عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ -جُرثُومِ بْنِ نَاشِرٍ﵁؛ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ؛ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا؛ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ؛ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيرَ نِسْيَانٍ؛ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا». حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيرُهُ (^١).
- الحَدِيثُ هُنَا شَمَلَ أَحْكَامَ الدِّينِ كُلَّهَا، وَهِيَ: فَرَائِضُ، وَمَحَارِمُ، وَحُدُودُ، وَمَسْكُوتٌ عَنْهَا.
- الحَدِيثُ هُنَا ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ يَقْرُبُ مِنْهُ حَدِيثُ «مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ؛ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٤]» (^٢).
- (جُرْثُوم): الجُرْثُومَةُ مَعْنَاهَا: الأَصْلُ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيهِ، وَلَيسَتْ هِيَ كَلِمَةُ ذَمٍّ فِي أَصْلِهَا!
_________________
(١) ضَعِيفٌ. الدَّارَقُطْنِيُّ (٤١٩٦). تَحْقِيقُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلأَلْبَانِيِّ (١٨٤١). قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "حَسَنٌ لِغَيرِهِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيرُهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّوَاهِدَ الَّتِي رَفَعَتْهُ إِلَى الحُسْنِ ضَعِيفةٌ جِدًّا لَا تَصْلُحُ لِلشَّهَادَةِ -كَمَا أَوضَحْتُهُ فِي غَايَةِ المَرَامِ-، وَانْظُرْ ضَعِيفَ الجَامِعِ (١٥٩٧)، وَالمِشْكَاةَ (١٩٧)، وَالتَّعْلِيقَاتِ الرَّضِيَّةَ (٣/ ٢٤)». انْظُرْ كِتَابَ (تَرَاجُعُ العَلَّامَةِ الأَلْبَانِيِّ فِي مَا نَصَّ عَلَيهِ تَصْحِيحًا وَتَضْعِيفًا" (١/ ٣٠٤) لِمُحَمَّد حَسَن الشَّيخ.
(٢) صَحِيحٌ. الدَّارَقُطْنِيُّ (٢٠٦٦) عَنْ أَبِي الدّرْدَاء مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٢٥٦).
[ ٣٢٠ ]
- قَولُهُ: «فَرَضَ»: أَي: أَوجَبَ.
- قَالَ أَهْلُ العِلْمِ عَنِ الفَرْضِ وَالوَاجِبِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الفَرْقِ بَينَهُمَا:
١ - إِنَّ الفَرْضَ مَا دَلَّ القُرْآنُ عَلَى وُجُوبِهِ، وَالوَاجِبَ مَا دَلَّتِ السُّنَّةُ
عَلَى وُجُوبِهِ.
وَهَذَا التَّفْرِيقُ هُوَ مِنْ جِهَةِ عَزْوِ الدَّلِيلِ لَا مِنْ جِهَةِ المَرْتَبَةِ.
٢ - إِنَّ الفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالوَاجِبَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ غَيرِ قَطْعِيٍّ.
وَهَذَا التَّفْرِيقُ عِنْدَهُم هُوَ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَالمَرْتَبَةِ.
٣ - إِنَّ الفَرْضَ وَالوَاجِبَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ؛ فَلَا يُفَرِّقُونَ بَينَهُمَا لَا مِنْ جِهَةِ عَزْوِ الدَّلِيلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ المَرْتَبَةِ، وَهُوَ الأَرْجَحُ.
- قَولُهُ: «حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا»: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "وَأَمَّا حُدُودُ اللهِ الَّتِي نَهَى عَنِ اعْتِدَائِهَا؛ فَالمُرَادُ بِهَا جُمْلَةُ مَا أَذِنَ فِي فِعْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الإِبَاحَةِ، وَاعْتِدَاؤُهَا: هُوَ تُجَاوُزُ ذَلِكَ إِلَى ارْتِكَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطَّلَاقِ: ١] " (^١).
وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَتَعَرَّجُوا (^٢)، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوفِ الصِّرَاطِ؛ فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيحَكَ لَا
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٦٠).
(٢) وَفِي نُسَخٍ: وَلَا تَتَفَرَّجُوا، وَلَا تَعْوَجُّوا.
[ ٣٢١ ]
تَفْتَحْهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ! وَالصِّرَاطُ الإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ تَعَالَى، وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَاسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللهِ ﷿، وَالدَّاعِي فَوقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» (^١).
- الحَدُّ جَاءَ فِي الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ:
١ - الحَدُّ: أَي: مَا أُذِنَ بِهِ، وَالمَعْنَى مَا وَرَدَ وَقُصِدَ بِهِ جُمْلَةُ مَا أَذِنَ بِهِ الشَّارِعُ وَدَلَّ عَلَيهِ؛ فَالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ المَاذُونِ بِهِ إِلَى خَارِجِهِ؛ فَقَدْ تَعَدَّى الحَدَّ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] (^٢)، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا، وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الحَدِّ هُوَ عَنْ تَجَاوُزِهِ.
٢ - الحَدُّ: أَي: المُحرَّمُ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ سِيَاقُ الكَلَامِ فِي النَّهْي عَنْ قُرْبَانِهِ، أَو أَنْ تُذْكَرَ عَلَيهِ العُقُوبَةُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (^٣)، وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الحَدِّ هُوَ عَنْ قُرْبَانِهِ.
٣ - الحَدُّ: أَي: العُقُوبَةُ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ عَنِ النَّبِيِّ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٧٦٣٤) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٨٨٧).
(٢) قَالَ تَعَالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩].
(٣) قَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧].
[ ٣٢٢ ]
ﷺ؛ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» (^١).
- قَولُهُ: «سَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ»: أَي: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهَا.
- قَولُهُ: «غَيرَ نِسْيَانٍ»: أَي: أَنَّهُ ﷿ لَمْ يَتْرُكْهَا نَاسِيًا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٤]، وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْهُ تَعَالَى بِالخَلْقِ حَتَّى لَا يُضَيِّقَ عَلَيهِم.
- قَولُهُ: «فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا»: أَي: لَا تَسْأَلُوا، مَاخُوذٌ مِنْ بَحْثِ الطَّائِرِ فِي الأَرْضِ، أَي: لَا تُنَقِّبُوا عَنْهَا، بَلْ دَعُوهَا.
- البَحْثُ عَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ خَاصٌّ أَو عَامٌّ -وَهُوَ المَسْكُوتُ عَنْهُ-هُوَ عَلَى قِسْمَينِ:
١ - أَنْ يَبْحَثَ عَنْ دُخُولِهِ فِي دِلَالَاتِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الفَحْوَى -أَي: المَعْنَى-، وَالمَفْهُومِ -مُوَافَقَةً أَو مُخَالَفَةً-، وَالقِيَاسِ الظَّاهِرِ الصَّحِيحِ؛ فَهَذَا حَقٌّ، وَهُوَ مِمَّا يِتَعيَّنُ فَعْلُهُ عَلَى المُجْتَهِدِينَ فِي مَعْرِفَةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
٢ - البَحْثُ وَالتَّدْقِيقُ فِي الوُجُوهِ المُسْتَبْعَدَةِ، وَالنَّظَرُ فِي الفُرُوقِ الَّتِي لَا تَاثِيرَ لَهَا عَلَى الشَّرْعِ؛ فَهُوَ المَذْمُومُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ؛ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا! ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٤]» (^٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالبَحْثِ عَنْهُ: أُمُورُ الغَيبِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِالإِيمَانِ بِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَهَا، وَبَعْضُهَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي هَذَا العَالَمِ المَحْسُوسِ؛ فَالبَحْثُ عَنْ كَيفِيَّةِ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٨٥٠)، وَمُسْلِمٌ (١٧٠٨).
