عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ؛ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ سِبْطِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَيحَانَتِهِ ﵄؛ قَالَ: حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «دَعْ مَا يُرِيبُكَ إلَى مَا لَا يُرِيبُكَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (^١).
- قَولُهُ: (سِبْط): السِّبْطُ: هُوَ ابْنُ البِنْتِ، أَمَّا ابْنُ الابْنِ فَيُسَمَّى حَفِيدًا.
- قَولُهُ: (وَرَيحَانَتُهُ): الرَّيحَانُ يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ أَمْرَينِ -وَهُوَ هُنَا صَحِيحٌ عَلَى الوَجْهَينِ مَعًا-:
١ - الرَّيحَانُ بِمَعْنَى الرِّزْقِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀ (^٢).
٢ - الرَّيحَانُ المَشْمُومُ المَعْرُوفُ.
كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ إِبْرَاهِيمَ؛ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ" (^٣).
- قَولُهُ: «يُرِيبُكَ» بِفَتْحِ اليَاءِ وَضَمِّهَا: أَي: مَا تَشُكُّ فِيهِ.
- الحَدِيثُ أَورَدَهُ البُخَارِيُّ فِي (كِتَابِ البُيُوعِ، بَابُ تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ) وفيه: " قَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ (^٤): مَا رَأَيتُ شَيئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ؛ دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا
_________________
(١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٥٧١١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٨). صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٣٧٧).
(٢) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٢/ ٢٨٨). وَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: "وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ فِي فُنُونِ الأَفْنَانِ -فِي القُرْآنِ بِلُغَةِ هَمَذَانَ-: ﴿وَرَيحَانٌ﴾: الرِّزْقُ". الإِتْقَانُ (٢/ ١٢٢).
(٣) البُخَارِيُّ (١٣٠٣).
(٤) بَصْرِيٌّ، أَحَدُ العُبَّادِ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ، (ت ١٨٠ هـ).
[ ١٧٣ ]
لَا يُرِيبُكَ" (^١).
- وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ «فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَانِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ» (^٢).
وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الَّذِي تَرْتَابُ فِيهِ يُشْبِهُ الكَذِبَ فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنَّكَ تَجِدُ عِنْدَهُ الضِّيقَ فِي صَدْرِكَ؛ فَدَعْهُ إِلَى أَمْرٍ لَا تَرْتَابُ فِيهِ، وَعَلَامَتُهُ أَنَّهُ كَالصِّدْقِ لَا تَجِدُ فِي نَفْسِكَ حَرَجًا أَو ضِيقًا مِنْهُ، فَارْتِيَابُكَ مِنَ الشَّيءِ مُشْعِرٌ بِكَونِهِ مَظِنَّةً لِلبَاطِلِ فَاحْذَرْهُ، وَطُمَانِينَتُكَ لِلشَيءِ مُشْعِرَةٌ بِحَقِيقَتِهِ فَتَمَسَّكْ بِهِ.
- دِلَالَةُ الحَدِيثِ إِجْمَالًا: اُتْرُكْ مَا يُرِيبُكَ، أَي: مَا يَلْحَقُكَ بِهِ رَيبٌ وَشَكٌّ وَقَلَقٌ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ، أَي: إِلَى شَيءٍ لَا يَلْحَقُكَ بِهِ رَيبٌ وَلَا قَلَقٌ.
- فِي الحَدِيثِ أَيضًا بَيَانٌ لِقَاعِدَةِ البِنَاءِ عَلَى الأَصْلِ وَاليَقِينِ، لِأَنَّ الأَصْلَ وَاليَقِينَ هُوَ الَّذِي لَا رِيبَةَ فِيهِ؛ وَمُا يُشَكُّ فِيهِ فُهُوَ الرِّيبَةُ.
مِثَالُهُ: عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ؛ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ -أَو لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوتًا أَو يَجِدَ رِيحًا» (^٣).
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَهَا هُنَا أَمْرٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ؛ وَهُوَ أَنَّ التَّدْقِيقَ فِي التَّوَقُّفِ عَنِ الشُّبُهَاتِ إِنَّمَا يَصْلُحُ لِمَنِ اسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُ كُلُّهَا وَتَشَابَهَتْ أَعْمَالُهُ فِي التَّقْوَى وَالوَرَعِ، فَأَمَّا مَنْ يَقَعُ فِي انْتِهَاكِ المُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَرَّعَ عَنْ شَيءٍ مِنْ دَقَائِقِ الشُّبَهِ! فَإِنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يُنْكَرُ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٣/ ٥٣).
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٥١٨). صَحِيحُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٢٥١٨).
(٣) البُخَارِيُّ (١٣٧) بَابُ: لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيقِنَ.
[ ١٧٤ ]
عَلَيهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ دَمِ البَعُوضِ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ: " يَسْأَلُونَنِي عَنْ دَمِ البَعُوضِ؛ وَقَدْ قَتَلُوا الحُسَينَ! " وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «هُمَا رَيحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا» (^١).
وَسَأَلَ رَجُلٌ بِشْرَ بْنَ الحَارِثِ (^٢) عَنْ رَجُلٍ لَهُ زَوجَةٌ، وَأُمُّهُ تَامُرُهُ بِطَلَاقِهَا؛ فَقَالَ: إِنْ كَانَ بَرَّ أُمَّهُ فِي كُلِّ شَيءٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ بِرِّهَا إِلَّا طَلَاقُ زَوجَتِهِ؛ فَلْيَفْعَلْ، وَإِنْ كَانَ يَبَرُّهَا بِطَلَاقِ زَوجَتِهِ ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أُمِّهِ فَيَضْرِبُهَا! فَلَا يَفْعَلْ.
وسُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ رَجُلٍ يَشْتَرِي بَقْلًا وَيَشْتَرِطُ الخُوصَةَ -يَعْنِي: الَّتِي تُرْبَطُ بِهَا حُزْمَةُ البَقْلِ! -؛ فَقَالَ أَحْمَدُ: إِيش هَذِهِ المَسَائِل؟! قِيلَ لَهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي نُعَيمٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي نُعَيمٍ؛ فَنَعَم" (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيِّ (٣٧٥٣).
(٢) هُوَ بِشْرُ الحَافِي؛ الزَّاهِدُ المَعْرُوفُ، سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ، (ت ٢٢٧ هـ).
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (١/ ٢٨٣).
[ ١٧٥ ]