عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيضًا؛ قَال: بَينَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبَتَيهِ، وَوَضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِليهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ؛ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ». ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثَ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ أتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٨) عَنْ عُمَرَ، وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٠) وَمُسْلِمٌ (٩) أَيضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ.
[ ٢١ ]
- هَذَا الحَدِيثُ هُوَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، كَمَا أَنَّ حَدِيثَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» هُوَ الأَوَّلُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَلِأَهَمِّيَّتِهِ قَالَ عَنْهُ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيقٍ العِيدُ الشَّافِعِيُّ ﵀: "هُوَ أُمُّ السُّنَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الفَاتِحَةَ هِيَ أُمُّ الكِتَابِ" (^١).
- فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ زِيَادَاتٌ؛ مِنْهَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَلُونِي» فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِسْلَامُ؟.
وَقَولُهُ أَيضًا: «وَإِذَا رَأَيتَ الحُفَاةَ العُرَاةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلُوكَ النَّاسِ؛ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا. وَإِذَا رَأَيتَ رِعَاءَ البَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ؛ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الغَيبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]. قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رُدُّوهُ عَلَيَّ» فَالْتُمِسَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا جِبْرِيلُ؛ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذَ لَمْ تَسْأَلُوا» (^٢).
وَفِي لَفْظِ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ زِيَادَاتٌ أَيضًا؛ مِنْهَا فِي الإِسْلَام، فَقَالَ: «وَتَحُجَّ، وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الجَنَابَةِ، وَأَنْ تُتِمَ الوُضُوءَ». قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ دَقِيق العِيد (ص: ٢٩).
(٢) مُسْلِمٌ (١٠). وَقَولُهُ: (الصُّمَّ البُكْمَ): كِنَايَةٌ عَنِ الجَهْلِ، أَي: لَمْ يَسْتَعْمِلُوا أَسْمَاعَهُم وَأَبْصَارَهُم فِي شَيءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِم.
[ ٢٢ ]
وَقَالَ فِي الإِيمَانِ: «وَتُؤْمِنَ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالمِيزَانِ»، وَقَالَ فِيهِ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُم لِيُعَلِّمَكُم أَمْرَ دِينِكُم، خُذُوا عَنْهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي» (^١).
- قَولُهُ: (يَا مُحَمَّدُ): وَلَمْ يَقُلْ: يَا رَسُولَ اللهِ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ، وَالغَايَةُ مِنْهُ وُضُوحُ البَيَانِ لِعُمُومِ النَّاسِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
- قَولُهُ: «أَنْ تَشْهَدَ»: الشَّهَادَةُ مَعْنَاهَا: أُقرُّ بِقَلْبِي نَاطِقًا بِلِسَانِي، فَلَا يَكْفِي اللِّسَانُ وَحْدَهُ! بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اللِّسَانِ وَالقَلْبِ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزُخْرُف: ٨٦].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "لَكِن مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ؛ فَإِنَّهُ تَنْفَعُ شَفَاعَتُهُ عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ لَهُ" (^٢).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀:
"وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي (شَهِدَ) -تَدُورُ عَلَى الحُكْمِ وَالقَضَاءِ وَالإِعْلَامِ وَالبَيَانِ وَالإِخْبَارِ، وَهَذِهِ الأَقْوَالُ كُلُّهَا حَقٌّ لَا تَنَافِيَ بَينَهَا، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَخَبَرَهُ، وَتَتَضَمَّنُ إِعْلَامَهُ وَإِخْبَارَهُ وَبَيَانَهُ. فَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ:
فَأَوَّلُ مَرَاتِبِهَا: عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادٌ لِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ وَثُبُوتِهِ.
وَثَانِيهَا: تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ -وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيرَهُ- بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعَ نَفْسِهِ، وَيَتَذَكَّرُهَا، وَيَنْطِقُ بِهَا أَو يَكْتُبُهَا.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يُعْلِمَ غَيرَهُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ، وَيُخْبِرَهُ بِهِ، وَيُبَيِّنَهُ لَهُ.
_________________
(١) صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (١٧٣). وَانْظُرْ كِتَابَ (جَامِعُ العُلومِ وَالحِكَمِ) (١/ ٧٥).
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٧/ ٢٤٣).
[ ٢٣ ]
وَرَابِعُهَا: أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِهَا وَيَأمُرَهُ بِهَا" (^١).
- قَولُهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»: الاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ النَّفْيِّ يُفِيدُ الحَصْرَ، وَتَقْدِيرُ الكَلَامِ: (لَا إِلَهَ حَقٌّ إِلَّا اللهُ)، وَلَمْ نُقَدِّرْهُ: (لَا إِلَهَ مَوجُودٌ إِلَّا اللهُ) لِأَنَّ الآلِهَةَ الَّتِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكونَ مَوجُودَةٌ، وَمِنْهَا: الأَنْبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالهَوَى وَالقُبُورُ الَّتِي تُدْعَى مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى.
وَيَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِنَا لِكَلِمَةِ (حَقٌّ) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحَجّ:٦٢].
- قَولُهُ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»: يَشْمَلُ أَنْوَاعَ التَّوحِيدِ الثَّلَاثَةَ، وَهِيَ: تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ وَتَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
قَالَ الزُّبَيدِيُّ فِي (تَاجُ العَرُوسِ) ﵀: "التَّوحِيدُ تَوحِيدَانِ، تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوحِيدُ الأِلَهِيَّةِ.
فَصَاحِبُ تَوحِيدِ الرَّبَّانِيَّةِ يَشْهَدُ قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِهِ وَحْدَهُ، فَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا مُحْيي وَلَا مُمِيتَ وَلَا مُدَبِّرَ لِأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا غَيرُهُ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ حَادِثٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَاهَا عِلْمُهُ وَأَحَاطَتْ بِهَا قُدْرَتُهُ وَنَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ وَاقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ.
وَأَمَّا تَوحِيدُ الإِلَهِيَّةِ فَهُوَ أَنٍ يجْمَعَ هِمَّتَهُ وَقَلْبَهُ وَعَزْمَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَرَكاتِهِ عَلَى
_________________
(١) شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص: ٩٠).
