عَن أَبِي نَجِيحٍ؛ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁؛ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَوعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ؛ فَأَوصِنَا، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ﷿، وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُمْ عَبْدٌ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ؛ وَقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ (^١).
- جَاءَ فِي لَفْظٍ آخَرَ لِلْحَدِيثِ «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيضَاءِ، لَيلُهَا كَنَهَارِهَا،
لَا يَزيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ؛ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّمَا المُؤْمِنُ كَالجَمَلِ الأَنِفِ؛ حَيثُمَا قِيدَ انْقَادَ» (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦٠٧)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٦٧٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٥٤٩).
(٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٣) وأَحْمَد (١٧١٤٢). الصَّحِيحَةُ (٩٣٧). وَالمَحَجَّةُ البَيضَاءُ: هِي جَادَّةُ الطَّرِيقِ. انْظُرِ: (التَّنْوِيرُ شَرْحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ) للصَّنْعَانِيِّ (٨/ ٤٩). وَالجَمَلُ الأَنِفُ: أَيِ الَّذِي جُعِلَ الزِّمَامُ فِي أَنْفِهِ؛ فَيَجُرُّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ إِلَى حَيثُ يَشَاءُ، حَيثُمَا قِيدَ -أَي: سِيقَ-. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْظُرْ حَاشِيَةَ السِّنْدِيِّ عَلَى سُنَنِ ابْنِ مَاجَه (١/ ٢١).
[ ٣٠١ ]
- هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّمَسُّكِ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِسُنَّةِ أَصْحَابِهِ، وَذَمِّ المُبْتَدَعَاتِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِهِم رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم مِنَ الاعْتِقَادَاتِ وَالأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ أَهْلُ العِلْمِ يُورِدُونَهُ عِنْدَهُم فِي العَقَائِدِ وَالأُصُولِ، وَاُنْظُرْ تَبْوِيبَاتِهِمُ التَّالِيَةَ فِي كُتُبِهِم:
١ - شَرْحُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِللَّالِكَائِيِّ: " سِيَاقُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُم وَالخَالِفِينَ لَهُم مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ ﵃ أَجْمَعِينَ" (^١).
٢ - السُّنَّةُ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ: " بَابُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنِ اِتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينِ" (^٢).
٣ - سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ: " بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ" (^٣).
٤ - سُنَنُ ابْنِ مَاجَه: " بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ" (^٤).
٥ - سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ: " بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ البِدَعِ" (^٥).
٦ - شُعَبُ الإِيمَانِ لِلبَيهَقِيِّ: " فَصْلٌ فِي فَضْلِ الجَمَاعَةِ والأُلْفَةِ، وَكَرَاهِيَةِ الاخْتِلَافِ وَالفُرْقَةِ، وَمَا جَاءَ فِي إِكْرَامِ السُّلْطَانِ وَتَوقِيرِهِ" (^٦).
_________________
(١) شَرْحُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِللَّالِكَائِيِّ (١/ ٨٢).
(٢) السُّنَّةُ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ (١/ ٣٠).
(٣) سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (٤/ ٢٠٠).
(٤) سُنَنُ ابْنِ مَاجَه (١/ ١٥).
(٥) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٤/ ٣٤١).
(٦) شُعَبُ الإِيمَانِ لِلبَيهَقِيِّ (١٠/ ١٦).
[ ٣٠٢ ]
٧ - صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ: " ذِكْرُ وَصْفِ الفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ مِنْ بَينِ الفِرَقِ الَّتِي تَفْتَرِقُ عَلَيهَا أُمَّةُ المُصْطَفَى ﷺ" (^١).
٨ - شَرْحُ السُّنَّةِ لِلبَغَوِيِّ: " بَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ" (^٢).
٩ - السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي الفِتَنِ لِأَبِي عَمْرُو الدَّانِي: " بَابُ الِاسْتِمْسَاكِ بِالدِّينِ وَاللُّزُومِ عَلَى السُّنَّةِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ وَظُهُورِ الفِتَنِ" (^٣).
