عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ؛ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا (^١) سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَالَ: أَرَأَيتَ إِذا صَلَّيتُ المَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحلَلْتُ الحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلى ذَلِكَ شَيئًا؛ أَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
- هَذَا الحَدِيثُ بَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِـ (بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الجَنَّةُ؛ وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ) (^٣).
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ عَدَمِ وُجُوبِ غَيرِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، وَغَيرُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ لَا تَجِبُ إِلَّا لِسَبَبٍ.
- الصِّيَامُ لُغَةً: الإِمْسَاكُ. وَشَرْعًا: هُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ المُفْطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَعَبُّدًا للهِ ﷿.
- قَولُهُ: (وَأَحْلَلْتُ الحَلَالَ): أَي: فَعَلْتُ الحَلَالَ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ، (وَحَرَّمْتُ الحَرَامَ): أَي اجْتَنَبْتُ الحَرَامَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ.
وَالتَّقْيِيدُ بِكَونِهِ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ هُوَ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى مَا فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ بِغَيرِ
_________________
(١) هَذَا السَّائِلُ هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوقَل -بِقَافَينِ مَفْتُوحَتَينِ-. جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٥١٣).
(٢) مُسْلِمٌ (١٥).
(٣) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١/ ٤٢).
[ ٢٥١ ]
نِيَّةٍ، كَمَنْ لَا يَسْرِقُ لِكَونِهِ غَنِيًّا، وَمَنْ لَا يَعُقُّ وَالِدَيهِ مِنْ جِهَةِ كَونِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المَذْمُومَةِ عَادَةً وَعُرْفًا.
- قَولُهُ: (وَلَمْ أَزِدْ عَلى ذَلِكَ شَيئًا أَدْخُلُ الجَنَّةَ؟): لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ العِبَادَاتِ الَّتِي قَدْ عُلِمَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ وُجُوبُهَا وَتَحْرِيمُ تَرْكِهَا! وَلَكِنَّ مَقْصُودَهُ لَمْ أَزِدْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ شَيئًا مِنَ التَّطَوُّعِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ شَيئًا مِنَ الصِّيَامِ؛ وَلَيسَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إِلَّا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ دُونَ سَائِرِ الوَاجِبَاتِ!
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللهِ أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ -ثَائِرَ الرَّاسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ- حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهَا؟ قَالَ: «لَا؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ»، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهُ؟ قَالَ: «لَا؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهَا؟ قَالَ: «لَا؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).
- إِنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ فِي النُّصُوصِ يُرَادُ بِهِ نَوعَان: دُخُولٌ أَوَّلِيٌّ: يَعْنِي ابْتِدَاءً لَا يَسْبِقُهُ عَذَابٌ، وَدُخُولٌ مَآلِيٌّ.
وَالنَّفْيُ كَذَلِكَ جَاءَ عَلَى نَوعَينِ، هُمَا: نَفْيٌ مُطْلَقٌ: يَعْنِي لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَبَدًا، وَنَفْيٌ أَوَّلِيُّ: يَعْنِي لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَى الجَنَّةِ.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٦)، وَمُسْلِمٌ (١١).
[ ٢٥٢ ]
وَالَّذِينَ يُنْفَى عَنْهُم الدُّخُولُ الأَوَّلِيُّ لِلجَنَّةِ هُمْ أَهْلُ التَّوحِيدِ الَّذِينَ لَهُم ذُنُوبٌ -وَلَمْ يَغْفِرِ اللهُ تَعَالَى لَهُم أَوَّلًا- فَيُطَهَّرُونَ مِنْهَا بِالنَّارِ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا مَنَّانٌ، وَلَا وَلَدُ زِنْيَةٍ، وَلَا مُدْمِنٌ خَمْرٍ» (^١).
وَأَمَّا الَّذِينَ يُنْفَى عَنْهُم الدُّخُولُ المُطْلَقُ لِلجَنَّةِ -أَي لَا يَدْخُلُونَهَا لَا أَوَّلًا وَلَا آخِرًا- فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الكُفْرِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائِدَة: ٧٢].
