عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَومٍ وَدِمَاءَهُمْ؛ وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ هَكَذَا، وَبَعْضُهُ فِي الصَّحِيحَينِ (^١).
- الَّذِي فِي الصَّحِيحَينِ «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ»، وَعِنْدَ الإِسْمَاعِيلِيِّ «وَلَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى الطَّالِبِ، وَاليَمِينَ عَلَى المَطْلُوبِ» (^٢).
وَبَوَّبَ البُخَارِيُّ ﵀ عَلَى الحَدِيثِ بِاللَّفْظِ التَّامِّ، وَهُوَ قَولُهُ: " بَابُ إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ؛ فَالبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ"، وَفِي صَحِيحِهِ مَعْنَاهُ وَهُوَ حَدِيثُ المُتَخَاصِمَينِ فِي البِئْرِ، وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلمُدَّعِي: «بَيِّنَتُكَ أَو يَمِينُهُ؟» (^٣).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، قَالَ الكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا لَيسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟»، قَالَ: لَا، فَقَالَ: «فَلَكَ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٥٥٢)، وَمُسْلِمٌ (١٣٩)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٢١٢٠١).
(٢) فَتْحُ البَارِي (٥/ ٢٨٢).
(٣) البُخَارِيُّ (٤٥٤٩).
[ ٣٣٦ ]
يَمِينُهُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ؛ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيهِ، وَلَيسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيءٍ! فَقَالَ: لَيسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَاكُلَهُ ظُلْمًا؛ لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» (^١).
- هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي القَضَاءِ، وَقَاعِدَةٌ يَنْتَفِعُ بِهَا القَاضِي، وَيَنْتَفِعُ بِهَا المُصْلِحُ بَينَ اثْنَينِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ.
وَفِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ دَاوُد ﵇: ﴿وَآتَينَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ﴾
[ص: ٢٠]؛ قَالَ قَتَادَةُ: (فَصْلُ الخِطَابِ): " البَيِّنَةُ عَلَى الطَّالِبِ، وَاليَمِينُ عَلَى المَطْلُوبِ" (^٢).
وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ ﵀: " أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ" (^٣).
- حِكْمَةُ الحَدِيثِ: أَنَّ الأَحْكَامَ بَينَ النَّاسِ لَو كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ فَإِنَّهُ سَيَاتِي مَنْ يَدَّعِي مَالَ غَيرِهِ -بَلْ وَدَمَهُ أَيضًا-، وَسَتَضِيعُ الحُقُوقُ، وَتُرَاقُ الدِّمَاءُ بِغَيرِ حَقٍّ!
- فِي التَّفْرِيقِ بَينَ المُدَّعِي وَبَينَ المُدَّعَى عَلَيهِ: المُدَّعِي مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ، وَالمُدَّعَى عَلَيهِ مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ، وَقِيلَ: المُدَّعِي هُوَ مَنْ يُخَالِفُ قَولُهُ الظَّاهِرَ.
- قَولُهُ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي»: البَيِّنَةُ: هِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُظهِرُ الحَقَّ وَيُبَيِّنُهُ.
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٣٩)
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢١/ ١٧٣).
(٣) الإِجْمَاعُ (ص: ٦٥).
[ ٣٣٧ ]
- مِن أَمْثِلَةِ البَيِّنَاتِ:
الإِقْرَارُ، وُالشُّهُودِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وَالغَايَةُ مِنْهُمَا تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَينِ عِنْدَ الاخْتِلَافِ.
وَاعْتِبَارُ القَرَائِنِ، كَظَاهِرُ الحَالِ، كَمَنْ يَرْكُضُ هَارِبًا وَعَلَى رَاسِهِ عِمَامَةٌ وَبِيَدِهِ عِمَامَةٌ، وَيَتْبَعُهُ رَجُلٌ لَا عِمَامَةَ عَلَى رَاسِهِ؛ فَظَاهِرُ الحَالِ أَنَّ الأَوَّلَ سَرَقَ
عِمَامَةَ غَيرِهِ.