١٠ - الشَّرِيعَةُ لِلآجُرِّيِّ: " بَابُ الحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللهِ ﷿، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَسُنَّةِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم، وَتَرْكِ البِدَعِ، وَتَرْكِ النَّظَرِ وَالجِدَالِ فِيمَا يُخَالِفُ فِيهِ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَقَولَ الصَّحَابَةِ ﵃" (^٤).
- الوَعْظُ: هُوَ التَّذْكِيرُ بِمَا يُلَيِّنُ القَلْبَ سَوَاءً كَانَتِ المَوعِظَةُ تَرْغِيبًا أَو تَرْهِيبًا (^٥)، وَالسُّنَّةُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ فِي الأَيَّامِ -أَي: كُلَّ فَتْرَةٍ-، كَمَا فِي الحَدِيثِ
" كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا" (^٦).
- قَولُهُ: «بِتَقْوَى اللهِ» (^٧): التَّقْوَى: هِيَ أَنْ تَجْعَلَ بَينَكَ وَبَينَ مَا تَكْرَهُ وِقَايَةً،
_________________
(١) صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (١/ ١٧٨).
(٢) شَرْحُ السُّنَّةِ لِلبَغَوِيِّ (١/ ١٨٩).
(٣) السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي الفِتَنِ لِأَبِي عَمْرُو الدَّانِي (٢/ ٣٧٣).
(٤) الشَّرِيعَةُ لِلآجُرِّيِّ (١/ ٣٩٨).
(٥) وَقَالَ بَعْضُهُم: المَوعِظَةُ هِيَ ذِكْرُ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَقْرُونًا بِالتَّرْغِيبِ أَوِ التَّرْهِيبِ.
(٦) صَحِيح البُخَارِيِّ (٦٨) تَحْتَ بَابِ (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالمَوعِظَةِ وَالعِلْمِ كَي لَا يَنْفِرُوا)، وِبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ؛ قَالَ: "كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَومٍ! قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالمَوعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا".
(٧) التَّقْوَى أَصْلُهَا (وَقْوَى)، فَالتَّاءُ فِيهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، وَهِيَ مِنَ الوِقَايَةِ، وَقَاهُ يَقِيهِ وِقَايَةً. وَقَدْ سَبَقَ فِي شَرْحِ الحَدِيثِ الثَّامِنَ عَشَرَ بَيَانُ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَسَبَقَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧].
[ ٣٠٣ ]
وَشَرْعًا: مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ سَخَطِ اللهِ وَعَذَابِهِ وِقَايَةً.
- قَولُهُ: «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ»: هَذِهِ لِلأَمِيرِ، فَالسَّمْعُ إِذَا تَكَلَّمَ، وَالطَّاعَةُ إِذَا أَمَرَ، وَهِيَ مِنْ ثَمَرَاتِ البَيعَةِ لَهُ.
وَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ المُصْطَفَى ﷺ وَسُنَّةُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ المُسْلِمَ إِذَا بَايَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَأَهْلِ الحَلِّ وَالعَقْدِ؛ فَإِنَّ بَيعَتَهُم لَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ هِيَ مُبَايَعَةٌ لِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ، كَمَا جَرَى فِي مُبَايَعَةِ الوُفُودِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ بَعْدِهِ، وَهَكَذَا كَانَ عَمَلُ أَهْلِ الإِسْلَامِ.
- إِنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِلأَمِيرِ المُسْلِمِ لَهَا قَيدَانِ:
١ - أَنْ تَكُونَ فِي غَيرِ المَعْصِيَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (^١)، وَهَذَا يَشْمَلُ الوَاجِبَاتِ وَالمُبَاحَاتِ.
أ- فَإِنْ كَانَ الأَمْرُ مِنَ الوَاجِبَاتِ؛ صَارَتِ الطَّاعَةُ هُنَا لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى.