[ ٢٤ ]
أَدَاءِ حَقِّهِ وَالقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِهِ" (^١).
- قَولُهُ: «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»: هَذَا يَسْتَلْزِمُ أُمُورًا؛ مِنْهَا:
١ - تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ -إِذَا ثَبَتَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيهِ-.
٢ - امْتِثَالُ أَمْرِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ.
وَمِنَ التَّرَدُّدِ المَذْمُومِ التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ وَالتَّطْبِيقِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ هَلِ الأَمْرُ لِلوُجُوبِ أَمْ لِلاسْتِحْبَابِ! وَأَيضًا التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ حَتَّى يُعْلَمَ مَا مَوقِفُ المَذْهَبِ الفُلَانِيِّ مِنْهُ!
٣ - اجْتِنَابُ نَهْيِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ، وَالحَذَرُ مِنْ قَولِ: هَذَا لَيسَ فِي القُرْآنِ!! لِقَولِهِ ﵊: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ؛ يَاتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي
-مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ وَنَهَيتُ عَنْهُ- فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي! وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ» (^٢).
٤ - أَنْ لَا يُقدِّمَ قَولَ أَحَدٍ مِنَ البَشَرِ عَلَى قَولِهِ ﷺ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: "مِنْ هَهُنَا تَرِدُونَ، نَجِيئُكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَجِيئُونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ!! " (^٣).
_________________
(١) تَاجُ العَرُوسِ (٩/ ٢٧٦).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٨٧٦) عَنِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧١٧٢).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣١٢١)، وَلَفْظُهُ "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ؛ أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ؛ وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ". قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: "بِإِسْنَادٍ صَحَيحٍ". التَّمْهِيدُ (ص: ٤١٧). وَأَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَطَالِبُ العَالِيَةُ) (٧/ ٩٦) وَقَالَ: "قَالَ إِسْحَاقُ: نَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "وَيحَكَ أَضَلَلْتَ! تَامُرُنَا بِالعُمْرَةِ فِي العَشْرِ وَلَيسَ فِيهِنَّ عُمْرَةٌ! " فَقَالَ: "يَا عُرَيُّ؛ فَسَلْ أُمَّكَ". قَالَ: "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ؛ وَكَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَتْبَعَ لَهُ مِنْكَ". فَقَالَ: "مِنْ هَهُنَا تَرِدُونَ؛ نَجِيئُكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَجِيئُونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". سَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَبَعْضُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالعُمْرَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ". قُلْتُ: وَإِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوِيه فِي مُسْنَدِهِ.
[ ٢٥ ]
٥ - أَنْ لَا يَبْتَدِعَ فِي شَرْعِهِ ﷺ.
وَقَدْ نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِصَامُ) عَنْ مَالِكٍ قَولَهُ: "مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٣]، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَومَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ اليَومَ دِينًا" (^١).
٦ - أَنْ لَا يَغْلَوَ فِيهِ ﷺ فَيُعْطِيَهُ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّة شَيءٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].
- قَولُهُ: «وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ»: أَي: تَاتِي بِهَا قَائِمَةً تَامَّةً مُعْتَدِلَةً، وَعَلَيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَلِّمِ صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» (^٢).
- قَولُهُ: «وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ»: الزَّكَاةُ اسْمٌ لِمَا يُخْرِجُهُ المُسْلِمُ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى إِلَى الفُقَرَاءِ.
وَسُمِّيَتْ زَكَاةً لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ رَجَاءِ البَرَكَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَنْمِيَتِهَا بِالخَيرَاتِ، فَإِنَّهَا مَاخُوذَةٌ مِنَ الزَّكَاةِ؛ وَهِيَ النَّمَاءُ وَالطَّهَارَةُ وَالبَرَكَةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التَّوبَة: ١٠٣].
- قَولُهُ: «تَصُومَ»: الصِّيَامُ لُغَةً: الإِمْسَاكُ، وَشَرْعًا: هُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ المُفْطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَعَبُّدًا للهِ ﷿.
_________________
(١) الاعْتِصَامُ (١/ ٦٤).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٣١) مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الحُوَيرِثِ مَرْفُوعًا.
[ ٢٦ ]
- قَولُهُ: «وَتَحُجَّ البيتَ»: الحَجُّ لُغَةً: القَصْدُ، وَشَرْعًا: القَصْدُ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ لِأَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ فِي زَمَنِ مَخْصُوصٍ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي العُمُرِ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى القَادِرِ لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «إِنِ اسْتَطَعتَ إِليهِ سَبِيلًا».
- قَولُهُ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ»: يَتَضَمَّنُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: إِيمَانٌ بِوُجُودِهِ، وَبِرُبُوبِيَّتِهِ، وَبِأُلُوهِيَّتِهِ، وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَالإِيمَانِ باللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِإِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ (^١) مِنْ صَلَاةً وَدُعَاءً وَذَبْحٍ وَنَذْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَ، وَمِنْ صَرَفَ شَيئًا مِنْهَا لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.
وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُم -غَالِبًا- هُوَ بِاعْتِقَادِ خَالِقٍ أَو رَازِقٍ أَو نَافِعٍ أَو ضَارٍّ مَعَ اللهِ تَعَالَى -كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهُ بِالقُرْآنِ- (^٢)! وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم هُوَ بِاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ وَالشُّفَعَاءِ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى حَيثُ تَعَلَّقُوا بِهِم فَدَعَوهُم وَاسْتَغَاثُوا بِهِم.
_________________
(١) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرْطُبِيُّ؛ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ (ت ٦٧١ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَأَصْلُ العِبَادَةِ الخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ إِذَا كَانَتْ مَوطُوءَةً بِالأَقْدَامِ". تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١/ ٢٢٥). وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ؛ صَاحِبُ (المُفْهِمُ عَلَى مُسْلِمٍ) (ت ٦٥٦ هـ) ﵀: "سُمِّيَتْ وَظَائِفُ الشَّرْعِ عَلَى المُكَلَّفِينَ عِبَادَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَهَا وَيَفْعَلُونَهَا خَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ للهِ تَعَالَى". المُفْهِمُ عَلَى مُسْلِمٍ (١/ ١٨١).
