عَنْ أَبِي مَالِكٍ؛ الحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁؛ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَآنِ -أَو تَمْلَأُ- مَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- الطُّهُورُ -بِضَمِّ الطَّاءِ-: المَقْصُودُ بِهِ التَّطَهُّرُ، أَمَّا الطَّهُورُ -بِالفَتْحِ-: فَإِنَّهُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، يَعْنِي: المَاءَ وَالتُّرَابَ (^٢).
- قَولُهُ: «الطُّهُورُ»: هُوَ الوُضُوءُ، كَمَا دَلَّ عَلَيهِ بَعْضُ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ: شَطْرُ الإِيمَانِ» (^٣).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀تَعْلِيقًا عَلَى قَولِ مَنْ قالَ: إِنَّ الطَّهَارَةَ هُنَا مَعْنَوِيَّةٌ؛ وَهِيَ تَطْهِيرُ النَّفْسِ بِتَرْكِ المَعَاصِي-: " وَهَذَا القَولُ مُحْتَمَلٌ لَولَا أَنَّ رِوَايَةَ «الوُضُوءُ شَطْرُ الإِيمَانِ» تَرُدُّهُ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ «إِسْبَاغِ الوُضُوءِ».
وَأَيضًا فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَعْمَالِ تُطَهِّرُ النَّفْسَ مِنَ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٢٣).
(٢) وَمِثْلُهُ السَّحُورُ، وَالوَضُوءُ -يَعْنِي بِالضَّمِّ وَالفَتْحِ-.
(٣) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٢٤٣٧). صَحِيحُ الجَامِعِ (٩٢٥).
[ ٢٥٩ ]
الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ، كَالصَّلَاةِ؛ فَكَيفَ لَا تَدْخُلُ فِي اسْمِ الطُّهُورِ؟! وَمَتَى دَخَلَتِ الأَعْمَالُ -أَو بَعْضُهَا- فِي اسْمِ الطُّهُورِ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَونُ تَرْكِ الذُّنُوبِ شَطْرَ الإِيمَانِ! وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيهِ الأَكْثَرُونَ: أَنَّ المُرَادَ بِالطُّهُورِ هَاهُنَا: التَّطْهِيرُ بِالمَاءِ مِنَ الأحْدَاثِ، وَكَذَلِكَ بَدَأَ مُسْلِمٌ بِتَخْرِيجِهِ فِي أَبْوَابِ الوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيرُهُمَا" (^١).
- قَولُهُ: «شَطْرُ الإِيمَانِ»: الإِيمَانُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَينِ (^٢):
١ - أَنَّهُ الإِيمَانُ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ.
وَيَدُلُّ لَهُ أَمْرَانِ:
أ- أَنَّ الوُضُوءَ مَعَ الشَّهَادَتَينِ مُوجِبٌ لِفَتْحِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، لِذَلِكَ هُوَ نِصْفُ الإِيمَانِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضُوئِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٣).
ب- أَنَّ الوُضُوءَ مِنْ خِصَالِ الإِيمَانِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لَا يُحَافِظُ عَلَيهَا إِلَّا مُؤْمِنٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيرَ أعْمالِكُم الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الوُضُوءِ إِلَّا مُؤمِنٌ» (^٤).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٧).
(٢) وَقَدْ ذَكَرَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي الجَامِعِ عِدَّةَ مَعَانٍ، وَقَدْ اقْتَصَرْتُ عَلَى أَهَمِّهَا وَأَوضَحِهَا.
(٣) مُسْلِمٌ (٢٣٤).
(٤) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٤٣٦) عَنْ ثَوبَانَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٩٧).
[ ٢٦٠ ]
٢ - أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ الصَّلَاةُ.
وَدَلَّ لِذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ١٤٣] وَالمُرَادُ بِالإِيمَانِ هُنَا صَلَاتُكُم إِلَى بَيتِ المَقْدِسِ، فَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ فَصَارَتْ كَالشَّطْرِ.
- الحَمْدُ: هُوَ وَصْفُ المَحْمُودِ بِالكَمَالِ، مَعَ المَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ.
- (الـ) التَّعْرِيفِ فِي (الحَمْدُ): هَذِهِ لِلاسْتِغْرَاقِ، فَكُلُّ أَنْوَاعِ المَحَامِدِ مُسْتَحَقَّةٌ للهِ تَعَالَى، فَاللهُ تَعَالَى يُحْمَدُ مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ عَلَى أَسْمَائِهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، وَيُحْمَدُ أَيضًا مِنْ جِهَةِ أَفْعَالِهِ الحَكِيمَةِ، وَمن جِهَةِ إِحْسَانِهِ إِلَى خَلْقِهِ، وَرَحْمَتِهِ بِهِم، وَنِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ.
