عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُما كُنْتَ، وَأَتَّبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنِ». رَوَاهُ التِّرمِذيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (^١).
- هَذِهِ الوَصِيَّةُ وَصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ بَينَ حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَحَقِّ عِبَادِهِ.
- قَولُهُ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنْتَ»: هَذَا أَمْرٌ بِالتَّقْوَى، وَ(حَيثُمَا) هَذِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ الأَمْكِنَةِ، يَعْنِي فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ.
وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ «اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ» (^٢).
وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: " أَشَدُّ الأَعْمَالِ ثَلَاثَةٌ: الجُودُ مِنْ قِلَّةٍ، وَالوَرَعُ فِي خَلْوَةٍ، وَكَلِمَةُ الحَقِّ عِنْدَ مَنْ يُرْجَى أَو يُخَافُ" (^٣).
- المُتَّقِي لُغَةً: هُوَ مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ مَا يَكْرَهُ وِقَايَةً، وَشَرْعًا: مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ سَخَطِ اللهِ وَعَذَابِهِ وِقَايَةً.
_________________
(١) حَسَنٌ، التِّرْمِذِيُّ (١٩٨٧). صَحِيحُ الجَامِعِ (٩٧).
(٢) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (١٣٠٥) عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (١٣٠٥).
(٣) ابْنُ عَسَاكِرٍ فِي التَّارِيخِ (٥١/ ٤١١).
[ ٢٢٤ ]
- التَّقْوَى فِي القُرْآنِ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ:
١ - تَقْوًى بِمَعْنَى التَّوحِيدِ، وَقَدْ أُمِرَ بِهَا النَّاسُ جَمِيعًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء:١].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا خَلْقَهُ بِتَقْوَاهُ -وَهِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَمُنَبِّهًا لَهُم عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُم بِهَا مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ آدَمَ ﵇" (^١).
٢ - تَقْوًى أُمِرَ بِهَا المُؤْمِنُونَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٨]، فَهِيَ لِلمُؤْمِنِ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ التَّوحِيدَ، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
٣ - تَقْوًى بِمَعْنَى الثَّبَاتِ عَلَيهَا وَعَلَى الطَّاعَةِ، فَهِيَ مُوَجَّهَةٌ لِمَنْ هُوَ آتٍ بِهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ١].
- التَّقْوَى لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " كَمْ مِنْ
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٢٠٦).
[ ٢٢٥ ]
مُرِيدٍ لِلْخَيرِ لَنْ يُصِيبَهُ؟! " (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " أَي: كَمَا بَيَّنَ اللهُ الصِّيَامَ وَأَحْكَامَهُ وَشَرَائِعَهُ وَتَفَاصِيلَهُ؛ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ سَائِرَ الأَحْكَامِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أَي: يَعْرِفُونَ كَيفَ يَهْتَدُونَ، وكَيفَ يُطِيعُونَ" (^٢).
- قَولُهُ: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا»: أَي: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا بِحَسَنَةٍ؛ فَإِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السِّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هُود: ١١٤].
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُود: ١١٤]، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٣).
- تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ عَلَى مَرْتَبَتَينِ:
١ - العُلْيَا؛ وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ بِالحَسَنَةِ إِذْهَابَ السَّيِّئَةِ؛ فَعِنْدَهَا يَتَبَرَّأُ بِقَلْبِهِ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ.
٢ - أَنْ يَعْمَلَ بِالخَيرِ مُطْلَقًا؛ وَالحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ.
- قَولُهُ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنِ»: هَذَا مِنْ خِصَالِ التَّقْوَى، وَأَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلحَاجَةِ إِلَى بَيَانِهِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ القِيَامُ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى
_________________
(١) صَحِيحٌ. الدَّارِمِيُّ (٢١٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا. الصَّحِيحَةُ (٢٠٠٥).
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٥٢٠)
(٣) البُخَارِيُّ (٥٢٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٦٣).