وَدَلَّ أَيضًا عَلَى تَفْصِيلِ دُخُولِ النَّارِ -مِنْ جِهَةِ التَّخْلِيدِ أَوِ الدُّخُولِ الأَوَّلِيِّ- الحَدِيثُ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَونَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَو قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَتْهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ؛ فَبُثُّوا عَلَى أنْهَارِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أهْلَ الجَنَّةِ؛ أَفِيضُوا عَليهِمْ، فَينْبِتُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ» (^٢)، فَفِيهِ
_________________
(١) صَحِيحٌ. الدَّارِمِيُّ (٢١٣٨) عَنْ عَبْد اللهِ بْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٧٣). وَأَمَّا قَولُهُ "وَلَدُ زِنْيَةٍ»: «أُرِيدَ بِهِ مَنْ تَحَقَّقَ بِالزِّنَى حَتَّى صَارَ غَالِبًا عَلَيهِ؛ فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَيهِ؛ فَيُقَالَ: هُوَ ابْنٌ لَهُ، كَمَا يُنْسَبُ المُتَحَقِّقُونَ بِالدُّنْيَا إلَيهَا؛ فَيُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الدُّنْيَا؛ لِعِلْمِهِمْ لَهَا وَتَحَقُّقِهِمْ بِهَا، وَتَرْكِهِمْ مَا سِوَاهَا". (شَرْحُ مُشْكِلِ الآثَارِ) لِلطَّحَاوِيِّ (٢/ ٣٧٢).
(٢) صَحِيحُ مُسْلِمِ (٢٩٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. وَالضَّبَائِرُ: الجَمَاعَاتُ. وَحَمِيلُ السَّيلِ: مَا حَمَلَهُ السَّيلُ مِنْ نَحْوِ طِينٍ أَو غُثَاءٍ. والحِبَّةِ -بِكَسْرِ المُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ-: بُزُورُ الصَّحْرَاءِ.
[ ٢٥٣ ]
بَيَانُ أَنَّ دُخُولَ النَّارِ أَيضًا نَوعَانِ.
- فِي هَذَا الحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ أَنَّ هَذِهِ الأَعْمَالَ أَسْبَابٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَلَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ مَوَانِعُ دُخُولِ الجَنَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ ارْتِكَابَ بَعْضِ الكَبَائِرِ يَمْنَعُ دُخُولَ الجَنَّةِ.
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» (^١)،
وَقَولِهِ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (^٢)،
وَقَولِهِ: «لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُمْ» (^٣)،
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الجُهَنِيِّ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَصَلَّيتُ الخَمْسَ، وَأَدَّيتُ زَكَاةَ مَالِي، وَصُمْتُ شَهْرَ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَومَ القِيَامَةِ هَكَذَا -وَنَصَبَ إِصْبَعَيهِ- مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيهِ» (^٤)، وَغَيرِهَا كَثِيرٌ.
- وَأَمَّا مَعْنَى النُّصُوصِ الَّتِي جَاءَتْ فِي تَرَتُّبِ دُخُولِ الجَنَّةِ عَلَى مُجَرَّدِ التَّوحِيدِ (^٥)؛ فَلَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُعَذَّبَ صَاحِبُهَا بِالنَّارِ عَلَى ذُنُوبِهِ مُطْلَقًا! وَصَحِيحٌ أَنَّ
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٨٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٦) عَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا.
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
(٣) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٤) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٩/ ٥٢٢). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٥١٥).
(٥) كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ المَرْفُوعِ «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنى وَإنْ سَرَقَ؟! فَقَالَ: وَإنْ زَنى وَإنْ سَرَقَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧٤٨٧)، وَمُسْلِمٌ (٩٤).