(٢) وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١]. وَقَولَهُ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يُونُس: ٣١، ٣٢].
[ ٢٧ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].
وَأَتَتْهُم شُبْهَةُ صِحَّةِ دُعَائِهِم وَالاسْتِغَاثَةِ بِهِم مِنْ كَونِ هَؤُلَاءِ المَدْعُوِّينَ هُم مِنَ الصَّالِحِينَ؛ وَأَنَّهُم أَقْرَبُ مِنْهُم إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَسَمَّوا دُعَائَهُم إِيَّاهُم اسْتِشْفَاعًا بِهِم (^١)، وَلَكِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الفِعْلِ هُوَ الشِّرْكُ مَعَ اللهِ تَعَالَى في الدُّعَاءِ؛ وَالدُّعَاءُ عِبَادَةٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ (^٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام:٧٦]
"وَالحَقُّ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَامِ مُنَاظِرًا لِقَومِهِ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَة الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ.
فَبَيَّنَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَة الأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ المَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ -الَّذِينَ هُمْ عِنْد أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ-؛ وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَه فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ! " (^٣).
_________________
(١) قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزُّمَر: ٣].
(٢) وَالحَدِيثُ هُوَ «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﵊: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠]. صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٣٥٢) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٣/ ٢٩٢).
[ ٢٨ ]
- الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ: وَالدَّلِيلُ العَامُّ هُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفَتْح: ٤].
وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَكُونُ وُفْقَ ثَلَاثِ جِهَاتٍ:
الجِهَةُ الأُولَى: نَفْسُ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ بِاللهِ وَبِشَرْعِهِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ (^١).
وَيَدُلُّ لَهُ قَولُهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِي المَوتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَة:٢٦٠] (^٢).
وَيَدُلُّ لَهُ أَيضًا حَدِيثُ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيرٍ» وَفِي لَفْظٍ (إِيمَانٍ) بَدَلَ (خَيرٍ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٣) (^٤).
_________________
(١) وَشَبَّهَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بِالفَرَحِ وَالحُزْنِ وَالغَضَبِ، حَيثُ تُلَاحَظُ فِي كُلٍّ مِنْهَا الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ، وَأَنَّهَا عَلَى دَرَجَاتٍ. انْظُرْ كِتَابَ (عُمْدَةُ القَارِي) لِلعَينِيِّ ﵀ (١/ ١٠٨) عِنْدَ شَرْحِ كِتَابِ الإِيمَانِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (بَابُ الإيمَانِ وَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، وَالحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ مِنَ الإِيمَانِ). قُلْتُ: وَوَجْهُ إِيرَادِ لَفْظِ الحُبِّ وَالبُغْضِ مِنَ الحَدِيثِ فِي البَابِ ظَاهِرٌ فِي بَيَانِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ؛ وَأَنَّهُ دَرَجَاتٌ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ الصَحِيحِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ قَالَ: قَولُهُ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أَي: يَزْدَادَ يَقِينِي". فَتْحُ البَارِي (١/ ٤٧). وَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ بِكَثْرَةِ النَّظرِ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ، وَعَجَائِبِ خَلْقِهِ، وَتَدْبِيرِهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ.
(٣) البُخَارِيُّ (٤٤)، وَمُسْلِمٌ (١٩٣).
(٤) بَوَّبَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ «بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ».
[ ٢٩ ]
وَكَمَا فِي البُخَارِيِّ مُعَلَّقًا عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ قَالَ: "أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ كُلُّهُم يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُم أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ! " (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَذْكُورِينَ كَانُوا قَائِلِينَ بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ المُؤْمِنِينَ فِي الإِيمَانِ خِلَافًا لِلْمُرْجِئَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ إِيمَانَ الصِّدِّيقِينَ وَغَيرِهِمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ! " (^٢).
الجِهَةُ الثَّانِيَةُ: زِيَادَةُ الإِيمَانِ بِزِيَادَةِ تَعَلُّمِ شُعَبِ الإِيمَانِ؛ فَيَزْدَادُ مِقْدَارُ مَا يُؤْمِنُ بِهِ العَبْدُ.
وَيَدُلُّ لَهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التَّوبَة:١٢٤]. أَي: فَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ يَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: أَيُّكُم زَادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ إِيمَانًا -إِنْكَارًا وَاسْتِهْزَاءً بِالمُؤْمِنِينَ وَاعْتِقَادِهِم زِيَادَةَ الإِيمَانِ بِزِيَادَةِ العِلْمِ الحَاصِلِ بِالوَحْي وَالعَمَلِ بِهِ- (^٣)!
الجِهَةُ الثَّالِثَةُ: زِيَادَةُ الإِيمَانِ بِكَثْرَةِ الطَّاعَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» (^٤).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١/ ١٨) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (١/ ١١٠) عَنِ ابْنِ أَبِي خَيثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ، ومُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ لَهُ.
(٢) (فَتْحُ البَارِي) (١/ ١١١).
(٣) قَالَهُ العَيِنْيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي شَرْحُ البُخَارِيِّ) (١/ ١١٢).
(٤) البُخَارِيُّ (٩)، وَمُسْلِمٌ (٣٥).
[ ٣٠ ]
وَقَدْ بَوَّبَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَلَى الحَدِيثِ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ بِـ «بَابُ الإيمَانِ، وَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، وَهُوَ قَولٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفَتْح:٤] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكَهْف: ١٣] ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا هُدًى﴾ [مَرْيَم: ٧٦] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ١٧] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المُدَّثِّر: ٣١]، وَقَولُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التَّوبَة:١٢٤]، وَقَولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٣]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ٢٢]، وَالحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ مِنَ الإِيمَانِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَة: ٢٦٠].
وَقَالَ مُعَاذُ: "اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً".
