عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيرًا أَو لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ (^١)، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
- هَذَا الحَدِيثُ مِنَ الأَحَادِيثِ الجَوَامِعِ فِي الآدَابِ وَالفَضَائِلِ، فَفِيهِ الأَدَبُ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِي أَنْ لَا يَقُولَ إِلَّا مَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى، وَأَيضًا الأَدَبُ مَعَ خَلْقِهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَفْعَلُ إِلَّا الأَحْسَنَ مَعَهُم.
وَأَيضًا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ فَهُوَ يَجْمَعُ بَينَ التَّخْلِيَةِ عَنِ الرَّذَائِلِ؛ وَذَلِكَ فِي تَرْكِ مَا لَا يَنْبَغِي، وَالتَّحْلِيَةِ بِالفَضَائِلِ؛ وَذَلِكَ فِي فِعْلِ مَا يَنْبَغِي.
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ أَصْرَمَ؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوصِنِي، قَالَ: «هَلْ تَمْلِكُ لِسَانَكَ؟»، قُلْتُ: فَمَا أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ لِسَانِي؟! قَالَ: «فَهَلْ تَمْلِكُ يَدَكَ؟»، قُلْتُ: فَمَا أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ يَدِي؟! قَالَ: «فَلَا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلَّا مَعْرُوفًا، وَلَا تَبْسُطْ يَدَكَ إِلَّا إِلَى خَيرٍ» (^٣).
_________________
(١) وَفِي لَفْظٍ «فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ»، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ «فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (٤٧)، وَفِي لَفْظٍ «فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» بَدَلَ «فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١٣٨).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٤٧).
(٣) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١/ ٢٨١). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٨٦٧).
[ ١٩٩ ]
- قَولُهُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ» فِيهِ بَيَانُ أُمُورٍ:
١ - أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنَ الإِيمَانِ.
٢ - أَنَّ العَمَلَ مِنَ الإِيمَانِ.
٣ - أَنَّ مَنْ لَمْ يَاتِ بِهَذِهِ الأُمُورِ كَانَ نَاقِصَ الإِيمَانِ.
٤ - أَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنَ الوَاجِبَاتِ (^١).
- قَولُهُ: «فَلْيَقُلْ خَيرًا أَو لِيَصْمُتْ»: هُوَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا خَيرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَعْرُوفٍ أَو إِصْلَاحٍ بَينَ النَّاسِ﴾ [النِّسَاء: ١١٤].
- أَهَمِّيَّةُ تَرْكِ الكَلَامِ -إِنْ لَمْ يَكُنْ خَيرًا- هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الكَلَامِ المُبَاحِ قَدْ يُؤدِّي إِلَى الاسْتِئْنَاسِ بِكَلَامٍ مَكْرُوهٍ أَو كَلَامٍ مُحَرَّمٍ؛ كَغِيبَةٍ أَو نَمِيمَةٍ أَو بُهْتَانٍ أَو مُدَاهَنَةٍ.
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ صَمَتَ نَجَا» (^٢).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " اعْلَمْ أَنَّهُ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنَّ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَمِيعِ الكَلَامِ إِلَّا كَلَامًا تَظْهَرُ المَصْلَحَةُ فِيهِ، وَمَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ؛ فَالسُّنَّةُ الإِمْسَاكُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَو مَكْرُوهٍ، بَلْ هَذَا كَثِيرٌ أَو غَالِبٌ فِي العَادَةِ، وَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيءٌ" (^٣).
٢ - أَنَّ مَنْ حَرِصَ عَلَى حِفْظِ لِسَانِهِ؛ كَانَ أَحْرَصَ عَلَى حِفْظِ جَوَارِحِهِ.
_________________
(١) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ العَمَلِ مِنَ الآدَابِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا! لَا سِيَّمَا إِذَا احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ كَأَدَاةِ الشَّرْطِ هُنَا (مَنْ) وَتَعَلُّقِهَا بِالإِيمَانِ.
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٦٤٨١) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥٣٦).
(٣) الأَذْكَارُ (ص: ٣٣٢).
[ ٢٠٠ ]
وَكَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَينَ لَحْيَيهِ وَمَا بَينَ رِجْلَيهِ؛ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (^١).
- قَولُهُ: «فَلْيَقُلْ خَيرًا»: الخَيرُ هَذَا يَكُونُ عَلَى جِهَتَينِ:
١ - خَيرٍ فِي نَفْسِ المَقَالِ.