[ ٢٥٤ ]
أَصْلَ النَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالإِتْيَانِ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ؛ وَلَكِنَّ كَمَالَ النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بَلْ حَتَّى كَونُ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مُكَفِّرَةً لِلذُّنُوبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْرُونٌ بِاجْتِنَابِ الكَبَائِرِ أَصْلًا؛ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " فَإِنَّ تَحَقُّقَ القَلْبِ بِمَعْنَى-لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- وَصِدْقَهُ فِيهَا، وَإِخْلَاصَهُ بِهَا يَقْتَضِي أَنْ يَرْسَخَ فِيهِ تَأَلُّهَ اللهِ وَحْدَهُ إِجْلَالًا، وَهَيبَةً، وَمَخَافَةً، وَمَحَبَّةً، وَرَجَاءً، وَتَعْظِيمًا، وَتَوَكُّلًا، وَيَمْتَلِئَ بِذَلِكَ، وَيَنْتَفِيَ عَنْهُ تَالُّهُ مَا سِوَاهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَحَبَّةٌ وَلَا إِرَادَةٌ وَلَا طَلَبٌ لِغَيرِ مَا يُرِيدُ اللهُ وَيُحِبُّهُ وَيَطْلُبُهُ، وَيَنْتَفِي بِذَلِكَ مِنَ القَلْبِ جَمِيعُ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ وَإِرَادَاتِهَا، وَوَسَاوِسُ الشَّيطَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيئًا وَأَطَاعَهُ، وَأَحَبَّ عَلَيهِ وَأَبْغَضَ عَلَيهِ؛ فَهُوَ إِلَهُهُ! فَمَنْ كَانَ لَا يُحِبُّ وَلَا يُبْغِضُ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا يُوَالِي وَلَا يُعَادِي إِلَّا لَهُ؛ فَاللَّهُ إِلَهُهُ حَقًّا، وَمَنْ أَحَبَّ لِهَوَاهُ، وَأَبْغَضَ لَهُ، وَوَالَى عَلَيهِ، وَعَادَى عَلَيهِ؛ فَإِلَهُهُ هَوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٣]، قَالَ الحَسَنُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيئًا إِلَّا رَكِبَهُ! وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي كُلَّمَا هَوَى شَيئًا رَكِبَهُ، وَكُلَّمَا اشْتَهَى شَيئًا أَتَاهُ، لَا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ وَرَعٌ وَلَا تَقْوًى!
وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعْبَدُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ» (^١)، وَكَذَلِكَ مَنْ أَطَاعَ الشَّيطَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ؛ فَقَدْ عَبَدَهُ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
[يَس: ٦٠].
_________________
(١) مَوضُوعٌ، رَوَاهُ الطَّبَرَاِنُّي فِي الكَبِيرِ (٨/ ١٠٣). ضَعِيفُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٩).
[ ٢٥٥ ]
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَحْقِيقُ مَعْنَى قَولِ -لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ إِصْرَارٌ عَلَى مَحَبَّةِ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ، وَلَا عَلَى إِرَادَةِ مَا لَا يُرِيدُهُ اللهُ، وَمَتَى كَانَ فِي القَلْبِ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي التَّوحِيدِ، وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [الأَنْعَامِ: ١٥١] قَالَ: لَا تُحِبُّوا غَيرِي.
وَفِي صَحِيحِ الحَاكِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: «الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيءٍ مِنَ الجَورِ، وَتُبْغِضَ عَلَى شَيءٍ مِنَ العَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الحُبُّ وَالبُغْضُ؟! قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١]» (^١)، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ مَحَبَّةَ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ وَبُغْضَ مَا يُحِبُّهُ؛ مُتَابَعَةٌ لِلْهَوَى، وَالمُوَالَاةُ عَلَى ذَلِكَ وَالمُعَادَاةُ عَلَيهِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ.
وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «لَا تَزَالُ -لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- تَمْنَعُ العِبَادَ مِنْ سُخْطِ اللهِ؛ مَا لَمْ يُؤْثِرُوا دُنْيَاهُمْ عَلَى صَفْقَةِ دِينِهِمْ؛ فَإِذَا آثَرُوا صَفْقَةَ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ثُمَّ قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ رُدَّتْ عَلَيهِمْ، وَقَالَ اللهُ: كَذَبْتُمْ» (^٢).
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا مَعْنَى قَولِهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ؛ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (^٣)، وَأَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ؛ فَلِقِلَّةِ صِدْقِهِ فِي قَولِهَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَتْ طَهَّرَتْ مِنَ القَلْبِ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ، فَمَنْ صَدَقَ فِي
_________________
(١) صَحِيحٌ مِنْهُ الشَّطْرُ الأَوَّلُ فَقَط، رَوَاهُ الحَاكِمُ (٣١٤٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. الضَّعِيفَة (٣٧٥٥).
(٢) إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا. مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى (٤٠٣٤) بِتَحْقِيقُ الشَّيخِ حُسَينِ أَسَد حَفِظَهُ اللهُ.