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ".
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ".
وَقَالَ مُجَاهِدُ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشُّورَى: ١٣] أَوصَينَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سَبِيلًا وَسُنَّةً (^١).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١/ ٩).
[ ٣١ ]
- قَولُهُ: «وَمَلائِكَتِهِ»: يَتَضَمَّنُ الإِيمَانُ بِهِم أُمُورًا:
١ - أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ للهِ تَعَالَى خَلْقًا كَرِيمًا عَلَيهِ، مُطِيعًا لَهُ، لَا يَعْصُونَهُ فِي أَمْرٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦، ٢٧].
٢ - أَنْ نُؤْمِنَ بِأَسْمَاءِ مَنْ عَلِمْنَا مِنْ أَسْمَائِهِم؛ فَنَؤْمِنَ مَثَلًا بِأَنَّ هُنَاكَ مَلَكًا اسْمُهُ جِبْرِيلُ.
٣ - أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا لَهُم مِنْ أَعْمَالٍ.
فَمَثَلًا: جِبْرِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالوَحْي؛ يَنْزِلُ بِهِ مِنْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَى رُسُلِهِ بِالوَحْي.
وَمِيكَائِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالمَطَرِ وَالنَّبَاتِ.
وَإِسْرَافِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ.
وَمِنَ المَلَائِكَةِ مَنْ هُمْ مُوَكَّلُونَ بِالسِّيَاحَةِ فِي الأَرْضِ يَلْتَمِسُونَ حِلَقَ الذّكْرِ وَالعِلْمِ؛ فَإِذَا وَجَدُوهَا جَلَسُوا.
وَمِنْهُم مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ.
وَمِنْهُم مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِقَبْضِ رُوحِ بَنِي آدَمَ.
وَمِنْهُم مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِسُؤَالِ المَيِّتِ فِي قَبْرِهِ، إِلَى آخِرِ مَا عَلِمْنَا مِنْ ذَلِكَ.
- المَلَائِكَةُ مَخْلُوقَةٌ مِنْ نُورٍ، كَمَا في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» (^١).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٩٩٦).
[ ٣٢ ]
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ: "وَفِيه إِشَارَةٌ إِلَى بُطْلَانِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِر» وَنَحْوِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَقُولُ بِأَنَّه ﷺ خُلِقَ مِنْ نُورٍ! فَإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ المَلَائِكَةَ فَقَط هُمُ الَّذِينَ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ دُونَ آدَمَ وَبَنِيهِ؛ فَتَنَبَّهْ وَلَا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ" (^١).
- وَفِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ المَلَائِكَةَ أَجْسَامٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١]، وَدَلَّتِ النُّصُوصُ أَيضًا أَنَّ لَهَا قُلُوبًا تَعْقِلُ بِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]، وَفِي هَذَا أَيضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا أَرْوَاحٌ فَقَطْ لَيسَ لَهَا حَقِيقَةٌ أَو فِعْلٌ! أَو أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قِوَى الخَيرِ فِي النُّفُوسِ!
- فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إِمْكَانِيَّةِ تَشَكُّلِ المَلَائِكَةِ بِصُورَةِ البَشَرِ، وَكَمَا فِي مَجِيءِ جِبْرِيلَ إِلَى مَرْيَمَ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، وَمَجِيءِ المَلَائِكَةِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَوطٍ ﵉ فِي صُورَةِ بَشَرٍ أَيضًا (^٢).
_________________
(١) الصَّحِيحَةُ (٤٥٨).
(٢) وَلَيسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِهْنَةِ التَّمْثِيلِ! لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا حَصَلَ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، وَأَمَّا التَّمْثِيلُ مِنَ البَشَرِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الكَذِبِ، لَكِنْ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ التَّمْثِيلِ مِنْ تَحْصِيلِ حَقٍّ، أَو جِهَادٍ، أَو ؛ فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيهِ السُّنَّةُ، وَلَيسَ هَذَا مَوضِعُ تَفْصِيلِهِ.
[ ٣٣ ]
- قَولُهُ: «وَكُتُبِهِ»: الإِيمَانُ بِالكُتُبِ يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ:
١ - أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى الرُّسُلِ كُتُبًا؛ وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدَهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ لَا نُؤْمِنُ بِأَنَّ الكُتُبَ المَوجُودَةَ الآنَ فِي أَيدِي هَذِهِ الأُمَمِ هِيَ نَفْسُهَا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ مِنْ عِنْدَ اللهِ! لِأَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ المَوجُودَةَ -الآنَ- مُحَرَّفَةٌ وَمُبَدَّلَةٌ، لَكِنَّ أَصْلَ هَذِهِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ صَحِيحَةٌ؛ وَنُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدَ اللهِ.
٢ - أَنْ نُؤْمِنَ بِصِحَّةِ مَا فِيهَا مِنْ أَخْبَارٍ، كَأَخْبَارِ القُرْآنِ وَأَخْبَارِ مَا لَمْ يُبَدَّلْ أَو يُحَرَّفْ مِنَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ.
٣ - أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا عَلِمْنَا مِنْ أَسْمَائِهَا، مِثْلَ: القُرْآنِ وَالتَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَصُحُفِ مُوسَى.
٤ - الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهَا سُبْحَانَهُ.
- قَولُهُ: «وَرُسُلِهِ»: الإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَتَضَمَّنُ:
١ - الإِيمَانَ بِمَنْ عَلِمْنَا مِنْ أَسْمَائِهِم.
٢ - الإِيمَانَ بِأَنَّهُم صَادِقُونَ نَاصِحُونَ لِأَقْوَامِهِم.
٣ - الإِيمَانَ بِأَنَّهُم مُرْسَلُونَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﵎.
- قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ عَدَدِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: «مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِئَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا» (^١).
_________________
(١) صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢٢٢٨٨) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٦٦٨): "جُمْلَةُ القَولِ: إِنَّ عَدَدَ الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ التَّرْجَمَةِ صَحِيحٌ لِذَاتِهِ، وَإِنَّ عَدَدَ الأَنْبِيَاءِ المَذْكُورِينَ فِي أَحَدِ طُرُقِهِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ؛ فَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيرِهِ".