- قَولُهُ: «الحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ»: مَعْنَاهُ أَنَّهَا لِعِظَمِ أَجْرِهَا تَمْلَأُ مِيزَانَ الحَامِدِ للهِ تَعَالَى.
- كَثِيرًا مَا يَقْتَرِنُ التَّسْبِيحُ مَعَ التَّحْمِيدِ فِي صِفَاتِ اللهِ ﷿، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ وَنَفْيٌ -وَالتَّنْزِيهُ لِوَحْدِهِ لَا يُمْدَحُ-؛ فَهُوَ نَفْيٌ مُجَرَّدٌ! لِذَلِكَ اقْتَرَنَ بِالحَمْدِ لِإِثْبَاتِ الكَمَالَاتِ للهِ تَعَالَى، وَهَذَا البَيَانُ جَارٍ عَلَى القَاعِدَةِ المَشْهُورَةِ (التَّخْلِيَةُ تَسْبِقُ التَّحْلِيَةَ).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَلِهَذَا لَمْ يَرِدِ التَّسْبِيحُ مُجَرَّدًا! لَكِنْ مَقْرُونًا بِمَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الكَمَالِ، فَتَارَةً يُقْرَنُ بِالحَمْدِ، كَقَولِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَتَارَةً بِاسْمٍ مِنَ الأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى العَظَمَةِ وَالجَلَالِ، كَقَولِهِ: سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ" (^١).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٨).
[ ٢٦١ ]
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ-: " لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الأَولَى البَدَاءَةُ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأَنَّهُ يتَضَمَّنُ نَفْيَ النَّقَائِصِ عَنِ البَارِي ﷾، ثُمَّ التَّحْمِيدُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الكَمَالِ لَهُ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْي النَّقَائِصِ إِثْبَاتُ الكَمَالِ! ثُمَّ التَّكْبِيرُ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْي النَّقَائِصِ وَإِثْبَاتِ الكَمَالِ أَنْ [لَا] (^١) يَكُونَ هُنَاكَ كَبِيرٌ آخَرُ! ثُمَّ يَخْتِمُ بِالتَّهْلِيلِ الدَّالِّ عَلَى انْفِرَادِهِ ﷾ بِجَمِيعِ ذَلِكَ" (^٢).
- قَولُهُ: «الصَّلَاةُ نُورٌ»: سَبَبُهُ أَمْرَانِ:
١ - الصَّلَاةُ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهَا؛ فَهِيَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَتَهْدِي إِلَى الصَّوَابِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ﴾
[العَنْكَبُوت: ٤٥].
٢ - الصَّلَاةُ نُورٌ لِصَاحِبِهَا المَاشِي إِلَيهَا فِي المَسَاجِدِ يَومَ القِيَامَةِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ الحَدِيثُ «بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَساجِدِ؛ بِالنُّورِ التَّامِّ يَومَ القِيامَةِ» (^٣).
وكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَومَ تَرَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ اليَومَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾
[الحَدِيد: ١٢].
- قَولُهُ: «الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ»: أَي: دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِ المُتَصَدِّقِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ
_________________
(١) فِي أُصُولِ الفَتْحِ المَشْهُورَةِ بِغَيرِ النَّفْي، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا، كَمَا أَكَّدَ ذَلِكَ بَعْضُ مُحَقِّقِي نُسَخِ الفَتْحِ، وَكَذَا أَثْبَتَهَا بَعْضُ مَن نَقَلَ عَنِ الفَتْحِ مِنَ الشُّرَّاحِ.
(٢) فَتْحُ البَارِي (٢/ ٣٢٨).
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٢٣) عَنْ بُرَيدَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٨٢٣).
[ ٢٦٢ ]
المَالَ مَحْبُوبٌ لِلنُّفُوسِ، وَلَا يُبْذَلُ المَحْبُوبُ إِلَّا فِي مَا هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ، وَالصَّدَقَةُ هُنَا هِيَ الزَّكَاةُ -كَمَا فِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ الصَّحِيحِ- (^١).
- قَولُهُ: «الصَّبْرُ ضِيَاءٌ»: الصَّبْرُ هُنَا عَامٌّ، وَقَدْ يَكُونُ مُرَادًا بِهِ الصِّيَامُ لِسَبَبَين:
١ - أَنَّ فِي بَعْضِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَفْظُ «وَالصِّيَامُ ضِيَاءٌ» (^٢).
٢ - أَنَّ الصِّيَامَ لُغَةً هُوَ الإِمْسَاكُ -وَهُوَ الصَّبْرُ عَنِ المُفْطِرَاتِ-، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ شَهْرَ رَمَضَانَ بِشَهْرِ الصَّبْرِ.
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «صَومُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» (^٣).
