عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلِيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلِيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيهِ، ولا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
- تَمَامُ الحَدِيثِ فِي البُخَارِيِّ فِيهِ «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوتَ؛ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».
- قَولُهُ: «مَنْ عَادَى»: يَعْنِي اتَّخَذَ الوَلِيَّ عَدُوًّا وَأَبْغَضَهُ.
- الوَلِيُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ هُوَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ؛ لَيسَ بِنَبِيٍّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يُونُس: ٦٢، ٦٣].
- الوَلَايَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ:
١ - وَلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَهَذِهِ للهِ ﷿، لَا تَصْلُحُ لِغَيرِهِ، كَالسِّيَادَةِ المُطْلَقَةِ.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٥٠٢)، وَفِي الحَدِيثِ كَلَامٌ، وَسَيَاتِي. الصَّحِيحَةُ (١٦٤٠).
[ ٤١٧ ]
وَوَلَايَةُ اللهِ لِعِبَادِهِ أَيضًا نَوعَان:
أ- عَامَّةٌ: وَهِيَ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَولَاهُمُ الحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يُونُس: ٣٠]، فجَعَلَ تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَلَايَةً عَلَى هَؤُلَاءِ المُفْتَرِينَ؛ فَهَذِهِ وَلَايَةٌ عَامَّةٌ، فاللهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عِبَادَهُ بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيرِ ذَلِكَ.
ب- خَاصَّةٌ: وَهِيَ أَنْ يَتَوَلَّى اللهُ العَبْدَ بِعِنَايَتِهِ وَتَوفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ المُرَادَةُ فِي الحَدِيثِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَولَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لَا مَولَى لَهُمْ﴾ [مُحَمَّد:١١].
٢ - وَلَايَةٌ مُقَيَّدَةٌ مُضَافَةٌ: وَهَذِهِ يَجُوزُ أَنْ تُطْلَقَ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَلَهَا فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: النَّاصِرُ، وَالمُتَوَلِّي لِلأُمُورِ، وَالسَّيِّدُ، وَالعَتِيقُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَولَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾
[التَّحْرِيم: ٤].
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ! وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَولَايَ. وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي! وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (^١).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "وَعَلَيهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِاسْتِنْكَارِ بَعْضِ النَّاسِ لِمَنْ خَاطَبَ مَلِكًا بِقَولِهِ: مَولَايَ! لِأَنَّ المُرَادَ بِمَولَايَ أَي: مُتَوَلِّي أَمْرِي،
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٥٥٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٤٩).
[ ٤١٨ ]
وَلَا شَكَّ أَنَّ رَئِيسَ الدَّولَةِ يَتَوَلَّى أُمُورَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩] " (^١).
- قَولُهُ: «آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ»: أَي: أَعْلَمْتُهُ، وَمَعْنَى إِعْلَامِهِ بِالحَرْبِ: أَي: تَعَرُّضُهُ لِإِهْلَاكِ اللهِ تَعَالَى لَهُ.
- فِي الحَدِيثِ أَنَّ مُعَادَاةَ أَولِيَاءِ اللهِ هِيَ مِنْ كَبَائِرِ الذّنُوبِ؛ لقَولِهِ: «فَقَدْ آذَنتُهُ بِالحَرْبِ»، وَهَذِهِ عُقُوبَةٌ خَاصَّةٌ عَلَى عَمَلٍ خَاصٍّ؛ فَيَكُونُ هَذَا العَمَلُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَمِثْلُهُ مِنَ الذُّنُوبِ آكِلُ الرِّبَا وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ (^٢).
- إِنَّ بِتَفَاضُلِ الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى تَتَفَاضَلُ الوَلَايَةُ للهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحُجُرَات: ١٣].
- قَسَمَ اللهُ تَعَالَى أَولِيَاءَهُ المُقَرَّبينَ إِلَى دَرَجَتَينِ:
١ - دَرَجَةِ المُقْتَصِدِينَ: وَهُمُ المُتَقَرِّبُونَ إِلَيهِ بِأَدَاءِ الفَرَائِضِ، وَيَشْمَلَ ذَلِكَ فِعْلَ الوَاجِبَاتِ وَتَرْكَ المُحَرَّمَاتِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ الَّتِي افْتَرَضَهَا عَلَى عِبَادِهِ.