بِأَنْ يَذْكُرَ اللهَ ﷿ وَيُسبِّحَهُ وَيَحْمَدَهُ، وَيَقْرَأَ القُرْآنَ، وَيُعَلِّمَ العِلْمَ، وَيَامُرَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؛ فَهَذَا خَيرٌ فِي نَفْسِهِ (^٢).
٢ - خَيرٍ لِغَيرِهِ.
كَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى جُلَسَائِهِ مِنْ ضُيُوفٍ وَرَحِمٍ وَإِخْوَةٍ فِي اللهِ؛ فَإِنَّ هَذَا خَيرٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِنَ الأُنْسِ وَإِزَالَةِ الوَحْشَةِ وَحُصُولِ الإلْفَةِ، وسَبَقَ حَدِيثُ عُمَرَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
- فَائِدَةٌ:
إِنَّ التِزَامَ الصَّمْتِ وَاعْتِقَادَهُ قُرْبَةً -إِمَّا مُطْلَقًا، أَو فِي بَعْضِ العِبَادَاتِ كَالحَجِّ وَالاعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ- مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَمَا في الحَدِيثِ «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا صُمَاتَ يَومٍ إِلَى اللَّيلِ» (^٣).
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لِامْرَأَةٍ حَجَّتْ مُصْمِتَةً: " إِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٤٧٤).
(٢) وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيهِ أَيضًا.
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٨٣٧) عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٦٠٩). وَالصُّمَاتُ: هُوَ السُّكُوتُ، فَفِيهِ النَّهْيُ عَمَّا كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ الصَّمْتُ عَنِ الكَلَامِ فِي الاعْتِكَافِ وَغَيرِهِ. انْظُرْ (عَونُ المَعْبُودِ) (٨/ ٥٤).
[ ٢٠١ ]
مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي البُخَارِيِّ: بَينَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ؛ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَومَهُ» (^٢).
- قَالَ فِي كِتَابِ (لِسَانُ العَرَبِ) (^٣): " الكَرِيمُ: الجَامِعُ لِأَنْوَاعِ الخَيرِ وَالشَّرَفِ وَالفَضَائِلِ، وَالكَرِيمُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحْمَدُ" (^٤).
- قَولُهُ: «فَلْيُكْرِمْ»: أَصْلُ الإِكْرَامِ هُوَ التَّحَلِّي بِالفَضَائِلِ؛ وَكُلُّ مُكْرَمٍ بِحَسْبِهِ، فَنَوعُ الإِكْرَامٍ لَيسَ مُعَيَّنًا، بَلْ هُوَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ إِكْرَامًا، وَيَخْتَلِفُ مِنْ جَارٍ إِلَى آخَرَ، فَجَارُكَ الفَقِيرُ رُبَّمَا يَكُونُ إِكْرَامُهُ بِرَغِيفِ خُبْزٍ، وَجَارُكَ الغَنِيُّ لَا يَكْفِي هَذَا فِي إِكْرَامِهِ، وَجَارُكَ الوَضِيعُ رُبَّمَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى شَيءٍ فِي إِكْرَامِهِ، وَجَارُكَ الشَّرِيفُ يَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ (^٥).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٣٨٣٤).
(٢) البُخَارِيُّ (٦٧٠٤). تَعْلِيقٌ: قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀ فِي (المُوَطَّأُ) (٢/ ٤٧٥): "وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ، وَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً". قُلْتُ: وَوَجْهُ كَونِ ذَلِكَ مَعْصِيَةً هُوَ أَنَّهُ ابْتِدَاعٌ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى.
(٣) لِسَانُ العَرَبِ لابْنِ مَنْظور (١٢/ ٥١٠).
(٤) وَالقُرْآنُ يُطْلَقُ عَلَيهِ وَصْفُ الكَرِيمِ، لِأَنَّهُ جَامِعٌ بَينَ وَصْفَينِ، فَهُوَ:
(٥) الحَسَنُ البَهِيُّ: وَهَذَا كَمَالٌ فِي ذَاتِهِ.
(٦) الكَثِيرُ العَطَاءِ: وَهَذَا كَمَالٌ فِي العَطَاءِ.
(٧) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِلْعُثَيمِين (ص: ١٧٧).
[ ٢٠٢ ]
- فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ الأَولَى بِالإِحْسَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦].