ب- وَإِنْ كَانَ الأَمْرُ مِنَ المُبَاحَاتِ؛ صَارَتِ الطَّاعَةُ هُنَا لِحَقِّ الأَمِيرِ المُسْلِمِ نَفْسِهِ.
_________________
(١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ (٤٣٤٠) عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ؛ فَقَالَ: أَلَيسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوقِدُوا نَارًا، فَأَوقَدُوهَا، فَقَالَ: اُدْخُلُوهَا، فَهَمُّوا -وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا- وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ؛ فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «لَو دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ».
[ ٣٠٤ ]
٢ - أَنَّ الطَّاعَةَ تَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالحُكْمِ وَرِعَايَةِ النَّاسِ، وَلَيسَتْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُؤُونِ النَّاسِ الدَّاخِلِيَّةِ.
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " فَلَو قَالَ لَكَ الأَمِيرُ مَثَلًا: لَا تَاكُلِ اليَومَ إِلَّا وَجْبَتَينِ، أَو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيكَ أَنْ تُوَافِقَ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيكَ أَنْ تُنَابِذَ -بِمَعْنَى أَنْ تَعْصِيَهُ جِهَارًا-؛ لِأَنَّ هَذَا يُفْسِدُ النَّاسَ عَلَيهِ" (^١).
قُلْتُ: وَمِثْلُهُ إِمَارَةُ السَّفَرِ تَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ السَّفَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُسَعِّرْ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ فِي حُقُوقِهِم،
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ المُسَعِّرُ، القَابِضُ، البَاسِطُ، الرَّزَّاقُ،
وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^٢).
فَالحَدِيثُ " فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّسْعِيرَ تَصَرُّفٌ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيرِ إِذْنِ أَهْلِهَا، فَيَكُونُ ظُلْمًا، فَلَيسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَعِّرَ، لَكِنْ يَامُرُهُمْ بِالإِنْصَافِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الخَلْقِ وَالنَّصِيحَةِ" (^٣).
- النَّوَاجِذُ: هِيَ الأَضْرَاسُ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ التَّمَسُّكِ.
- قَولُهُ: «مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ»: هِيَ الَّتِي أُحْدِثَتْ عَلَى غَيرِ أَصْلٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ (^٤).
- الوَصِيَّةُ فِي الحَدِيثِ لَهَا جَانِبَانِ، الأَوَّلُ: هُوَ التَّقْوَى، وَهَذِهِ بَينَ العَبْدِ
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٢٧٩).
(٢) صَحِيحُ وَضَعِيفُ التِّرْمِذِيِّ (١٣١٤).
(٣) انْظُرْ حَاشِيَةَ السِّنْدِيِّ عَلَى سُنَنِ ابْنِ مَاجَه (٢/ ٢٠).
(٤) وَلْيُرَاجَعْ لُزُومًا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُلْحَقِ الحَدِيثِ الخَامِسِ حَولَ تَقْسِيمِ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ لِلْمُحْدَثَاتِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ.
[ ٣٠٥ ]
وَرَبِّهِ، وَالثَّانِي: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَهَذِهِ بَينَ المُسْلِمِ وَإِمَامِهِ.
- فِي الحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ حُصُولُ الاخْتِلَافِ فِي الأُمَّةِ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ.
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ العِصْمَةِ مِنْ أَثَرِ هَذَا الاخْتِلَافِ، وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ يَتَرَجَّحُ مِنْهُ مَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
- قَولُهُ: «فَعَلَيكُم»: " اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى: الزَمُوا، أَي: بِطَرِيقَتِي الثَّابِتَةِ عَنِّي وَاجِبًا أَو مَنْدُوبًا، «وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ» فَإِنَّهُم لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي، فَالإِضَافَةُ إِلَيهِم: إِمَّا لِعَمَلِهم بِهَا، أَو لِاسِتْنِبَاطِهِم وَاخْتِيَارِهِم إِيَّاهَا" (^١).