٢ - دَرَجَةِ السَّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ: وَهُمُ الَّذِينَ تَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ -بَعْدَ الفَرَائِضِ-
_________________
(١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٣٤٣).
(٢) فَآكِلُ الرِّبَا فِيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٩]. وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ فِيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المَائِدَة: ٣٣].
[ ٤١٩ ]
بِالاجْتِهَادِ فِي نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ، وَالكَفِّ عَنْ دَقَائِقِ المَكْرُوهَاتِ.
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ يُوصِلُ إِلَى التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَوَلَايَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ سِوَى طَاعَتِهِ سُبْحَانَهُ الَّتِي شَرَعَهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ؛ فَمَنِ ادَّعَى وَلَايَةَ اللهِ وَالتَّقَرُّبَ إِلَيهِ وَمَحَبَّتَهُ بِغَيرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ؛ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ.
- الفَائِدَة الأُولَى: فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوتَ! قَالَ: «لَيسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ؛ فَلَيسَ شَيءٌ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ. وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ؛ فَلَيسَ شَيءٌ أَكْرَهَ إِلَيهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (^١).
- الفَائِدَة الثَّانِيَة: مُعَادَاةُ الوَلِيِّ عَلَى قِسْمَينِ:
أ- إِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ وَلَايَتِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي عَلَيهِ الحَدِيثُ.
ب- إِنْ كَانَ نِزَاعًا فِي مُخَاصَمَةٍ أَو مُحَاكَمَةٍ تَرْجِعُ إِلَى اسْتِخْرَاجِ حَقٍّ أَو كَشْفِ غَامِضٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الحَدِيثِ، وَإِنَّهُ جَرَى بَينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُشَاجَرَةٌ، وَبَينَ العَبَّاسِ وَعَلِيٍّ، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الوَقَائِعِ الَّتِي لَا تَقْدَحُ فِي أَصْحَابِهَا.
- الفَائِدَة الثَّالِثَة: فِي الحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَا يُسَمَّى بِخَاصَّةِ الخَاصَّةِ مِنَ النَّاسِ -وُفْقَ مَا يُعَرِّفُهُ بِهِ غُلَاةُ المُتَصَوِّفَةِ-! وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ لَهُم أَنْ يَسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى
شَيئًا -عَلَى حَدِّ زَعْمِهِم-؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي يَقِينِهِم بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ أَعْلَمُ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٥٠٧).
[ ٤٢٠ ]
بِأَحْوَالِهِم مِنْهُم!
وَالرَّدُّ عليهم هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
أ- مِنْ جِهَةِ أَنَّ نَفْسَ سُؤَالِ العَبْدِ للهِ تَعَالَى هُوَ عِبَادَةٌ، وَفِي الحَدِيثِ «إنَّهُ مَنْ لم يَسْأَلِ اللهِ يَغضَبْ عَلَيهِ» (^١).
بَلْ إِنَّ ذِكْرَ ضَعْفِ العَبْدِ وَافْتِقَارِهِ وَإِنْزَالَ حَوَائِجِهِ بِاللهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ نَوعُ تَوَسُّلٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٨٣، ٨٤].
ب- مِنْ جِهَةِ أَنَّ العَبْدَ إِذَا صَارَ مِنْ أَهْلِ وَلَايَةِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يَمْتَنِعْ -كَمَا دَلَّ عَلَيهِ الحَدِيثُ- أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ حَوَائِجَهُ وَيَسْتَعِيذَ بِهِ مِمَّنْ يَخَافُهُ! وَاللهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ وَأَنْ يُعِيذَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعيذَ بِهِ، وَفِي القُرْآنِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً مِنْ دُعَاءِ الأَنْبِيَاءِ لِرَبِّهِم ﷻ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٣٧٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٦٥٤).
[ ٤٢١ ]
- تَنْبِيهٌ:
الحَدِيثُ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ الَّذِي فِي البُخَارِيِّ، لَكِنْ لَهُ طُرُقٌ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى الصَّحِيحِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ كَرَامَةَ عَنْ خَالِدٍ، وَلَيسَ هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مَعَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَخْلَدٍ القَطَوَانِيَّ تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ، وَقَالُوا: لَهُ مَنَاكِيرُ! وَعَطَاءُ الَّذِي فِي إِسْنَادِهِ قِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ يَسَارٍ، وَإِنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الصَّحِيحِ مَنْسُوبًا كَذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ لَا تَخْلُو كُلُّهَا عَنْ مَقَالٍ" (^١).