وَمِنَ القَرَائِنِ أَيضًا فَهْمُ القَاضِي بِالاخْتِبَارِ، كَمَا فِي قِصَّةِ حُكْمِ سُلَيمَانَ ﵊ عَلَى المَرْأَتَينِ فِي الصَّبِيِّ لِأَيِّهِمَا كَانَ.
فَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقَّهُ بَينَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلُ يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» (^١).
- الشَّهَادَةُ هِيَ مِنَ البِيِّنَاتِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ: مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا.
وَيَجُوزُ إِشْهَادُ غَيرِ المُسْلِمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي الوَصِيَّةِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ [المَائِدَة: ١٠٨].
قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀: " يُخْبِرُ تَعَالَى خَبَرًا مُتَضَمِّنًا لِلأَمْرِ بِإِشْهَادِ اثْنَينِ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٧٦٩)، وَمُسْلِمٌ (١٧٢٠).
[ ٣٣٨ ]
عَلَى الوَصِيَّةِ إِذَا حَضَرَ الإِنْسَانَ مُقَدِّمَاتُ المَوتِ وَعَلَائِمُهُ؛ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ، وَيُشْهِدَ عَلَيهَا اثْنَينِ ذَوَي عَدْلٍ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُمَا، ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ أَي: مِنْ غَيرِ أَهْلِ دِينِكُم مِنَ اليَهُودِ أَوِ النَّصَارَى أَو غَيرِهِم، وَذَلِكَ عِنْدَ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ وَعَدَمِ غَيرِهِمَا مِنَ المُسْلِمِينَ" (^١).
وَأَمَّا الحُرِّيَّةُ؛ فَالجُمْهُورُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُون حُرًّا، وَأَجَازُ البَعْضُ شَهَادَةَ العَبْدِ فِي الشَّيءِ التَّافِهِ.
- يُعْتَبَرُ عَدَدُ الشُّهُودِ بِحَسْبِ مَا دَلَّ عَلَيهِ الشَّرْعُ، وَأَحْوَالُهُ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ نَوعِ الحَقِّ:
١ - فِي حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ:
أ- مَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ -كَالبَيعِ وَالإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ-: فَفِيهِ شَاهِدَانِ رَجُلَانِ، أَو رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَو شَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِي.
ب- مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ إِلَّا الرِّجَالُ فِي الغَالِبِ -كَالزَّوَاجِ وَالطَّلَاقِ-: فَفِيهِ شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ.
ج- مَا لَا تَطَّلِعُ عَلَيهِ إِلَّا النِّسَاءُ فِي الغَالِبِ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ -كَالوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ الدَّاخِلِيَّةِ-: فَفِيهِ رَجُلَانِ، أَو رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَو أَرْبَعُ نِسْوَةٍ.
٢ - فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى:
أ- فِي الزِّنَا: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
ب- فِي غَيرِ الزِّنَا مِنَ الحُدُودِ: فَفِيهِ شَاهِدَانِ.
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ٢٤٦)
[ ٣٣٩ ]
ج- فِي هِلَالِ رَمَضَانَ: فَفِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ (^١).
- يُعْتَبَرُ فِي إِثْبَاتِ الرِّضَاعِ شَهَادَةُ الوَاحِدَةِ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ -تَحْتَ بَابِ شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ-، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا! فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «وَكَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟! دَعْهَا عَنْكَ أَو نَحْوَهُ (^٢).
قَالَ الإِمَامُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: " فَيَكُونُ هَذَا الحُكْمُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الشَّهَادَةِ المُعْتَبَرِ فِيهَا العَدَدُ" (^٣).
- قَولُهُ: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»: أَي أَنَّ صَاحِبَ الدَّعْوَى يُطَالَبُ بِالبَيِّنَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَدِيهِ مَا يُبَيِّنُ وَيُؤَيِّدُ دَعْوَاهُ كَانَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا يُرْجَعُ إِلَى يَمِينِهِ إِذَا جَاءَ المُدَّعِي بِالبَيِّنَةِ!
قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: " بَابُ مَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ بَعْدَ اليَمِينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ»، وَقَالَ طَاوُسُ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيحُ: البَيِّنَةُ العَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ اليَمِينِ الفَاجِرَةِ" (^٤).
قَالَ العَينِيُّ ﵀: " وَحَاصِلُ مَعْنَى كَلَامِهِم أَنَّ المُدَّعَى عَلَيهِ إِذَا حَلَفَ دَفَعَ المُدَّعِي بِاليَمِينِ، ثُمَّ إِذَا أَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ المَرْضِيَّةَ -وَهُوَ مَعْنَى العَادِلَةِ- عَلَى
_________________
(١) بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ مِنْ كِتَابِ (الوَجِيزُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ العَزِيزِ) (ص: ٤٧٦) لِلشَّيخِ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ بَدَوِي حَفِظَهُ اللهُ.
(٢) صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢٦٦٠).
(٣) سُبُلُ السَّلَامِ (٢/ ٣١٨).
(٤) البُخَارِيُّ (٣/ ١٨٠).
[ ٣٤٠ ]
دَعْوَاهُ ظَهَرَ أَنَّ يَمِينَ المُدَّعَى عَلَيهِ كَانَتْ فَاجِرَةً -أَي: كَاذِبَةً-، فَسَمَاعُ هَذِهِ البَيِّنَةِ العَادِلَةِ أَولَى بِالقَبُولِ مِنْ تِلْكَ اليَمِينِ الفَاجِرَةِ؛ فَتُسْمَعُ هَذِهِ البَيِّنَةُ وَيُقْضَى بِهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ" (^١).
إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَدَى المُدَّعَى عَلَيهِ بَيِّنَةٌ يُدْلِي بِهَا؛ فيَكُونُ الأَمْرُ لِلقَاضِي فِي الحُكْمِ وَالنَّظَرِ فِي التَّرْجِيحِ بَينَهَا.
- إِنَّ الحَاكِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمُجَرَّدِ رَايِهِ وَلَا بِعِلْمِهِ فِي الوَقَائِعِ! وَإِنَّمَا بِمَا دَلَّتْ عَلَيهِ الدَّلَائِلُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٥].
- إِنَّ حُكْمَ الحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الحَرَامَ! وَإِنَّمَا هُوَ يَقْضِي بِحَسْبِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ.
كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيئًا بِقَولِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ؛ فَلَا يَاخُذْهَا» (^٢).
- قَولُهُ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»: يُسْتَثْنَى مِنْهَا نَوعَانِ:
١ - القَسَامَةُ:
قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: " القَسَامَةُ -بِالفَتْحِ- اليَمِينُ كَالقَسَمِ، وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يُقْسِمَ مِنْ أَولِيَاءِ الدَّمِ خَمْسُونَ نَفَرًا عَلَى اسْتِحْقاقِهِم دَمَ صَاحِبِهِم إِذَا وَجَدُوهُ قَتِيلًا بَينَ قَومٍ
_________________
(١) عُمْدَةُ القَارِي (١٣/ ٢٥٧).
(٢) البُخَارِيُّ (٢٦٨٠)، وَمُسْلِمٌ (١٧١٣).
[ ٣٤١ ]
وَلَمْ يُعْرَفَ قَاتِلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا خَمْسِينَ أقْسَمَ المَوجُودُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا" (^١).
وَوَجْهُ المُخَالَفَةِ فِيهَا لِلأَصْلِ: أَنَّ اليَمِينَ كَانَتْ لِلمُدَّعِي، وَأَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينًا، وَأَنَّ الأَيمَانَ قَدْ تَكُونُ لِشَيءٍ غَيرِ مُشَاهَدٍ.