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلخُلَفَاءِ سُنَّةً مُتَّبَعَةً.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَالسُّنَّةُ: هِيَ الطَّرِيقَةُ المَسْلُوكَةُ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ التَّمَسُّكَ بِمَا كَانَ عَلَيهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالأَعْمَالِ وَالأَقْوَالِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الكَامِلَةُ، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ قَدِيمًا لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ السُّنَّةِ إِلَّا عَلَى مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وَالأَوزَاعِيِّ وَالفُضَيلِ بْنِ عِيَاضٍ" (^٢).
وَقَالَ البَغَوِيُّ ﵀: " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الوَاحِدَ مِنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِذَا قَالَ قَولًا -وَخالَفَهُ غَيرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ-؛ كَانَ المَصِيرُ إِلَى قَولِهِ أَولَى، وَإِلَيهِ ذَهَبَ
_________________
(١) قَالَهُ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ) (١/ ٢٥٢).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٢٠).
[ ٣٠٦ ]
الشَّافِعِيُّ فِي القَدِيمِ" (^١).
- فِي حُجِيَّةِ قَولِ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ مُلَاحَظَتَانِ:
١ - مَا جَمَعَ عُمَرُ عَلَيهِ الصَّحَابَةَ فَاجْتَمَعُوا عَلَيهِ فِي عَصْرِهِ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الحَقُّ -وَلَو خَالَفَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ-.
٢ - مَا لَمْ يَجْمَعْ عُمَرُ النَّاسَ عَلَيهِ؛ بَلْ كَانَ لَهُ فِيهِ رَايٌ -وَهُوَ يُسَوِّغُ لِغَيرِهِ أَنْ يَرَى رَايًا يُخَالِفُ رَايَهُ- كَمَسَائِلِ الجَدِّ مَعَ الإِخْوَةِ، وَمَسْأَلَةِ طَلَاقِ البَتَّةِ؛ فَلَا يَكُونُ قَولُ عُمَرَ فِيهِ حُجَّةً عَلَى غَيرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ (^٢).
- الخِلَافَةُ الرَّاشِدَةُ: هِيَ رَاشِدَةٌ مِنَ الرَّشَدِ وَهُوَ ضِدُّ السَّفَهِ، وَالرَّشَدُ هُوَ العِلْمُ بِالحَقِّ وَالعَمَلُ بِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ مِنْ بَعْدِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، كَمَا فِي الحَدِيثِ «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ -أَو مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ-» (^٣).
_________________
(١) شَرْحُ السُّنَّةِ (١/ ٢٠٧).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٢٥) -بِحَذْفٍ يَسِيرٍ- فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنْ عُمَرَ الفَارُوقِ ﵁، وَالمَقْصُودُ عُمُومُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ كَمَا لَا يَخْفَى.
(٣) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦٤٧) عَنْ سَفِينَةَ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. الصَّحِيحَةُ (٤٥٩). وَعِنْدَ أَحْمَدَ (٢١٩١٩) وَغَيرِهِ عَنْ سَفِينَةَ؛ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ عَامًا، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ المُلْكُ». قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ سَنَتَينِ؛ وَخِلَافَةَ عُمَرَ ﵁ عَشْرَ سِنِينَ؛ وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ ﵁ اثْنَي عَشْرَ سَنَةً؛ وَخِلَافَةَ عَلِيٍّ سِتَّ سِنِينَ".
[ ٣٠٧ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَنِ المَقْصُودُ بِالخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى وَجْهِ الإِجْمَالِ؟
الجَوَابُ: الظَّاهِرُ مِن قَولِهِ ﷺ: «الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ» أَنَّ هَذِهِ أَوْصَافٌ لَا أَعْيَانٌ؛ فَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى الأَرْبَعَةِ المُجْمَعِ عَلَيهِم فَقَط!