[ ٢٢٦ ]
دُونَ حُقُوقِ عِبَادِهِ! أَو لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَغْفَلُ العَبْدُ عَنْ حُقُوقِ العِبَادِ لِاشْتِغَالِهِ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ فَجَاءَ البَيَانُ بالأَمْرِ بِإِحْسَانِ العِشْرَةِ لِلنَّاسِ أَيضًا، فَإِنَّ مُعَاذًا كَانَ قَدْ بُعِثَ إِلَى اليَمَنِ مُعَلِّمًا لَهُم وَمُفَقِّهًا وَقَاضِيًا؛ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَالَقَةِ النَّاسِ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، وَكَثِيرًا مَا يَغْلِبُ عَلَى مَنْ يَعْتَنِي بِالقِيَامِ بِحَقِّ اللهِ تَعَالَى وَالعُكُوفِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ وَطَاعَتِهِ إِهْمَالُ حُقُوقِ العِبَادِ بِالكُلِّيَّةِ أَوِ التَّقْصِيرُ فِيهَا! فَالجَمْعُ بَينَ القِيَامِ بِحَقِّ اللهِ وَحُقُوقِ النَّاسِ عَزِيزٌ جِدًّا (^١).
- فِي فَضْلِ حُسْنِ الخُلُقِ أَحَادِيثُ كَثِيرْةٌ، مِنْهَا:
١ - «أكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، المُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَالَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا خَيرَ فِيمَنْ لَا يَالَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» (^٢).
٢ - «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يُعَمِّرْنَ الدِّيَارَ، وَيَزِدْنَ فِي الأَعْمَارِ» (^٣).
٣ - «أَكْثَرُ مَا يَلِجُ بِهِ الإِنْسَانُ النَّارَ الأَجْوَفَانِ: الفَمُ وَالفَرْجُ، وَأَكْثَرُ مَا يَلِجُ بِهِ الإِنْسَانُ الجَنَّةَ: تَقْوَى اللهِ ﷿، وَحُسْنُ الخُلُقِ» (^٤).
- فَائِدَةٌ:
لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَنَّ السَّيِّئَاتِ العَظِيمَةَ تَحْتَاجُ لِحَسَنَاتٍ عَظِيمَةٍ لِتَكْفِيرِهَا.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ الَّتِي عَمِلَتْ بِالسِّحْرِ
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٤٥٤) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ (٦٠٥) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٧٥١).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٥٢٥٩) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥١٩).
(٤) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٩٠٩٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٧٧).
[ ٢٢٧ ]
بِدَومَةِ الجَنْدَلِ وَقَدِمَتِ المَدِينَةَ تَسْأَلُ عَنْ تَوبَتِهَا؛ فَوَجَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ تُوُفِّيَ، فَقَالَ لَهَا أَصْحَابُهُ: " لَو كَانَ أَبَوَاكِ حَيَّينِ أَو أَحَدُهُمَا كَانَا يَكْفِيَانِكِ". خَرَّجَهُ الحَاكِمُ، وَقَالَ: فِيهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حِدْثَانَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى أَنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ يَكْفِيَانِهَا" (^١).
وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى! فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ! فَلْيَتَصَدَّقْ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوصِنِي؟ قَالَ: «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَمِنَ الحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ الحَسَنَاتِ» (^٣).
- ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مُكَفِّرَةٌ لِلصَّغَائِرِ بِشَرْطِ اجْتِنَابِ الكَبَائِرِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٣١]، وَلِحَدِيثِ «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ؛ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» (^٤) وَمَفْهُومُ هَذَا أَيضًا أَنَّ الكَبَائِرَ لَا تُكَفَّرُ إِلَّا بِتَوبَةٍ خَاصَّةٍ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ تَكْفِيرِ بَعْضِ الأَعْمَالِ لِلكَبَائِرِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَضَمُّنِ تَوبَةٍ
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٤٣٦). وَالأَثَرُ رَوَاهُ الحَاكِمُ بِرَقَم (٧٢٦٢)، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٦١): "هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ إِلَى عَائِشَةَ".
(٢) البُخَارِيُّ (٦٦٥٠)، وَمُسْلِمٌ (١٦٤٧).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤٨٧). الصَّحِيحَةُ (١٣٧٣).
(٤) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٢٢٨ ]
خَاصَّةٍ لِهَذَا الذَّنْبِ، أَو أَنْ يَكُونَ العَمَلُ المُكَفِّرُ لِلذُّنُوبِ عَمَلًا مُمَيَّزًا دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى عَظَمَةِ أَجْرِهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يُكفِّرُ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ مَعًا؛ وَلَكِنْ بِشَرْطِ الإِتْيَانِ بِهَا بِكَمَالِهَا، وَفِي هَذِهِ الحَالَةِ يَكُونُ عَمَلُهُ مَقْرُونًا بِتَوبَةٍ تُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ (^١)، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي اليَسَرِ؛ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ وَالثُّلُثَ وَالرُّبُعَ وَالخُمُسَ» حَتَّى بَلَغَ العُشُرَ (^٢)، وَعَلَى هَذَا فَالصَّلَاةُ الكَامِلَةُ هِيَ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ دُونَ مَا كَانَ فِيهَا تَقْصِيرٌ، وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) الَّتِي يَدْخُلُ صَاحِبُهَا بِهَا الجَّنَّةَ وَيَحْرُمُ مُطْلَقًا عَلَى النَّارِ؛ هِيَ الخَالِصَةُ المَقْرُونَةُ باِلتَّوبَةِ النَّصُوحِ.
قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَن آل الشَّيخِ ﵀نَقْلًا عَنْ شَيخِ الإِسْلَام رَحِمَهُمَا اللهُ-: " فِإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا [يَعْنِي كَلِمَةَ التَّوحِيدِ" بِإِخْلَاصٍ وَيَقِينٍ تَامٍّ؛ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الحَالِ مُصِرًّا عَلَى ذَنْبٍ أَصْلًا! فَإِنَّ كَمَالَ إِخْلَاصِهِ وَيَقِينِهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ اللهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ؛ فَإِذَن لَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ إِرَادَةٌ لِمَا حَرَّمَ اللهُ، وَلَا كَرَاهَةٌ لِمَا أَمَرَ اللهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ -وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ قَبْلَ ذَلِكَ-، فَإِنَّ هَذَا الإِيمَانَ وَهَذَا الإِخْلَاصَ وَهَذِهِ التَّوبَةَ وَهَذِهِ المَحَبَّةَ وَهَذَا اليَقِينَ لَا تَتْرُكُ لَهُ ذَنْبًا إِلَّا مُحِيَ عَنْهُ كَمَا يَمْحُو اللَّيلُ النَّهَارَ؛ فَإِذَا قَالَهَا عَلَى وَجْهِ الكَمَالِ
_________________
(١) اُنْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ لِلْأَلْبَانِيِّ (ش: ٦٢٢).
(٢) حَسَنٌ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (٦١٦). وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيرِهِ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٥٣٨).
[ ٢٢٩ ]
-المَانِعِ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ-؛ فَهَذَا غَيرُ مُصِرٍّ عَلَى ذَنْبٍ أَصْلًا؛ فَيُغْفَرُ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَى النَّارِ" (^١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابَةِ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ- وَفِيهِ «فَجَزَاؤُهَا بِمِثْلِهَا أَو أَغْفِر»: " وَفِيهِ رَدٌّ لِقَولِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الكَبَائِرَ لَا تُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوبَةِ! " (^٢).
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُم عَلَى تَكْفِيرِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِلكَبَائِرِ أَيضًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ فِي الصَّحِيحَينِ مَرْفُوعًا «أَرَأَيتُمْ لَو أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَومٍ خَمْسًا؛ مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟» قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيئًا. قَالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؛ يَمْحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا» (^٣).
وَرَدَّ عَلَى هَذَا الاسْتِدْلَالِ الأَوَّلُونَ: " يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ أَنَّ المُرَادَ الصَّغَائِرُ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ شَبَّهَ الخَطَايَا بِالدَّرَنِ، وَالدَّرَنُ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنَ القُرُوحِ وَالجِرَاحَاتِ" (^٤).
وَرَدَّ الآخَرُونَ عَلَى هَذَا الاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ الغَسْلَ يَذْهَبُ فِيهِ الوَسَخُ الكَبِيرُ الوَاضِحُ قَبْلَ الصَّغِيرِ، وَلُغَةُ الحَدِيثِ تَشْهَدُ بِذَلِكَ فِي قَولِهِ: «مِنْ دَرَنِهِ» و-دَرَنُهُ- هُنَا تُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأَنَّ المُفرَدَ المُضافَ يَعُمُّ، وَأَيضًا قَولُهُ: «لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيئًا» فَـ -شَيئًا- نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتُفِيدُ العُمُومَ.
_________________
(١) فَتْحُ المَجِيدِ (ص: ٤٧).
(٢) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٣٢٨).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٢٨)، وَمُسْلِمٌ (٦٦٧).
(٤) انْظُر (فَتْحُ البَارِي) لِابْنِ حَجَرٍ (٢/ ١٢).
[ ٢٣٠ ]
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَلَيسَ هَذَا بِمُسْتَبْعَدٍ؛ فَفَضْلُ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتُهُ أَوسَعُ مِنْ أَنْ يُحِيط بِهِ عِلْمُ إِنْسَانٍ! اللَّهُمَّ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيتَ عَلَى نَفْسِكَ.
[ ٢٣١ ]