سَلِمَ مِنْهُم دُعَاةُ التَّغْرِيبِ؛ قَتَلَةُ الأَخْلَاقِ، الَّذِينَ يَسْعَونَ جَاهِدِينَ لِلْإِفْسَادِ فِي بِلَادِ الحَرَمَينِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا، وَسَلِمَ مِنْهُم أَهْلُ الزَّنْدَقَةِ وَأَهْلُ الزَّيغِ وَالضَّلَالِ! وَكَأَنَّهُ لَيسَ أَمَامَهُم فِي المَيْدَانِ إِلَّا هَذَا الرَّجُلُ ذُو الجُهُودِ العَظِيمَةِ فِي خِدْمَةِ سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيَانِ عَقِيدَةِ السَّلَفِ! وَمَا أَحْسَنَ الأَثْرَ الَّذِي نَقَلَهُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٣/ ١٢١) عَن سُفْيَانَ بنَ حُسَينٍ قَالَ: (ذَكَرْتُ رَجُلًا بِسُوءٍ عِنْدَ إِياسَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَنَظَرَ فِي وَجْهِي، وَقَالَ: أَغَزَوتَ الرُّومَ؟! قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَالسِّنْدُ وَالهِنْدُ وَالتُّرْكُ؟! قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَفَتَسْلَمُ مِنْكَ الرُّومُ وَالسِّنْدُ وَالهِنْدُ وَالتُّرْكُ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ المُسْلِمُ؟! قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَهَا)، وَهُم بِنَيلِهِم مِنَ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ يُهْدُونَ لَهُ بَعْضَ حَسَنَاتِهِم، وَمِنَ الخَيرِ لَهُم أَنْ يُبْقُوا عَلَى تِلْكَ الحَسَنَاتِ وَأَنْ يَسْتَفِيدُوا مِنْ عِلْمِهِ، وَيُوَجِّهُوا سِهَامَهُم إِلَى غَيرِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ تُوَجَّهَ إِلَيهِ، وَقَدْ وَقَفْتُ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَا يُوَضِّحُ سَلَامَتَهُ مِنَ الإِرْجَاءِ" (^٥). إِلَى آخَرِ مَا قَالَ ﵀.
_________________
(١) هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ خَلَفٍ البَرْبَهَارِيُّ (ف: ٣٢٩ هـ) صَاحِبُ العَقِيدَةِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(٢) "الإِرْجَاءُ عَلَى وَجْهَينِ: قَومٌ أَرْجَوا أَمْرَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؛ فَقَدْ مَضَى أُولَئِكَ، فَأَمَّا المُرْجِئَةُ اليَوْمَ فَهُم قَوْمٌ يَقُولُونَ: الإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمِلٍ". رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَهْذِيبُ الآثَارِ) (٦٥٩/ ٢) عَن سُفْيَانَ بْنَ عُيَينَةَ ﵀.
(٣) شَرْحُ السُّنَّةِ لِلْبَرْبَهَارِيِّ (ص: ١٢٩).
(٤) فِي لِقَاءِ إِدَارَةِ الدَّعْوَةِ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي دَولَةِ قَطَرٍ مَعَ فَضِيلَتِهِ، بِتَارِيخ: ٧/ ٥/٢٠٠٠ م.
(٥) كِتَابُ (الحَقُّ فِي نُصُوصِ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَسَطٌ بَينَ طَرَفَي الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ) (ص: ٩) لِلشَّيخِ عَبْدِ المُحْسِنِ بنِ حَمَدٍ العَبَّادِ.
[ ٥٨ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلِ الإِيمَانُ مَخْلُوقٌ؟
الجَوَابُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنِ الفَقِيهِ أَبِي اللَّيثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ (^١)؛ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الإِيمانَ إِقْرَارٌ وَهِدَايَةٌ، فَالإِقْرَارُ صُنْعُ العَبْدِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالهِدَايَةُ صُنْعُ الرَّبِّ وَهُوَ غَيرُ مَخْلُوقٍ" (^٢).
قُلْتُ: كَمَا تَلْحَظُهُ فَي قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشُّورَى: ٥٣] فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا الإِيمَانَ لَيسَ مِنْ فِعْلِ العَبْدِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ هِدَايَةُ الرَّبِّ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِهِ.
_________________
(١) إِمَامٌ فَقِيهٌ مُحَدِّثٌ حَنَفِيٌّ، (ت ٣٧٥ هـ). اُنْظُرِ السِّيَرَ لِلذَّهَبِيِّ (١٦/ ٣٢٢).
(٢) قَالَهُ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي) (١/ ١١٠).
[ ٥٩ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا وَجْهُ عَدَمِ ذِكْرِ الحَدِيثِ لِلجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ ضِمْنَ هَذِهِ المَبَانِي الخَمْسَةِ؛ رُغْمَ عُلُوِّ شَانِهِ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَحَدِ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ.
٢ - أَنَّ الجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ، وَلَيسَ بِفَرْضِ عَينٍ؛ بِخِلَافِ هَذِهِ الأَرْكَانِ (^١).
٣ - أَنَّ الجِهَادَ لَا يَسْتَمِرُّ فِعْلُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، بَلْ إِذَا نَزَلَ عِيسَى ﵇ وَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مِلَّةٌ إِلَّا مِلَّةَ الإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَرْبُ أَوزَارَهَا وَيُسْتَغْنَى عَنِ الجِهَادِ؛ بِخِلَافِ هَذِهِ الأَرْكَانِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِلَى أَنْ يَاتِيَ أَمْرُ اللهِ تَعَالَى وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَاللهُ ﷾ أَعْلَمُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀نَقْلًا عَنِ ابْنِ بَزِيزَةَ (^٢) -: "الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ: تَقْدِيمُ الجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ البَدَنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَذْلَ النَّفْسِ، إِلَّا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَدَائِهَا فِي أَوقَاتِهَا وَالمُحَافَظَةِ عَلَى بِرِّ الوَالِدَينِ أَمْرٌ لَازِمٌ مُتَكَرِّرٌ دَائِمٌ لَا يَصْبِرُ عَلَى مُرَاقَبَةِ أَمْرِ اللهِ فِيهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (^٣).
_________________
(١) فِي لَفْظٍ لِحَدِيثِ البَابِ عِنْدَ البُخَارِيِّ "أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا؛ وَتَتْرُكَ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿؛ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللهُ فِيهِ؟! قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّلَاةِ الخَمْسِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ البَيتِ". وَفِي لَفْظٍ أَيضًا لِحَدِيثِ البَابِ عِنْدَ أَحْمَدَ (٤٧٩٨) "فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الجِهَادُ حَسَنٌ. هَكَذَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ". ضَعِيفٌ. إِرْوَاءُ الغَلِيلِ، تَحْتَ الحَدِيث بِرَقَم: (٧٨١).
(٢) مِنْ عُلَمَاءِ المَالِكِيَّةِ المَغَارِبَةِ، تُوُفِّيَ قُرَابَةَ (٧٠٠ هـ).
(٣) فَتْحُ البَارِي (٢/ ١٠).
[ ٦٠ ]