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٨)، مُسْلِمٌ (٣٢).
[ ٢٥٦ ]
قَولِهِ -لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- لَمْ يُحِبَّ سِوَاهُ، وَلَمْ يَرْجُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَمْ يَخْشَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ، وَلَمْ يَتَوَكَّلْ إِلَّا عَلَى اللهِ، وَلَمْ تَبْقَ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ إِيثَارِ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ، وَمَتَى بَقِيَ فِي القَلْبِ أَثَرٌ لِسِوَى اللهِ؛ فَمِنْ قِلَّةِ الصِّدْقِ فِي قَولِهَا" (^١).
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ مَنْ قَامَ بِالوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ المُحَرَّمَاتِ دَخَلَ الجَنَّةَ أَوَّلًا.
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ حِكْمَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يُثْقِلُ عَلَى المَدْعُوِّ بِذِكْرِ كُلِّ الشَّرَائِعِ! وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى الأُصُولِ؛ فَقَدْ تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ تَنْبِيهَ هَذَا السَّائِلِ عَلَى السُّنَنِ وَالفَضَائِلِ تَسْهِيلًا وَتَيسِيرًا -لِقُرْبِ عَهْدِهِ بالإِسْلَامِ- لِئَلَّا يَكُونَ الإِكْثَارُ مِنْ ذَلِكَ تَنْفِيرًا لِمِثْلِهِ، وَعَلِمَ ﵊ أَنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ فِيهِ الإِسْلَامُ وَشَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ؛ رَغِبَ فِيمَا رَغِبَ فِيهِ غَيرُهُ.
قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀: " وَإِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ عَنْ ذِكْرِ التَّطَوُّعَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا لَهُم كَمَا ذَكَرَهَا فِي حَدِيثِ طَلْحَةِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ ﵁ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ -وَاللهُ أَعْلَمُ- كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ؛ فَاكْتَفَى مِنْهُم بِفِعْلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِم فِي تِلْكَ الحَالِ لِئَلاَّ يَثْقُلَ ذَلِكَ عَلَيهِم فَيَمَلَّوا، أَو لِئَلَّا يَعْتَقِدُوا أَنَّ السُّنَنَ وَالتَّطَوُّعَاتِ وَاجِبَةٌ؛ فَتَرَكَهُمْ إِلَى أَنْ تَنْشَرِحَ صُدُورُهُم بِالفَهْمِ عَنْهُ، وَالحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ ثَوَابِ تِلْكَ المَنْدُوبَاتِ؛ فتَسْهُلَ عَلَيهِم" (^٢).
قُلْتُ: وَفِي الحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: "اشْتَرَطَتْ ثَقِيفُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيهَا وَلَا جِهَادَ؛ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سَيَصَّدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ» " (^٣).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٥٢٤).
(٢) المُفْهِمُ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ (١/ ١٦٦).
(٣) صَحِيحٌ. مُسْنَدِ أَحْمَدَ (١٤٦٧٣ - ١٤٦٧٤). الصَّحِيحَةُ (١٨٨٩).
[ ٢٥٧ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- مَسْأَلَةٌ: مَا وَجْهُ عَدَمِ ذِكْرِ الزَّكَاةِ وَالحَجِّ فِي الحَدِيثِ؟
الجَوَابُ: هَذَا يَحْتَمِلُ أَوجُهًا:
١ - أَنَّ الحَجَّ لَمْ يُذْكَرْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ فُرِضَ، وَلَمْ تُذْكَرِ الزَّكَاةُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ فَقِيرًا لَيسَ عِنْدَهُ مَالٌ يُزكَّيهِ؛ لِذَلِكَ لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ أَصْلًا.
٢ - أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةُ وَالحَجُّ دَاخِلَينِ تَحْتَ إِحْلَالِ الحَلَالِ وَتَحْرِيمِ الحَرَامِ عُمُومًا.
٣ - أَنَّهُ -﵊- ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ فَقَط لِأَنَّهُمَا لَا يَسْقُطَانِ بِحَالٍ (^١)، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالحَجِّ فَإِنَّهُمَا مَقْرُونَانِ بِالاسْتِطَاعَةِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
_________________
(١) وَالصَّائِمُ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصِّيَامَ فَعَلَيهِ الفِدْيَةُ.
[ ٢٥٨ ]