- قَولُهُ: «الصَّبْرُ ضِيَاءٌ»: لَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ نُورٌ -كَمَا قَالَ فِي الصَّلَاةِ- لِأَنَّ الضِّيَاءَ فِيهِ حَرَارَةٌ، كَمَا قَالَ اللهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُس:٥] فَالشَّمْسُ فِيهَا حَرَارَةٌ، وَالصَّبْرُ فِيهِ حَرَارَةٌ وَمَرَارَةٌ لِأَنَّهُ شَاقٌّ عَلَى النَّفْسِ؛ فَجَعَلَ الصَّبْرَ ضِيَاءً لِمَا يُلَابِسُهُ مِنَ المَشَقَّةِ وَالمُعَانَاةِ.
- قَولُهُ: «القُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَو عَلَيكَ»: أَي أَنَّهُ يُحَاجُّ عَنْكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّوَاسِ بْنِ سِمْعَانَ مَرْفُوعًا «اقْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَاتِي يَومَ القيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَينِ (^٤): البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ؛ فَإِنَّهُمَا يَاتِيَانِ يَومَ القيَامَةِ كَأَنِّهُمَا
_________________
(١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٢٤٣٧). صَحِيحُ الجَامِعِ (٩٢٥).
(٢) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀. جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢١).
(٣) صَحِيحٌ. البَزَّارُ (٢/ ٢٧١) عَنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٨٠٤). وَقَولُهُ «وَحَرَ الصَّدْرِ»: قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ) (٥/ ١٦٠): "غِشَّهُ وَوَسَاوِسَهُ، وَقِيلَ: الحِقْدَ وَالغَيظَ، وَقِيلَ: العَدَاوَةَ، وَقِيلَ: أَشَدَّ الغَضَبِ".
(٤) مَعْنَى (الزَّهْرَاوَينِ): "أَي: المُنِيرَتَانِ، إِمَّا لِهِدَايَتِهِمَا قَارِئَهُمَا، أَو لِمَا يُسَبِّبُهُ أَجْرُهُمَا مِنَ النُّورِ يَومَ القِيَامَةِ". (إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ) لِلْقَاضِي عِيَاض (٣/ ١٧٣).
[ ٢٦٣ ]
غَمَامَتَانِ أَو غَيَايَتَانِ أَو كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ (^١) مِنْ طَيرٍ صَوَافَّ (^٢) يُحَاجَّانِ عَنْ أصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ» (^٣).
- القُرْآنُ يَكُونُ حُجَّةً لِصَاحِبِهِ عِنْدَمَا يَتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، أَي: يُؤْمِنُ بِمُتَشَابِهِهِ، وَيَعْمَلُ بِمُحْكَمِهِ، وَيُحِلُّ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُ حَرَامَهُ.
- قَولُهُ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو»: الغُدُوُّ: هُوَ السَّيرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ (^٤).
- قَولُهُ: «فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا»: المُعْتِقُ لِنَفْسِهِ هُوَ مَنْ قَامَ بِطَاعَةِ اللهِ، كَمَا قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٠٧].
وَالَّذِي أَوْبَقَهَا: هُوَ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِطَاعَةِ اللهِ ﷿؛ فَهَذَا مُوبِقٌ لَهَا، أَي: مُهْلِكٌ لَهَا.
- تَنْبِيهٌ:
وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٢١] فَإِنَّ المُرَادَ بِالتِّلَاوَةِ الاتِّبَاعُ وَلَيسَ مُطْلَقَ القِرَاءَةِ أَوْ حُسْنَ التَّجْوِيدِ لَهَا!
قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀: " وَالصَّوَابُ مِنَ القَولِ فِي تَاوِيلِ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى: (يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ) مِن قَولِ القَائِلِ: مَا زِلْتُ أَتْلُو أَثَرَهُ؛ إِذَا اتَّبَعَ أَثَرَهُ، لِإِجْمَاعِ
_________________
(١) أَي: جَمَاعَتَانِ.
(٢) أَي: طَيرٌ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا.
(٣) مُسْلِمٌ (٨٠٤).
(٤) وَالرَّوَاحُ: الرُّجُوعُ فِي آخِرِهِ.
[ ٢٦٤ ]
الحُجَّةِ مِن أَهْلِ التَّاوِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَاوِيلُهُ" (^١)، وَنَقَلَ ﵀ هَذَا التَّفْسِيرَ -بِإِسْنَادِهِ- عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ ﵃.
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ -السَّابِقِ- «يَاتِي القُرْآنُ وَأَهْلُهُ -الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا- تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ» فَبَانَتْ فِي الحَدِيثِ صِفَةُ أَهْلِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ وَالَّذِينَ هُمْ أَهْلُ اتِّبَاعِهِ.
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ -: " أَي: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، وَالتِّلَاوَةُ: الاتِّبَاعُ، فَيُحِلُّونَ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ" (^٢).
_________________
(١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٢/ ٥٦٩).
(٢) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ٦٥).
[ ٢٦٥ ]