قَالَ الإِمَامُ الآجُرِّيُّ ﵀: " عَلَامَةُ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا: سُلُوكُ هَذَا الطَّرِيقِ، كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسُنَنِ أَصْحَابِهِ ﵃ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ،
وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إِلَى آخِرِ مَا كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ،
مِثْلَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِمْ، وَمُجَانَبَةُ كُلِّ مَذْهَبٍ يَذُمُّهُ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ" (^١).
وَقَدْ تَرْجَمَ لِحَدِيثِ البَابِ الإِمَامُ اللَّالَكَائِيُّ ﵀ فَقَالَ: " سِيَاقُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُم وَالخَالِفِينَ لَهُم مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ ﵃ أَجْمَعِينَ" (^٢).
وَقَالَ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: " المَقْصُودُ مِن الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ الفَارُوقُ، وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَينِ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵃ أَجْمَعِينَ. هَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةُ بِاتِّفَاقِهِم، ثُمَّ أَهْلُ الحَدِيثِ يَضُمُّونَ إِلَى هَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةِ: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ -وَهُوَ لَهُ صِلَةٌ بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِن جِهَةِ ابْنَتِهِ-، هَؤُلَاءِ هُمُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، ثُمَّ مَن سَارَ عَلَى دَرْبِهِم، وَسَلَكَ طَرِيقَهُم
_________________
(١) الشَّرِيعَةُ لِلآجُرِيِّ (١/ ٣٠٠).
(٢) شَرْحُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِللَّالِكَائِيِّ (١/ ٨٢).
[ ٣٠٨ ]
وَعَلَى نَهْجِهِم مِن الحُكَّامِ" (^١).
وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀: " الصَّحِيحُ أَنَّ صِفَةَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مُعَلَّقَةٌ بِأَوْصَافٍ لَا بِأَعْيَانٍ؛ يَعْنِي: لَيسَ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ هُمُ الأَرْبَعَةُ! بَلْ كُلُّ مَن خَلَفَ النَّبِيَّ ﷺ فِي أُمَّتِهِ عِلْمًا وَدَعْوَةً وَتَعْلِيمًا؛ هَذَا خَلِيفَةٌ رَاشِدٌ، وَأَرْشَدُ مَن خَلَفَ النَّبِيَّ ﷺ هُمُ الصَّحَابَةُ رُجُوعًا إِلَى حُكْمِ اللهِ ﷿" (^٢).
قُلْتُ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّعْمِيمِ مَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ بِأَنَّ «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ -أَو مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ-» -وَقَدْ سَبَقَ-،
وَأَنَّ هَذَا يَحْصُرُ الخِلَافَةَ الرَّاشِدَةَ -قَدَرًا- فِي هَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةِ فَقَط ﵃! وَذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الفَتْرَةَ الزَّمَنِيَّةَ لَا تَنْفِي أَنْ يَكُونَ قَدْ يَاتِي بَعْدَهَا مَا هُوَ مِنَ الخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ! وَإِنَّمَا فِيهَا التَّنْصِيصُ -قَدَرًا- عَلَى الرَّشَدِ فِي خِلَافَةِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ المَعْرُوفِينَ ﵃.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ، ثُمَّ سَكَتَ» (^٣).
_________________
(١) جَامِعُ تُرَاثِ العَلَّامَةِ الأَلْبَانِيِّ فِي المَنْهَجِ وَالأَحْدَاثِ الكُبْرَى (١/ ٧٦).
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيمِينَ لِسُورَةِ الشُّورَى (ص: ٩٢).