[ ٣٤ ]
وَالأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي القُرْآنِ عَدَدُهُم خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا.
- الفَرْقُ بَينَ النَّبِيِّ وَالرَّسولِ: النَّبِيَّ هُوَ مَنْ بُعِثَ لِتَقْرِيرِ شَرْعٍ سَابِقٍ، وَالرَّسُولُ مَنْ بعثَهُ اللهُ بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيهَا؛ سَوَاءً كَانَتْ جَدِيدَةً أَو مُتَقَدِّمَةً. وَاللهُ أَعْلَمُ (^١) (^٢).
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الإِرْسَالِ فَكُلُّهُم مُرْسَلُونَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجّ: ٥٢]، لَكِنَّ النَّبِيَّ لَيسَ رَسُولًا بِالمَعْنَى الأَخَصِّ (^٣).
_________________
(١) قَالَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٦٦٨)، وَبِنَحْوِهِ قَالَ العَلَّامَةُ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ (ص: ٢٣)، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَولِهِ تَعَالَى عَنِ الرُّسُلِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحَدِيد: ٢٥]، وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّينَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَونِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ [المَائِدَة: ٤٤].
(٢) وَعَلَيهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ يَكُونُ فِي قَومٍ مُؤْمِنِينَ، فَهُوَ مِثْلُ المُجَدِّدِ لِرِسَالَةِ مَنْ قَبْلَهُ، أَمَّا الرَّسُولُ فَيُرْسَلُ إِلَى قَومٍ كَافِرِينَ، وَلِهَذَا مُهِمَّةُ الرَّسُولِ أَكْبَرُ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَيسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَاتِيَ بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، وِاسْتُدِلَّ عَلَى هَذَا بِيُوسُفَ ﵊ ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يُوسُف: ٣٨]، فَكَانَ يُوسُفُ عَلَى شَرِيعَةِ اِبْرَاهِيمَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَكِنَّ الفَرْقَ أَنَّ يُوسُفَ ﵊ قَدْ بُعِثَ لِمُخَالِفِينَ، فَالضَّابِطُ عِنْدَهُم نَوعُ المَبْعُوثِ إِلَيهِم، فَإِنْ بُعِثَ إِلَى قَومٍ مُؤْمِنِينَ فَهُوَ نَبِيٌّ وَإِنْ بُعِثَ إِلَى مُخَالِفِينَ فَهُوَ رَسُولٌ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(٣) أَفَادَهُ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ الأُصُولِ؛ شَرِيط رَقَم (٢).
[ ٣٥ ]
- أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أَخَصُّ مِنْ عَامَّةِ الرُّسُلِ، وَالرُّسُلُ أَخَصُّ مِنْ عَامَّةِ الأَنْبِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشُّورَى: ١٣].
- قَولُهُ: «وَاليَومِ الآخِرِ»: الإِيمَانُ بِاليَومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ:
١ - الإِيمَانَ بِوُقُوعِهِ؛ وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ؛ وَهُوَ إِحْيَاؤُهُم حِينَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَيَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ؛ فَيُثِيبُ فِيهِ المُطِيعَ، وَيُعَذِّبُ فِيهِ العَاصِي، وَكُلٌّ بِحَسْبِ عَمَلِهِ.
٢ - الإِيمَانَ بِكُلِّ مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَنْهُ، وَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ فِي ذَلِكَ اليَومِ الآخِرِ؛ مِنْ كَونِ النَّاسِ يُحْشَرُونَ يَومَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا -أَي: غَيرَ مَخْتُونِينَ-؛ بُهْمًا -أَي: لَيسَ مَعَهُم مَالٌ- (^١)، وَأَيضًا مَا فِيهِ مِنَ الحَوضِ وَالشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّ الجَنَّةَ دَارُ نَعِيمٍ، وَأَنَّ النَّارَ دَارُ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
٣ - الإِيمَانَ بِنَعِيمِ القَبْرِ وَعَذَابِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ (^٢) (^٣).
_________________
(١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٠٤].
(٢) نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀، كَمَا فِي كِتَابِهِ (الإِبَانَةُ) (ص: ١٤).
(٣) تَنْبِيهٌ: مِنَ الأَخْطَاءِ اللَّفْظِيَّةِ: قَولُ بَعْضِ العَامَّةِ عَنِ المَيِّتِ أَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى مَثْوَاهُ الأَخِيرِ، فَهَذِهِ مَقُولَةُ الزَّنَادِقَةِ وَالدَّهْرِيِّينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالمَعَادِ، بَلِ المَثْوَى الأَخِيرُ هُوَ الجَنَّةُ أَوِ النَّارُ.
[ ٣٦ ]
- قَولُهُ: «وَأَنْ تَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»: الإِيمَانُ بِالقَدَرِ يَتَضَمَّنُ:
١ - الإِيمَانَ بِعِلْمِ اللهِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا (^١).
٢ - الإِيمَانَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.
قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَجّ: ٧٠].
٣ - الإِيمَانَ بِأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ فِي الكَونِ هُوَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا مَشِيئَةَ لِلعَبْدِ مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨، ٢٩].
٤ - الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ ﷾ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقَان: ٢].
- قَولُهُ: «خَيرِهِ وَشَرِّهِ»: مَفَادُهُ التَّاكِيدُ عَلَى أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ»: الإِحْسَانُ مَرْتَبَتَانِ:
١ - مَرْتَبَةُ طَلَبٍ وَشَوقٍ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ: «كَأَنَّكَ تَرَاهُ».
٢ - مَرْتَبَةُ هَرَبٍ وَخَوفٍ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ: «فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٦] حَيثُ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ العِلْمَ القَدِيمَ؛ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَلَى تَكْفِيرِهِ، وَكَذَلِكَ غَيرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الإِسْلَامِ". جَامِعُ العُلومِ وَالحِكَمِ (١/ ١٠٤).