قَالَ الشَّيخُ المُحَدِّثُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: " قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مِنَ الأَسَانِيدِ القَلِيلَةِ الَّتِي انْتَقَدَهَا العُلَمَاءُ عَلَى البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (^٢)، فَقَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ هَذَا -وَهُوَ القَطْوَانِيُّ- بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اخْتِلَافَ العُلَمَاءِ فِي تَوثِيقِهِ وَتَضْعِيفِهِ وَسَاقَ لَهُ أَحَادِيثَ تَفَرَّدَ بِهَا؛ وَهَذَا مِنْهَا: (فَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَولَا هَيبَةُ الجَامِعِ الصَحِيحِ (!) لَعَدَدْتُهُ فِي مُنْكَرَاتِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَذَلِكَ لِغَرَابَةِ لَفْظِهِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ شَرِيكُ -وَلَيسَ بِالحَافِظِ-، وَلَمْ يُرْوَ هَذَا المَتْنُ إِلَّا بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَا أَخْرَجَهُ مَنْ عَدَا البُخَارِيِّ،
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٣٠).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِير ﵀: "ثُمَّ حَكَى [يعني: ابْنَ الصَّلَاحِ] أَنَّ الأُمَّةَ تَلَقَّتْ هَذَينِ الكِتَابَينِ بِالقَبُولِ سِوَى أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ انْتَقَدَهَا بَعْضُ الحُفَّاظِ كَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيرِهِ، ثُمَّ اسْتَنْبَطَ مِنْ ذَلِكَ القَطْعَ بِصِحَّةِ مَا فِيهِمَا مِنَ الأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ الأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ عَنِ الخَطَأِ، فَمَا ظَنَّتْ صِحَّتَهُ وَوَجَبَ عَلَيهَا العَمَلُ بِهِ؛ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الأَمْرِ، وَهَذَا جَيِّدٌ". البَاعِثُ الحَثِيثُ (ص: ٣٥).
[ ٤٢٢ ]
وَلَا أَظُنُّهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَطَاءَ، فَقِيلَ: هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ). وَنَقَلَ كَلَامَهُ هَذَا بِشَيءٍ مِنَ الاخْتِصَارِ الحَافِظُ فِي الفتح، ثُمَّ قَالَ: (قُلْتُ: لَيسَ هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ جَزْمًا، وَإِطْلَاقُ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا المَتْنُ إِلَّا بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْدُودٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَشَرِيكُ -شَيخُ شَيخِ خَالِدٍ- فِيهِ مَقَالٌ أَيضًا، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ المِعْرَاجِ الَّذِي زَادَ فِيهِ وَنَقَصَ وَقدَّمَ وَأَخَّرَ وَتفرَّدَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيهَا -كَمَا يَاتِي القَولُ فِيهِ مُسْتَوعَبًا فِي مَكَانِهِ-، وَلَكِنْ لِلحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا) (^١) " (^٢).
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٣٤١).
(٢) الصَّحِيحَةُ (١٦٤٠).
[ ٤٢٣ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلِ اسْتِجَابَةُ اللهِ تَعَالَى لِدُعَاءِ الدَّاعِي هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَادَامَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الأَوصَافِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الحَدِيثِ؟
الجَوَابُ: لا، لِأَنَّ النُّصُوصَ يُقَيِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ لَهَا شُرُوطٌ وَأَنْوَاعٌ:
وَالشُّرُوطُ هِيَ:
١ - أَنَّ لَا يَكُونَ الدُّعَاءُ فِيهِ إِثْمٌ. ٢ - أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ قَطِيعَةُ رَحِمٍ.
٣ - أَنْ لَا يَسْتَعجِلَ الإِجَابَةَ فَيُؤَدِّي بِهِ لِتَرْكِ الدُّعَاءِ إِذَا لَمْ تُعَجَّلْ لَهُ!
٤ - حُضُورُ القَلْبِ فِي الدُّعَاءِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ «اُدْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^١).