- فِي مَعْنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: " ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى﴾ أَي الجَارِ القَرِيبِ الَّذِي لَهُ حَقَّانِ، حَقُّ الجِوَارِ وَحَقُّ القَرَابَةِ. ﴿الجَارِ الجُنُبِ﴾ أَي الَّذِي لَيسَ لَهُ قَرَابَةٌ. وَ﴿الصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ قِيلَ: الرَّفيقُ فِي السَّفَرِ، وَقِيلَ: الزَّوجَةُ، وَقِيلَ: الصَّاحِبُ مُطْلَقًا -وَلَعَلَّهُ أَولَى- فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الصَّاحِبَ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، ويَشْمَلُ الزَّوجَةَ" (^١).
قُلْتُ: وَلَكِنَّ دَرَجَةَ الإِحْسَانِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ دَرَجَةِ الجِوَار؛ فَالأَقْرَبُ أَكْثَرُ إِحْسَانًا مِنَ الأَبْعَدِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَينِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» (^٢).
- قَولُهُ: «فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»: يَشْمَلُ أُمُورًا أَهَمُّهَا:
١ - البِشْرُ فِي وَجْهِهِ.
٢ - كَفُّ الأَذَى عَنْهُ.
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِي (ص: ١٧٧). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالجَارُ القَرِيبُ: مَنْ بَينَهُمَا قَرَابَةٌ، وَالجَارُ الجُنُبُ بِخِلَافِهِ. وَهَذَا قَولُ الأَكْثَرِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ". فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٤٤١).
(٢) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (١٠٧). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٩).
[ ٢٠٣ ]
٣ - تَحَمُّلُ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ.
٤ - الإِحْسَانُ إِلَيهِ.
وَفِي الحَدِيثِ «إذا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أحْسَنْتَ؛ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أسَاتَ؛ فَقَدْ أَسَاتَ» (^١).
- جَاءَ فِي وَصْفِ المُنَافِقِينَ تَرْكُ هَذَا الإِحْسَانِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾ [المَاعُون: ٧].
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾: أَي: يَمْنَعُونَ مَا يَجِبُ بَذْلُهُ مِنَ المَوَاعِينِ، وَهِيَ الأَوَانِي" (^٢).
وَقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾: أَي: يَمْنَعُونَ إِعْطَاءَ الشَّيءِ الَّذِي لَا يَضُرُّ إِعْطَاؤهُ عَلَى وَجهِ العَارِيَةِ أَوِ الهِبَةِ، كَالإِنَاءِ وَالدَّلْوِ وَالفَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتِ العَادَةُ بِبَذْلِهَا وَالسَّمَاحَةِ بِهَا" (^٣).
- فِي بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ أَذَى الجَارِ:
أ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٤).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٨٠٨) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٢٧).
(٢) تَفْسِيرُ العُثَيمِين -جُزْء عَمَّ- (ص: ٣٢٩).
(٣) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ٩٣٥).
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٤٧٧)، وَمُسْلِمٌ (٨٦).
[ ٢٠٤ ]
ب- عَنِ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَرْفُوعًا «لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ، وَلَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ أَيسَرُ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيتِ جَارِهِ» (^١).
جـ- عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا- غَيرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَأَنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ (^٢) - وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي الجَنَّةِ» (^٣).
- فَائِدَةٌ:
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي (السِّلْسِلَةُ الضَّعِيفَةُ): " (السَّاكِنُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ). ضَعِيفٌ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاود فِي المَرَاسِيلِ (^٤)، وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي حَدِّ الجِوَارِ عَلَى أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا الحَافِظُ فِي الفَتْحِ، وَكُلُّ مَا جَاءَ تَحْدِيدُهُ عَنْهُ ﷺ بِأَرْبَعِينَ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ تَحْدِيدُهُ بِالعُرْفِ، وَاللهُ أَعْلَمُ" (^٥).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٨٥٤). الصَّحِيحَةُ (٦٥).
(٢) قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀: "وَقَولُهُ (تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ): أَي: بِقِطَعٍ مِنْهُ، جَمْعُ ثَورٍ -بِالمُثَلَّثَةِ- وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الأَقِطِ". مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٨/ ٣١٢٦). قُلْتُ: وَالأَقِطُ لَبَنٌ مُجَفَّفٌ.
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٩٦٧٥). صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٥٦٠).
(٤) أَبُو دَاود فِي المَرَاسِيلِ (٣٥٠).
(٥) تَحْتَ الحَدِيثِ (٢٧٧) مِنَ الضَّعِيفَةِ.