(٣) حَسَنٌ. مُسْنَدُ أَحْمَدَ (١٨٤٠٦). الصَّحِيحَةُ (٥). وَتَتِمَّةُ الحَدِيثِ "قَالَ حَبِيبٌ: فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي صَحَابَتِهِ، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ إِيَّاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -يَعْنِي عُمَرَ- بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْجَبْرِيَّةِ، فَأُدْخِلَ كِتَابِي عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَسُرَّ بِهِ وَأَعْجَبَهُ". وَتَعَقَّبَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ ذَلِكَ بِقَولِهِ: "وَمِنَ البَعِيدِ عِنْدِي حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، لِأَنَّ خِلَافَتَهُ كَانَتْ قَرِيبَةَ العَهْدِ بِالخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ وَلَمْ تَكُنْ بَعْدَ مُلْكَينِ: مُلْكٍ عَاضٍّ وَمُلْكٍ جَبْرِيَّةٍ! وَاللهُ أَعْلَمُ". الصَّحِيحَةُ (١/ ٣٥).
[ ٣٠٩ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ الصَّحَابَةِ -وَعَلَى رَاسِهِم الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ-، وَكَمَا فِي البُخَارِيِّ «خَيرُ النَّاسِ قَرْنِي» (^١)، وَلَكْنِ قَدْ وَرَدَ فِي نُصُوصٍ أُخَرَ صَحِيحَةٍ قَولُهُ: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ زَمَانَ صَبْرٍ؛ للمُتَمَسِّكِ فِيهِ أَجْرُ خَمْسِينَ شَهِيدًا»، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنَّا أَو مِنْهُمْ؟ قَالَ: «مِنْكُمْ» (^٢)! فَمَا التَّوفِيقُ؟
وَالجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ الأَجْرِ فِي العَمَلِ زِيَادَةُ الفَضْلِ! أَي: أَنَّ الفَضْلَ الأَكْبَرَ هُوَ قَطْعًا لِلصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَدْ يُؤْجَرُ عَلَى فِعْلٍ مَا أَكْثَرَ مِمَّا يُؤْجَرُونَ هُمْ عَلَى نَفْسِ الفِعْلِ، كَالحَدِيثِ السَّابِقِ.
فَأَفْضَلِيَّةُ الصَّحَابَةِ أَفْضَلِيَّةٌ مِنْ حَيثُ العُمُومِ وَالجِنْسِ؛ لَا مِنْ حَيثُ الأَفْرَادِ مُطْلَقًا! فَلَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي التَّابِعِينَ مَنْ هُوَ أفضل مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ -مِنْ جِهَةِ العِلْمِ وَالعِبَادَةِ مَثَلًا-! أَمَّا فَضْلُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَا يَنَالُهُ أَحَدٌ غَيرُ الصَّحَابَةِ، وَلَا
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٦٥٢).
(٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ١٨٢) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَةِ (٤٩٤).
[ ٣١٠ ]
أَحَدَ يَسْبِقُهُم فِيهِ.
٢ - أَنَّ هَذَا الأَجْرَ لَيسَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُقيَّدٌ بِأُمُورٍ هِيَ: ذَلِكَ الزَّمَنُ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ، وَتِلْكَ الشِّدَّةُ، بَينَمَا فَضْلُ الصَّحَابَةِ دَائِمٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
[ ٣١١ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: «وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُم عَبْدٌ» (^١) كَيفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا مَعَ النُّصُوصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ مِنْهَا: أَنَّ يَكُونَ قُرَشِيًّا (^٢)، وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا (^٣)؟!
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ الحَدِيثَ جَاءَ لِضَرْبِ المَثَلِ فِي المُبَالَغَةِ فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَقَدْ يُضْرَبُ المَثَلُ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا -وَلَو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ- بَنَى اللهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ» (^٤) (^٥).
٢ - أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «وَإِنْ تَأَمَّرَ» مَعْنَاهُ صَارَ أَمِيرًا بِالتَّغَلُّبِ، أَي: لَيسَ بِالاخْتِيَارِ، فَلَا يَجُوزُ اخْتِيَارُهُ عَلَى هَذِهِ الحَالِةِ ابْتِدَاءً؛ وَلَكِنْ إِنْ تَغَلَّبَ وَصَارَ أَمِيرًا بِالقُوَّةِ وَالسَّيفِ قَهْرًا فَهُنَا يَكُون لَهُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ.