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوقُوفًا " لَا يَسْمَعُ اللَّهُ مِنْ مُسْمِعٍ، وَلَا مُرَاءٍ، وَلَا لَاعِبٍ؛ إِلَّا داعٍ دَعَا يَثْبُتُ مِنْ قَلْبِهِ" (^٢).
٥ - الرَّجَاءُ مَعَ الدُّعَاءِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «يَا ابْنَ آَدَمَ؛ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِي وَرَجَوتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي» (^٣) (^٤).
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٩٤).
(٢) صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٤٧٣).
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٤٠) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٢٧).
(٤) وَهُنَاكَ مَوَانِعُ لِلإِجَابَةِ وَآدَابٌ أُخَرُ سَبَقَ الكَلَامُ عَلَيهَا فِي شَرْحِ الحَدِيثِ العَاشِرِ بِحَمْدِ اللهِ.
[ ٤٢٤ ]
وَالإِجَابَةُ أَنْوَاعٌ هِيَ:
١ - أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ فِي الحَاضِرِ.
٢ - أَنْ يُصْرَفَ بِهَا مِنَ السُّوءِ عَنِ المُسْلِمِ مِثْلُهَا.
٣ - أَنْ يُدَّخَرَ جَوَابُهَا إِلَى الآخِرَةِ.
وَفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِمِثْلِهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ» (^١).
وَفِي الحَدِيثِ أَيضًا «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِلَّهِ -يَسْأَلُهُ مَسْأَلَةً- إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا، إِمَّا عَجَّلَهَا لَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا ادَّخَرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدْ دَعَوتُ وَدَعَوتُ فَلَا أَرَاهُ يُسْتَجَابُ» (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٠) تَحْتَ بَابِ «مَا يُدَّخَرُ لِلدَّاعِي مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ» عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٠).
(٢) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥١).
[ ٤٢٥ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَدْ رَدَّ هَذَا الحَدِيثَ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ؛ وَقَالُوا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالتّرَدُّدِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَرَدَّدُ مَنْ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ، وَاللهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالعَوَاقِبِ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ: إِنَّ التَّرَدُّدَ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالعَوَاقِبِ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَا فِي الفِعْلَينِ مِنَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ؛ فَيُرِيدُ الفِعْلَ لِمَا فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وَيَكْرَهُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ لَا لِجَهْلِهِ بِهِ! وَهُوَ الوَجْهُ هُنَا؛ فَإِنَّ العَبْدَ الَّذِي صَارَ مَحْبُوبًا للهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ اللهَ يَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ قَضَى بِالمَوتِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ؛ وَهَذَا مَكْرُوهٌ مِنْ جِهَةِ حَبِيبِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي سُمِّيَ تَرَدُّدًا فِي الحَدِيثِ (^١) (^٢).
_________________
(١) انْظُرْ مَجْمُوعَ الفَتَاوَى (١٨/ ١٢٩) لِشَيخِ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٢) وَذَهَبَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ ﵀ وَغَيُرُهُ إِلَى مَعْنَيِينِ آخَرَينِ، فَقَالَ ﵀: "وَتَاوِيلُهُ عَلَى وَجْهَينِ، أَحَدِهِمَا: إِنَّ العَبْدَ قَدْ يُشْرِفُ فِي أَيَّامِ عُمُرِهِ عَلَى المَهَالِكِ مَرَّاتٍ ذَاتِ عَدَدٍ؛ مِنْ آفَةٍ تَنْزِلُ بِهِ، أَو دَاءٍ يُصِيبُهُ؛ فَيَدْعُو اللهَ، فَيَشْفِيهِ مِنْهَا؛ فَهُوَ المُرَادُ مِنَ التَّرَدُّدِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، وَهَذَا عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ «أَنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ البَلاءَ». وَالوَجْهِ الأَخَرِ: أَنْ يَكُونَ المُرَادُ مِنْهُ تَرْدِيدَ الرُّسُلِ، مَعْنَاهُ: مَا رَدَدْتُ رُسُلِي فِي شَيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرْدِيدِي إِيَّاهُمْ فِي نَفْسِ المُؤْمِنِ، كَمَا رُوِيَ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى وَإِرْسَالِ مَلَكِ المَوتِ إِلَيهِ، وَلَطْمِهِ عَينَهُ، ثُمَّ رَدِّهُ إِلَيهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَحَقِيقَةُ المَعْنَى فِي الوَجْهَينِ عَطْفُ اللهِ ﷿ عَلَى العَبْدِ، وَلُطْفُهُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ". شَرْحُ السُّنَّةِ (٥/ ٢٠).