[ ٣٧ ]
مَنْ دَعَاهُ خَوفًا وَطَمَعًا؛ مِنَ المُحْسِنِينَ.
وَإِنَّ إِحْسَانَ العَمَلِ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ، فَمِنْهُ قَدْرٌ مُجْزِئٌ يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ حَسَنًا، وَمِنْهُ قَدْرٌ مُسْتَحَبٌ يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ قَائِمًا فِي عَمَلِهِ عَلَى المَرْتَبَتَينِ السَّابِقَتَينِ (^١).
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ العَابِدَ يَتَخَيَّلُ ذَلِكَ فِي عِبَادَتِهِ؛ لَا أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً -لَا بِبَصَرِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ-!
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُلُوبَ تَصِلُّ فِي الدُّنْيَا إِلَى رُؤْيَةِ اللهِ عَيَانًا كَمَا تَرَاهُ الأَبْصَارُ فِي الآخِرَةِ كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ مَنْ يَزْعُمُهُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ!! فَهُوَ زَعْمٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ هَذَا المَقَامَ هُوَ الَّذِي قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِمَا وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَيضًا أَنَّهُ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَرَّتَينِ (^٢)، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ أَيضًا، وَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ: إِنَّهُ يَرَاهُ بِقَلْبِهِ، مِنْهُم الحَسَنُ وَأَبُو العَالِيَةِ وَمُجَاهِدُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ بْنِ نَوفَلٍ وَإِبْرَاهِيمُ التَّيمِيُّ وَغَيرُهُم، فَلَو كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ مُشْتَرِكَةٌ بَينَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيرِهِم لَمْ يَكُنْ فِي تَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ لَهُ، لَاسِيَّمَا وَإِنَّمَا قَالُوا: إِنَّهَا حَصَلَتْ لَهُ مَرَّتَينِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ تَصِيرُ حَالًا وَمَقَامًا دَائِمًا أَو غَالِبًا لَهُم! وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ تَفْضِيلُ الأَولِيَاءِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنَ الضَّلَالَاتِ
_________________
(١) وَقَدْ أَشَارُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في كِتَابِهِ (جَامِعُ العُلومِ وَالحِكَمِ) (١/ ١٢٦) إِلَى فَائِدَةٍ لَطِيفَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا فَعَبَدَ اللهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ؛ فَإِنَّ جَزَاءَهُ هُوَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ؛ فَيَرَى اللهَ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ [يُونُس: ٢٦]، وَفَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهَا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٨١) عَنْ صُهَيبٍ مَرْفُوعًا.
(٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٧٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّهُ رَآهُ مَرَّتَينِ بِفُؤَادِهِ".
[ ٣٨ ]
وَالمُحَالَاتِ وَالجَهَالَاتِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (^١).
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ»: السَّاعَةُ: هِيَ يَومُ القِيَامَةِ، وَ(الـ) التَّعْرِيفِ هُنَا هِيَ لِلعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَأُطْلِقَ لَفْظُهَا لِعَظَمَتِهَا وَشُهْرَتِهَا.
- قَولُهُ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا»؛ فِي لَفْظِ ابْنِ مَاجَه: "قَالَ: وَكِيعٌ: يَعْنِي تَلِدُ العَجَمُ العَرَبَ" (^٢)، وَالمَعْنَى كَثْرَةُ انْتِشَارِ السَّرَارِي لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الفُتُوحَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَحُصُولِ الرَّقِيقِ، وَتَسَرِّي كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالإِمَاءِ مِنَ العَجَمِ.
- قَولُهُ: «وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ»: كِنَايَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الحَالِ بِسُرْعَةٍ، وَالمَقْصُودُ بِالمَذْكُورِينَ هُمُ العَرَبُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَحَدِ أَلْفَاظِهِ (^٣).
وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ» (^٤).
- إِنَّ ذِكْرَ هَذِهِ العَلَامَاتِ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَدْحِهَا أَو ذَمِّهَا، وَلَكِنْ كُلٌّ بِحَسْبِهِ، فَمَثَلًا: التَّطَاوُلُ فِي البُنْيَانِ بِغَيرِ حَاجَةٍ قَدْ ثَبَتَ ذَمُّهُ شَرْعًا.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟». قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ -رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ-. قَالَ: فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيهِ فِي النَّاسِ
_________________
(١) (فَتْحُ البَارِي) لِابْنِ رَجِبٍ (١/ ٢١٤).
(٢) صَحِيحُ ابْنِ مَاجَه (٦٣).
(٣) كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (٢٩٢٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَهُوَ صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (١٣٤٥).
(٤) صَحِيحٌ. عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا. رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ مُشْكِلِ الآثَارِ) (٢٠٥١). الصَّحِيحَةُ (١٥٠٥). وَاللُّكَعُ هُوَ: اللَّئِيمُ وَالغَبِيُّ وَالأَحْمَقُ، وَالمُرَادُ بِذَلِكَ: قِلَّةُ العِلْمِ.
[ ٣٩ ]
أَعْرَضَ عَنْهُ -صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا- حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الغَضَبَ فِيهِ وَالإِعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُنْكِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ! قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. قَالَ: فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالأَرْضِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَلَمْ يَرَهَا، قَالَ: «مَا فَعَلَتِ القُبَّةُ؟». قَالُوا: شَكَا إِلَينَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ عَنْهُ؛ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا؛ إِلَّا مَا لَاَ». يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ» (^١).
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا»: أَمَارَاتُ السَّاعَةِ نَوعَانِ: صُغْرَى كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، وَكُبْرَى.
قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: "الأَشْرَاطُ جَمْعُ شَرَطٍ، وَالشَّرَطُ هُوَ العَلَامَةُ الَّتِي تُفَرِّقُ الشَّيءَ وتُمَيِّزُهُ عَنْ غَيرِهِ.
وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ المَقْصُودُ بِهَا الآيَاتُ وَالعَلَامَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، إِمَّا دُنُوًّا؛ فَتَكُونُ أَشْرَاطًا كُبْرَى، وَإِمَّا دِلَالَةً عَلَى القُرْبِ؛ فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الأَشْرَاطِ الصُّغْرَى.
وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ كَلِمَةِ الأَشْرَاطِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ، قَالَ ﷿: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أنَّ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [مُحَمَّد: ١٨]، وَأَفَادَتِ الآيَةُ فَائِدَتَينِ:
الفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ السَّاعَةَ لَهَا أَشْرَاطٌ وَعَلَامَاتٌ.
الفَائِدَة الثَّانِيَةَ: أَنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ قَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِ تَنَزُّلِ القُرْآنِ عَلَى
مُحَمَّدٍ ﷺ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٥٢٣٧). الصَّحِيحَةُ (٢٨٣٠).
[ ٤٠ ]
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ مِنَ الأَشْرَاطِ مَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ وُقُوعِ السَّاعَةِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ وُقُوعِ السَّاعَةِ" (^١).
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ غَيرُ الإِيمَانِ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ»، وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ». وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّغَايُرِ.
وَقَولُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ هُوَ: إِنْ ذُكِرَ الإِيمَانُ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِسْلَامُ، وَإِنْ ذُكِرَ الإِسْلَامُ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المَائِدَة: ٣] يَشْمَلُ الإِيمَانَ، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عِمْرَان: ٢٠] يَشْمَلُ الإِيمَانَ.
كَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا ذُكِرَ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِسْلَامُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرالمُؤْمِنِينَ﴾ [الصَّف: ١٣] بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّف: ١١].
أَمَّا إِذَا ذُكِرَا جَمِيعًا فَإِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ، وَيَكُونُ الإِسْلَامُ هُوَ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ أَقْوَالِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الجَوَارِحِ، وَالإِيمَانُ هُوَ الأَعْمَالُ البَاطِنَةُ مِنْ اعْتِقَادَاتِ القُلُوبِ وَأَعْمَالِهَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ هَذَا الحَدِيثُ وَغَيرُهُ؛ كَقَولِ اللهِ ﷿: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[الحُجُرَات: ١٤].
قَالَ شيخُ الإِسْلَام ﵀: "قَالَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ: بَلْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُصِفُوا بِالإِسْلَامِ دُونَ الإِيمَانِ قَدْ لَا يَكُونُونَ كُفَّارًا فِي البَاطِنِ، بَلْ مَعَهُمْ بَعْضُ الإِسْلَامِ المَقْبُولِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الإِسْلَامُ أَوسَعُ مِنَ الإِيمَانِ، فَكُلُّ
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، شَرِيط رَقَم (٤٨).
[ ٤١ ]
مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا، وَيَقُولُونَ فِي قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي -حِينَ يَزْنِي- وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (^١): إنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الإِيمَانِ إلَى الإِسْلَامِ، وَدَوَّرُوا لِلْإِسْلَامِ دَارَةً، وَدَوَّرُوا لِلْإِيمَانِ دَارَةً أَصْغَرَ مِنْهَا فِي جَوفِهَا، وَقَالُوا: إذَا زَنَى خَرَجَ مِنَ الإِيمَانِ إلَى الإِسْلَامِ؛ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلَامِ إلَى الكُفْرِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ ﵎ قَال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحُجُرَات: ١٤] " (^٢).
وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ: "وَقَالَ ﵀
-يَعْنِي: أَبَا عَمْرو بْنَ الصَّلَاحِ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ-: هَذَا بَيَانُ أَصْلِ الإِيمَانِ؛ وَهُوَ التَّصْدِيقُ البَاطِنُ، وَبَيَانُ أَصْلِ الإِسْلَامِ؛ وَهُوَ الاسْتِسْلَامُ وَالانْقِيَادُ الظَّاهِرُ. وَحُكْمُ الإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ ثَبَتَ فِي الشَّهَادَتَينِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيهَا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّومَ وَالحَجَّ لِكَونِهَا أَظْهَرَ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ وَأَعْظَمَهَا، وَبِقِيَامِهِ بِهَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ. ثُمَّ إِنَّ اسْمَ الإِيمَانِ يَتَنَاوَلُ مَا فُسِّرَ بِهِ الإِسْلَامُ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَسَائِرَ الطَّاعَاتِ لِكَونِهَا ثَمَرَاتِ التَّصْدِيقِ البَاطِنِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الإِيمَانِ، وَلِهَذَا لَا يَقَعُ اسْمُ المُؤْمِنِ المُطْلَقُ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَو تَرَكَ فَرِيضَةً، لِأَنَّ اسْمَ الشَيءِ مُطْلَقًا يَقَعُ عَلَى الكَامِلِ مِنْهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي النَّاقِصِ ظَاهِرًا إِلَّا بِنِيَّةٍ" (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٤٧٥)، وَمُسْلِمٌ (٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ٤٧٦).
(٣) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ دَقِيق العِيد (ص: ٣٤).
[ ٤٢ ]
قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ في صَحِيحِهِ عِنْدَ هَذَا الحَدِيثِ: "بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيسِ مِنَ الإِيمَانِ (^١)، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عِمْرَان: ٨٥] " (^٢).
- فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: مُسْلِمٌ، وَأَعْلَى مِنْهُ المُؤْمِنُ، وَأَعْلَى
مِنْهُ المُحْسِنُ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فَاطِر: ٣٢ - ٣٥]، فَقَدْ قَسَمَ سُبْحَانَهُ الأُمَّةَ الَّتِي أَورَثَهَا الكِتَابَ وَاصْطَفَاهَا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: ظَالِمٍ لِنَفْسِهِ، وَمُقْتَصِدٍ، وَسَابِقٍ بِالخَيرَاتِ.
وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ يَنْطَبِقُونَ عَلَى الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ المَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ" (^٣).
_________________
(١) وَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ لِوَفْدِ بَنِي عَبْدِ القَيسِ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
(٢) البُخَارِيُّ (١/ ١٩).
(٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ٤٨٥).