(٢) صَحِيحٌ. الدَّارَقُطْنِيُّ (٢٠٦٦) عَنْ أَبِي الدّرْدَاء مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٢٥٦).
[ ٣٢٣ ]
ذَلِكَ هُوَ مِمَّا لَا يَعْنِي، وَهُوَ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ، وَقَدْ يُوجِبُ الحَيرَةَ وَالشَّكَّ، وَيَرْتَقِي إِلَى التَّكْذِيبِ" (^١).
- تَنْبِيهٌ:
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: " ثُمَّ إِنَّ فِي اسْمِ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا عَجِيبًا لَمْ يَسْتَطِعِ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -عَلَى حِفْظِهِ وَعِلْمِهِ- أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِرَايٍ رَاجِحٍ، بَلْ وَكَلَ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَالعَجَبُ مِنَ المُصَنِّفِ كَيفَ جَزَمَ بِاسْمِهِ المَذْكُورِ دُونَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى الاخْتِلَافِ المَذْكُورِ! " (^٢).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٧٢).
(٢) تَحْقِيقُ رِيَاضُ الصَّالِحِينَ، فَائِدَة رَقَم (٢١) مِنْ مُقَدِّمَتِهِ.
[ ٣٢٤ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا التَّوفِيقُ بَينَ الحَدِيثِ هُنَا «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيرَ نِسْيَانٍ» (^١)، وَبَينَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التَّوبَة: ٦٧]؟
الجَوَابُ: إِنَّ المُرَادَ بِالنِّسْيَانِ فِي الآيَةِ هُنَا التَّركُ، يَعْنِي تَرَكُوا شَرْعَ اللهِ؛ فَتَرَكَهُم سُبْحَانَهُ فِي العَذَابِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ، أَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ الخَطَأُ وَالذُّهُولُ وَالغَفْلَةُ؛ فَهَذَا الَّذِي لَا يُوصَفُ اللهُ ﷿ بِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى:
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طَه: ٥٢]، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الإِنْسَانُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيثِ نَفْيُهُ.
_________________
(١) كَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ «مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ؛ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٤]». صَحِيحٌ. الدَّارَقُطْنِيُّ (٢٠٦٦) عَنْ أَبِي الدّرْدَاء مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٢٥٦).
[ ٣٢٥ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَل فِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ السُّكُوتِ للهِ تَعَالَى؟
الجَوَابُ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِ السَّلَفِ هَذَا الوَصْفُ.
وَلَكِنَّ السُّكُوتَ أَصْلًا نَوعَانِ:
١ - سُكُوتٌ يُقَابِلُ الكَلَامَ؛ فَلَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ مَوصُوفٌ بِصِفَةِ الكَلَامِ.
٢ - سُكُوتٌ يُقَابِلُ الإِظْهَارَ لِلأَحْكَامِ، أَي: مَعْنَى السُّكُوتِ هُنَا عَدَمُ إِظْهَارِ حُكْمِ أَمْرٍ مَا؛ فَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَو تَكَلَّمَ المُدَرِّسُ عَنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيفِيَّةَ السُّجُودِ؛ فَيُقَالُ: تَكَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ وَسَكَتَ عَنْ كَيفِيَّةِ السُّجُودِ؛ رُغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَصْمُتْ! وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ مَعْنَاهُ فِي الحَدِيثِ (^١).
وَعَلَى العُمُومِ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَينَ إِثْبَاتِ الصِّفَةِ وَبَينَ الإِخْبَارِ، فَحِينَ نَصِفُ اللهَ ﷾ فَلَا نَصِفُهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَو وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُه ﷺ، أَمَّا بَابُ الإِخْبَارِ عَنِ اللهِ ﷿؛ فَالأَمْرُ فِيه وَاسِعٌ.
_________________
(١) انْظُرْ شَرْحَ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لصَالِح آلِ الشَّيخِ (ص: ٤٢٤).
[ ٣٢٦ ]