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِلقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّ أَيمَانَهُم بِمَثَابَةِ البَيِّنَةِ، وَكَثْرَةُ الأَيمَانِ هِيَ لِعِظَمِ شَانِ الدِّمَاءِ، بِخِلَافِ الأَمْوَالِ" (^٢).
٢ - اليَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ:
عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ" (^٣)، حَيثُ جُعِلَ هَذَا يَمِينًا لِلمُدَّعِي.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀: " وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيرِهِمْ؛ رَأَوا: أَنَّ اليَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ جَائِزٌ فِي الحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ، وَهُوَ قَولُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالُوا:
لَا يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ إِلَّا فِي الحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَغَيرِهِمْ أَنْ يُقْضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ" (^٤).
_________________
(١) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٤/ ٦٢). وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَلَا يَكُونُ فِيهِم صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا عَبْدٌ، أَو يُقْسِمُ بِهَا المُتَّهَمُونَ عَلَى نَفْي القَتْلِ عَنْهُم، فَإِنْ حَلَفَ المُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ، وَإِنْ حَلَفَ المُتَّهَمُونَ لَمْ تَلْزمْهُمُ الدِّيَةُ". قُلْتُ: وَحَدِيثُ القَسَامَةِ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٨٨٩)، وَمُسْلِمٌ (١٧١٣).
(٢) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ (ص: ٣٣٢) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٣٤٤). صَحِيحُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (١٣٤٤)، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٧١٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَه.
(٤) التِّرْمِذِيُّ (٣/ ٦٢٠).
[ ٣٤٢ ]
وَقَدْ أَنْكَرَهُ الأَحْنَافُ بِسَبَبِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢] وَقَدْ أَجَابَ الإِسْمَاعِيلِيُّ ﵀ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: " إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّيءِ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ" (^١).
قُلْتُ: وَهَذَانِ النَّوعَانِ كَانَ اليَمِينُ فِيهِمَا عَلَى المُدَّعِي؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هُنَاكَ مُرَجِّحٌ فِي صَفِّ كُلٍّ منِهْمَا، اعْتُبِرَ هَذَا اليَمِينُ.
فَفِي الحَالَةِ الأُولَى هُنَاكَ مَا يُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِـ (اللَّوثِ) كَوُجُودِ الضَّغِينَةِ أَصْلًا بَينَ الطَّرَفَينِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ اللَّوثُ قَرِينَةً، وَفِي الحَالَةِ الثَّانِيَةِ وُجُودُ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ؛ فَإِذَا أُضِيفَ لَهَا اليَمِينُ الجَازِمَةُ عَلَى ذَلِكَ الأَمْرِ قَامَتِ البَيِّنَةُ بِذَلِكَ كَالشَّاهِدَينِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
- قَولُهُ: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»: يُسْتَثْنَى مِنْهَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَينَ الطَّرَفَينِ مُخَالَطَةٌ فَلَا يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عَلَيهِ، وَذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَتَبَذَّلَ السُّفَهَاءُ الكُبَرَاءَ (^٢)؛ فَيُسِيئُونَ إِلَيهِم أَمَامَ النَّاسِ بِالتُّهْمَةِ وَالحَلِفِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: " فَلْيَقِفْ عِنْدَ مَا شَرَطْنَا فِي أَنْ لَا يَقْبَلَ فِيمَنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ، وَعُلِمَتَ بِالْعِلْمِ عِنَايَتُهُ، وَسَلِمَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَلَزِمَ الْمُرُوءَةَ وَالتَّصَاوُنَ، وَكَانَ خَيْرُهُ غَالِبًا، وَشَرُّهُ أَقَلَّ عَمَلِهِ؛ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ قَائِلٍ
لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ إِنْ شَاء الله" (^٣).
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (٥/ ٢٨١).
(٢) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ عَنِ الإِمَامُ مَالِكُ رَحِمَهُمَا اللهُ. جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٣٧).
(٣) جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ (٢/ ١١١٧).