[ ٤٢٦ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يُحْمَلُ الحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا»؟
الجَوَابُ: نَعَمْ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ حَقِيقَتُهُ، وَلَكِنْ مَا ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ؟
هَلْ يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَكُونُ نَفْسَ سَمْعِ الوَلِيِّ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ؟ أَو يُقَالُ: إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجلِهِ بِحَيثُ يَكُونُ إِدْرَاكُهُ وَعَمَلُهُ للهِ وَبِاللهِ وَفِي اللهِ؟
لَا رَيبَ أَنَّ القَولَ الأَوَّلَ لَيسَ هُوَ ظَاهِرُ الكَلَامِ، بَلْ وَلَا يَقْتَضِيهِ الكَلَامُ لِمَنْ تَدَبَّرَ الحَدِيثَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ»، وَقَالَ: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ» فَأَثْبَتَ عَبْدًا وَمَعْبُودًا، وَمُتَقَرِّبًا وَمُتَقَرَّبًا إِلَيهِ، وَمُحِبًّا وَمَحْبُوبًا، وَسَائِلًا وَمَسْئُولًا، وَمُعْطِيًا وَمُعْطًى، وَمُسْتَعِيذًا وَمُسْتَعَاذًا بِهِ، فَسِيَاقُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى اثْنَينِ مُتَبَايِنَينِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيرُ الآخَرِ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ القَولِ الأَوَّلِ وَامْتِنَاعُهُ تَعَيَّنَ القَولُ الثَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الحَدِيثِ حَيثُ جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِثَابَةِ وَالإِعَانَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَدِّدُ هَذَا الوَلِيَّ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَمَلِهِ، وَهَذَا مَا فَسَّرَهُ بِهِ السَّلَفُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمُوَافِقٌ لِحَقِيقَتِهِ، وَمُتَعَيِّنٌ بِسِيَاقِهِ، وَلَيسَ فِيهِ تَاوِيلٌ وَلَا صَرْفٌ لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ. وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ (^١) (^٢).
_________________
(١) المُجَلَّى فِي شَرْحِ القَوَاعِدِ المُثْلَى لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٢٨٤) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَولُ القَائِلِ: جَعَلَ الوَزِيرُ فُلَانًا يَدَهُ اليُمْنَى، وَفُلَانًا عَيْنَهُ، فَمَا هُوَ ظاهِرُ هَذَا الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ وُفْقَ اللِّسَانِ العَرَبِيِّ وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ العَالِمِ أَوِ العَامِيِّ؟ وَفِي الجَوَابِ هُنَا الجَوَابُ هُنَاكَ.
(٢) وَفِي الجَوَابِ عَنِ الحَدِيث أَقْوَالٌ أُخْرُ؛ مِنْهَا: إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا كَانَ وَلِيًّا للهِ ﷿ حَفِظَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ وَ، فَلَا يَسْتَخْدِمُهَا إِلَّا فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَالَ الطُّوفِيُّ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ -مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَولِهِم- أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ العَبْدِ وَتَايِيدِهِ وَإِعَانَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الآلَاتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا". فَتْحُ البَارِي (١١/ ٣٤٤). وَ(الطُّوفِيُّ) هَذَا؛ لَعَلَّهُ هُوَ سُلَيمَانُ بْنُ عَبْدِ القَوِيِّ الطُّوفِيُّ الصَّرْصَرِيُّ؛ أَبُو الرَّبِيعِ؛ نَجْمُ الدِّينِ، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧١٦ هـ)، وَلَهُ شَرْحُ عَلَى الأَرْبَعِين. انْظُرْ كِتَابَ (ذَيلُ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ) لِلحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀ (٤/ ٤٠٤). قُلْتُ: وَهَذَا المَعْنَى حَقٌّ، لَكِنْ لَيسَ فِي الحَدِيثِ مَجَازٌ حَتَّى يُذْهَبَ بِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ! فَالحَدِيثُ ظَاهِرُهُ هُوَ هَذَا المَعْنَى نَفْسُهُ.
[ ٤٢٧ ]