[ ٤٣ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَتَى يَنْتَفِي اسْمُ الإِيمَانِ أَوِ الإِسْلَامِ عَنْ صَاحِبِهِ؟
الجَوَابُ:
اسْمُ الإِيمَانِ يَنْتَفِي بِتَرْكِ شَيءٍ مِنْ وَاجِبَاتِهِ، وَاسْمُ الإِسْلَامِ يَنْتَفِي بِتَرْكِ أَصْلِهِ (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "لَا رَيبَ أَنَّهُ مَتَى ضَعُفَ الإِيمَانُ البَاطِنُ؛ لَزِمَ مِنْهُ ضَعْفُ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ أَيضًا، لَكِنَّ اسْمَ الإِيمَانِ يُنْفَى عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي -حِينَ يَزْنِي- وَهُوَ مُؤْمِنٌ». وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ: هَلْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا نَاقِصَ الإِيمَانِ، أَو يُقَالُ: لَيسَ بِمُؤْمِنٍ، لَكِنَّهُ مُسْلِمٌ؟ عَلَى قَولَينِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَأَمَّا اسْمُ الإِسْلَامِ؛ فَلَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ أَوِ انْتِهَاكِ بَعْضِ مُحَرَّمَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُنْفَى بِالإِتْيَانِ بِمَا يُنَافِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي شَيءٍ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ نَفْيُ الإِسْلَامِ عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ كَمَا يُنْفَى الإِيمَانُ عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ
_________________
(١) لَيسَ المَقْصُودُ هُنَا بِالإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ نَفْسُ المَقْصُودِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَإِنَّمَا عُمُومُ اسْمِ الإِيمَانِ، وَعُمُومُ اسْمِ الإِسْلَامِ. فَالمَقْصُودُ بِوَاجِبَاتِ الإِيمَانِ هُنَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا هُوَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَالَّذِي فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ هُوَ أَرْكَانُ الإِيمَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِهِ صَاحِبُهُ إِلَى الكُفْرِ المُخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ إِنْ لَمْ يَاتِ بِهِ، وَأَمَّا الوَاجِبَاتُ هُنَا فَهِيَ مَا دَلَّتْ عَلَيهَا النُّصُوصُ مِنْ كَونِهَا يَزُولُ اسْمُ الإِيمَانُ عَنْ صَاحِبِهَا بِزَوَالِهَا -وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِيهِ أَصْلًا- كَمَا فِي قَولِهِ ﵊: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ» وَ«لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَامَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» وَ«مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ»، وَسَيَاتِي شَيءٌ فِي شَرْحِ ذَلِكَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ.
[ ٤٤ ]
إِطْلَاقُ الكُفْرِ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ المُحَرَّمَاتِ، وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ أَيضًا" (^١).
وَقَالَ أَيضًا ﵀عَنِ الأَعْرَابِ فِي الآيَةِ-: "فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُمْ رُسُوخُ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ، وَتَثْبُتُ لَهُمُ المُشَارَكَةُ فِي أَعْمَالِ الإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ مَعَ نَوعِ إِيمَانٍ يُصَحِّحُ لَهُمُ العَمَلَ، إِذْ لَولَا هَذَا القَدْرُ مِنَ الإِيمَانِ؛ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا نُفِيَ عَنْهُمُ الإِيمَانُ لِانْتِفَاءِ ذَوقِ حَقَائِقِهِ، وَنَقْصِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ القَائِمَ بِالقُلُوبِ مُتَفَاضِلٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ" (^٢).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ١١١).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ١١٣).
[ ٤٥ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا هِيَ مَذَاهِبُ النَّاسِ في الإِيمَانِ:
الجَوَابُ:
١ - ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالأَوزَاعِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ رَاهَويه وَسَائِرُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلُ المَدِينَةِ ﵏ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ تَصْدِيقٌ بِالجَنَانِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ.
وَكَونُ العَمَلِ مِنَ الإِيمَانِ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيهِ الأَدِلَّةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» وَفِي رِوَايَةٍ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «فَأَفْضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (^١).
وَكَمَا فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: «حَجٌ مَبْرُورٌ» (^٢).
٢ - ذَهَبَ الكَثيرُ مِنْ الحَنَفِيَّةِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀: أَنَّهُ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ بِالجَنَانِ. وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ رُكْنٌ زَائِدٌ
لَيسَ أَصْلِيًّا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ ﵀، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁.
٣ - ذَهَبَتِ الكَرَّامِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ فَقَط! فَالمُنَافِقُونَ -عِنْدَهُم- مُؤْمِنُونَ كَامِلُو الإِيمَانِ! وَلَكِنَّهُم يَقُولُونَ بِأَنَّهُم يَسْتَحِقُّونَ الوَعِيدَ الَّذِي
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٩)، وَمُسْلِمٌ (٣٥).
(٢) البُخَارِيُّ (١٥١٩).
[ ٤٦ ]
أَوعَدَهُمُ اللهُ بِهِ، وَقَولُهُم ظَاهِرُ الفَسَادِ.
٤ - ذَهَبَ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَبُو الحَسَنِ الصَّالِحِيُّ -أَحَدُ رُؤُوسِ القَدَرِيَّةِ- إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ! وَهَذَا القَولُ أَظْهَرُ فَسَادًا مِمَّا قَبْلَهُ! فَإِنَّ لَازِمَهُ أَنَّ فِرْعَونَ وَقَومَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ! فَإِنَّهُم عَرَفُوا صِدْقَ مُوسَى وَهَارُونَ ﵉؛ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمَا، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإِسْرَاء: ١٠٢]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النَّمْل: ١٤]، وَأَهْلُ الكِتَابِ كَانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَائَهُم؛ وَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ؛ بَلْ كَافِرِينَ بِهِ، مُعَادِينَ لَهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ -عِنْدَهُم- يَكُونُ مُؤْمِنًا! فَإِنَّهُ قَالَ: "وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا، لَولَا المَلَامَةُ أَو حِذَارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبَيِّنًا" (^١).
_________________
(١) يُنْظَرْ: (شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ) لِابْنِ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيِّ ﵀ (ص: ٣٣٢).
[ ٤٧ ]