[ ٣٤٣ ]
- أَحْوَالُ الدَّعَاوَى ثَلَاثَةٌ، هِيَ:
١ - مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيهِ: وَفِيهَا حَدِيثُ البَابِ.
٢ - مُدَّعًى عَلَيهِ دُونَ مُدَّعٍ: وَهِيَ مَا كَانَ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، كَمَنْ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، وَالمُطَلِّقُ، وَالنَّاكِحُ؛ فَيُعْتَبَرُ يَمِينُهُ إِذَا اتُّهِمَ.
٣ - مُدَّعٍ دُونَ مُدَّعًى عَلَيهِ: أَي إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ شَيئًا لَيسَ لَهُ صَاحِبٌ مَعْرُوفٌ؛ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ عَلَى صِدْقِهِ، كَاللُّقْطَةِ، وَالغَنِيمَةِ، وَالغُصُوبِ.
٤ - أَكْثَرُ مِن مُدَّعٍ عَلَى شَيءٍ وَاحِدٍ: أَي إِذَا ادَّعَتْ أَطْرَافٌ عَلَى شَيءٍ وَلَيسَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ؛ أُقْرِعَ بَينَهُمَا عَلَى اليَمِينِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَومٍ اليَمِينَ؛ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَينَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ) (^١).
- يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ البَابِ -مِنْ جِهَةِ التَّوحِيدِ- أَنَّ مَنْ كَانَ مُدَّعِيًا مَحَبَّةَ اللهِ تَعَالَى طُولِبَ بِالبَيِّنَةِ، وَهِيَ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عِمْرَان: ٣١].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللهِ -وَلَيسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ-؛ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ حَتَّى يَتَّبِعَ الشَّرْعَ المُحَمَّدِيَّ وَالدِّينَ النَّبَوِيَّ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) "، إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: " ثُمَّ قَالَ آمِرًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ
_________________
(١) البُخَارِيِّ (٢٦٧٤).
[ ٣٤٤ ]
خَاصٍّ وَعَامٍّ: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا﴾ أَي: خَالَفُوا عَنْ أَمْرِهِ ﴿فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَتَهُ فِي الطَّرِيقَةِ كُفْرٌ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ -وَإِنِ ادَّعَى وَزَعَمَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيهِ-! حَتَّى يُتَابِعَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَرَسُولَ اللهِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَينِ الجِنِّ وَالإِنْسِ؛ الَّذِي لَو كَانَ الأَنْبِيَاءُ -بَلِ المُرْسَلُونَ، بَلْ أُولُو العَزْمِ مِنْهُمْ- فِي زَمَانِهِ لَمَا وَسِعَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعُهُ وَالدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ" (^١).
- المُدَّعَى عَلَيهِ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ بِالعَدَمِ، فَلَيسَ عَلَيهِ حَرَجٌ فِي ذَلِكَ، حَيثُ قَدْ يُخْشَى أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَو جَاهِلًا أَو غَابَ عَنْهُ ذَلِكَ العِلْمُ!
كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ -وَقَدْ سَبَقَ، وَاللَّفْظُ هُنَا لِأَبِي دَاوُدَ- عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيسٍ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَرْضٍ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا
أَبُو هَذَا وَهِيَ فِي يَدِهِ. قَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟» قَالَ: لَا؛ وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ -وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ-! فَتَهَيَّأَ الكِنْدِيُّ -يَعْني لِلْيَمِينِ-" وَسَاقَ الحَدِيثَ، وَالشَّاهِدُ قَولُهُ: " أُحَلِّفُهُ؛ وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ" (^٢).
قَالَ الحَافِظُ أَبُو دَاوُد -صَاحِبُ السُّنَنِ-: " بَابُ: الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ فِيمَا غَابَ عَنْهُ" (^٣).
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٣٢).
(٢) أَبُو دَاوُدَ (٣٦٢٢).
(٣) أَبُو دَاوُدَ (٥/ ٤٧٠).
[ ٣٤٥ ]