[ ٢٠٥ ]
- قَولُهُ: «فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ» يَشْمَلُ أُمُورًا أَهَمُّهَا:
١ - البِشْرُ فِي وَجْهِهِ.
٢ - طِيبُ الحَدِيثِ مَعَهُ.
٣ - إِحْضَارُ المُتَيَسِّرِ مِنَ الطَّعَامِ؛ وَهُوَ أَصْلُ إِكْرَامِ الضَّيفِ.
- فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي شُرَيحٍ الكَعْبِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ جَائِزَتَهُ -يَومٌ وَلَيلَةٌ-، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ»، وَفِي لَفْظٍ «وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وكَيفَ يُؤثِمُهُ؟ قَالَ: «يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيءَ لَهُ يُقْرِيهِ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).
وَعَلَيهِ فَالاسْتِضَافَةُ الوَاجِبَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالجَائِزَةُ (العَطِيَّةُ) (^٢)، وَاليَومَانِ الآخَرَانِ بِحَسْبِ المُعْتَادِ، وَهَذِهِ الاسْتِضَافَةُ مَقْرُونَةٌ بِالطَّاقَةِ؛ فَمَنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ إِلَّا قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ لَا تَلْزَمُهُ هَذِهِ الضِّيَافَةُ، وَلَا يَحِلُّ لِلضَّيفِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ المُضِيفِ وَلَا شَيءَ لَهُ يُقْرِيهِ بِهِ! فَرُبَّمَا دَعَاهُ ضِيقُ صَدْرِهِ بِهِ وَحَرَجُهُ إِلَى مَا يَاثَمُ بِهِ فِي قَولٍ أَو فِعْلٍ.
وَأَمَّا إِذَا آثَرَ المُضِيفُ الضَّيفَ -في حال ضيق يده- عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فَعَلَ الأَنْصَارِيُّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فَذَلِكَ مَقَامُ فَضْلٍ وَإِحْسَانٍ وَلَيسَ بِوَاجِبٍ.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١٣٥)، وَمُسْلِمٌ (٤٨).
(٢) وَفِي المُسْتَدْرَكِ لِلحَاكِمِ (٧٢٩٦): "جَائِزَتُهُ: أَنْ يُتحِفَهُ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ بِأَفْضَلِ مَا يَجِدُ".
[ ٢٠٦ ]
وَالحَدِيثُ فِي الصَّحِيحينِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ؛ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يَضُمُّ أَو يُضِيفُ هَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي! فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ؛ فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَاكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَينِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللهُ اللَّيلَةَ -أَو عَجِبَ- مِنْ فَعَالِكُمَا» فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحَشَر: ٩] (^١).
- تَنْبِيهٌ عَلَى قَولِهِ ﷺ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ»:
" قَالَ العُلَمَاءُ: هَذَا فِي حَقِّ أَهْلِ القُرَى الَّذِينَ لَيسَ ثَمَّ مَكَانٌ يُمْكِنُ لِلضَّيفِ أَنْ يَسْتَاجِرَ فِيهِ، أَمَّا فِي المُدُنِ الكِبَارِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا الفَنَادِقُ، وَيَوجَدُ فِيهَا الدُّورُ الَّتِي تُؤَجَّرُ؛ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ الضِّيَافَةُ لِأَنَّهُ لَيسَ مُحْتَاجًا لَهَا، وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ فِي القُرَى وَأَهْلِ الخِيَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الضُّيُوفُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى المُضِيفِ أَنْ يُقْرِيَهُم يَومًا وَلَيلَةً، وَتَمَامُ الضِّيَافَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا.
وَإِذَا كَانَ البَيتُ ضَيِّقًا وَلَا مَكَانَ لِهَذَا الضَّيفِ فِيهِ -وَلَسْتَ ذَا غِنًى كَبِيرٍ بِحَيثُ تُعِدُّ بَيتًا لِلضُّيُوفِ-؛ فَيُمْكِنُ أَنْ تَعْتَذِرَ لَهُ وَتُعْطِيَهُ مَا يَنُوبُ عَنْ إِقَامَتِهِ لَدَيكَ فِي الفُنْدُقِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ، وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الإِكْرَامِ" (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٣٧٩٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٥٤).
(٢) انْظُرْ شَرْحَ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِلْعُثَيمِين (ص: ١٧٨)، شَرْحَ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لصَالِح آلِ الشَّيخِ (ص: ٢٤٦).
[ ٢٠٧ ]