٣ - أَنَّ كَونَهُ عَبْدًا؛ قَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَلَيسَ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، يَعْنِي لَا بِاعْتِبَارِ حَالِهِ الآنَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) «حَبَشِيٌّ» كَمَا هُوَ لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ (٢٦٧٦) فِي سُنَنِهِ.
(٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٣٥٠١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ». وَعِنْدَ أَحْمَدَ (١٢٩٠٠) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الأئِمَّةُ مِنْ قرَيشٍ». صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٧٥٧).
(٣) قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادِ حَفِظَهُ اللهُ: "وَقَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ العَبْدَ لَيسَ أَهْلًا لِلخِلَافَةِ". فَتْحُ القَوِيِّ المَتِينِ فِي شَرْحِ الأَرْبَعِينَ (ص: ٩٧).
(٤) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٧٣٨) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦١٢٨). وَ(القَطَاةُ): نَوعٌ مِنَ اليَمَامِ، وَالمَعْنَى: المَوضِعُ الَّذِي تَتَّخِذُهُ لِبَيضِهَا. المُفْهِمُ لِلْقُرْطُبِيِّ (٤/ ١٤٣).
(٥) المُفْهِمُ لِلْقُرْطُبِيِّ (٤/ ٣٧).
[ ٣١٢ ]
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلْ لِوَلِيِّ الأَمْرِ غَيرِ المُسْلِمِ -عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ- طَاعَةٌ؟
الجواب: الحَاكِمُ غَيرُ المُسْلِمِ يُطَاعُ فِيمَا هُوَ مِنَ المَعْرُوفِ، كَأَنْظِمَةِ المُرُورِ وَقَوَانِينِ المُؤَسَّسَاتِ العَامَّة ِوَ ؛ مِمَّا هُوَ ظَاهِرُ فِي المَعْرُوفِ وَالمَصْلَحَةِ العَامَّةِ مِنْ غَيرِ مَعْصِيَةٍ.
جَاءَ فِي فَتَاوَى الشَّيخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ بَازٍ ﵀:
" سُؤَالٌ: مَا حُكْمُ سَنِّ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ العَمَلُ بِهَا؟ وَهَلْ يَكْفُرُ الحَاكِمُ بِسَنِّهِ هَذِهِ القَوَانِينَ؟
جَوَابٌ: إِذَا كَانَ القَانُونُ يُوَافِقُ الشَّرْعَ فَلَا بَاسَ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَسُنَّ قَانُونًا لِلطُّرُقِ يَنْفَعُ المُسْلِمِينَ وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَنْفَعُ المُسْلِمِينَ -وَلَيسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْعِ- وَلَكِنْ لِتَسْهِيلِ أُمُورِ المُسْلِمِينَ فَلَا بَاسَ بِهَا. أَمَّا القَوَانِينُ الَّتِي تُخَالِفُ الشَّرْعَ فَلَا يَجُوزُ سَنُّهَا، فَإِذَا سَنَّ قَانُونًا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الزَّانِي، أَو لَا حَدَّ عَلَى السَّارِقِ، أَو لَا حَدَّ عَلَى شَارِبِ الخَمْرِ؛ فَهَذَا قَاُنونٌ بَاطِلٌ، وَإِذَا اسْتَحَلَّهُ الوَالِي كَفَرَ؛ لِكِونِهِ اسْتَحَلَّ مَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَالإِجْمَاعَ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ المُحَرَّمَاتِ المُجْمَعِ عَلَيهَا فَهُوَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ.
سُؤَالٌ: كَيفَ نَتَعَامَلُ مَعَ هَذَا الوَالِي؟
جَوَابٌ: نُطِيعُهُ فِي المَعْرُوفِ وَلَيسَ فِي المَعْصِيَةِ حَتَّى يَاتِيَ اللهُ بِالبَدِيلِ" (^١).
_________________
(١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ (٧/ ١١٩).
[ ٣١٣ ]