عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَىَ بَيعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التّقْوَىَ هَهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَىَ صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَىَ المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ فِي حَقِّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ؛ وَفِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَينَ المُسْلِمِينَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعَامُلِ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ؛ مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» (^٢).
وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ «المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، وَالمُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ؛ يَكُفُّ عَلَيهِ ضَيعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» (^٣)، يَعْنِي: أَنَّهُ يَمْنَعُ تَلَفَهُ وَخُسْرَانَهُ، وَيَجْمَعُ إِلَيْهِ مَعِيشَتَهُ وَيَضُمُّهَا لَهُ، وَيَحْفَظُهُ وَيَصُونَهُ وَيَذُبُّ عَنْهُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ (^٤).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٥٦٤)، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ أَيضًا (٦٠٦٤).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٠١١)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٨٦) مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا.
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩١٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٢٦).
(٤) يُنْظَرْ: عَونُ المَعْبُودِ (١٣/ ١٧٨).
[ ٣٦٨ ]
- الحَسَدُ: البُغْضُ وَالكَرَاهَةُ لِمَا يَرَاهُ الحَاسِدُ مِنْ حُسْنِ حَالِ المَحْسُودِ (^١).
وَيُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيين:
١ - كَرَاهَةٍ لِلنِّعْمَةِ عَلَى أَخِيهِ مُطْلَقًا؛ فَهُوَ مُتَمَنٍّ لِزَوَالِهَا، وَهَذَا هُوَ المَذْمُومُ.
٢ - كَرَاهَةِ أَنْ يَفْضُلَهُ أَحَدٌ فِي أَمْرٍ مَا؛ فَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ أَو أَفْضَلَ مِنْهُ، وَهَذَا النَّوعُ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى الغِبْطَةَ، " وَسَمَّاهُ حَسَدًا مِنْ بَابِ الاسْتِعَارَةِ" (^٢).
وَهُوَ جَائِزٌ، وَيَكُونُ مَمْدُوحًا فِي الحَالِ الَّتِي يُتَنَافَسُ فِيهَا عَلَى الخَيرِ.
قَالَ شيخُ الإِسْلَام ﵀ عَنْ هَذَا النَّوعِ الثَّانِي: " وَلِهَذَا يُبْتَلَى غَالِبُ النَّاسِ بِهَذَا القِسْمِ الثَّانِي، وَقَدْ تُسَمَّى المُنَافَسَةَ، فَيَتَنَافَسُ الِاثْنَانِ فِي الأَمْرِ المَحْبُوبِ المَطْلُوبِ؛ كِلَاهُمَا يَطْلُبُ أَنْ يَاخُذَهُ، وَذَلِكَ لِكَرَاهِيَةِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيهِ الآخَرُ، كَمَا يَكْرَهُ المُسْتَبِقَانِ -كُلٌّ مِنْهُمَا- أَنْ يَسْبِقَهُ الآخَرُ. وَالتَّنَافُسُ لَيسَ مَذْمُومًا مُطْلَقًا! بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ فِي الخَيرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ [المُطَفِّفِين: ٢٦] " (^٣).
- الحَسَدُ فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى قَدَرِ اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ جَعَلَ اللهُ نِعْمَتَهُ فِيمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا -فِي ظَنِّ الحَاسِدِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنْ ظَنِّ السُّوءِ بِاللهِ تَعَالَى-، وَلَهُ تَعَالَى الحِكْمَةُ فِيمَا قَدَّرَهُ.
وَالوَاجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَفْرَحَ لِأَخِيهِ المُسْلِمِ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِ، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي الحَدِيثِ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، وَالحَسَدُ
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى لِابْنِ تَيمِيَّة (١٠/ ١١١).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٦٢).
(٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٠/ ١١٣).
[ ٣٦٩ ]
بِضِدِّ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الحَاسِدَ لَا يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
- فَائِدَةٌ: مِمَّا يُشْرَعُ لِمَن يَخْشَى العَينَ أَوِ الحَسَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيرِهِ أَنْ يَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ أَو مِنْ نَفْسِهِ أَو مِنْ مَالِهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيُبَرِّكْهُ؛ فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ» (^١).
- تَنْبِيهٌ:
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " الأَحْسَنُ -إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ يَخَافُ أَنْ تُصِيبَ عَينُهُ أَحَدًا لِإِعْجَابِهِ بِهِ- أَنْ يَقُولَ: تَبَارَكَ اللهُ عَلَيكَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَصَابَ أَخَاهُ بِعَينٍ: «هَلَّا بَرَّكْتَ عَلَيهِ»! أَمَّا (مَا شَاءَ اللهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) فَهَذِهِ يَقُولُهَا مَنْ أَعْجَبَهُ مُلْكُهُ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ الجَنَّةِ لِصَاحِبِهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكَهْف: ٣٩] " (^٢).
قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ ذِكْرِ (مَا شَاءَ اللهُ؛ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) خَشْيَةَ الآفَةِ؛ فَلَا يَصِحُّ (^٣).
- دَرَجَاتُ الحَسَدِ:
١ - أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَفُوقَ غَيرَه فَقَط، فَهَذَا جَائِزٌ؛ بَلْ لَيسَ بِحَسَدٍ أَصْلًا.
٢ - أَنْ يَكْرَهَ نِعْمَةَ اللهِ ﷿ عَلَى غَيرِهِ كَرَاهَةً قَلْبِيَّةً خَارِجَةً عَنْ قَصْدِهِ، وَلَا يَسْعَى فِي تَنْزِيلِ مَرْتَبَةِ وَشَانِ الَّذِي أَنْعَمَ اللهُ ﷿ عَلَيهِ، بَلْ هُوَ يُدَافِعُ هَذَا الحَسَدَ؛ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ؛ وَلَكِنَّ غَيرَهُ أَكْمَلُ مِنْهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنْ أَنْوَاعِ الحَسَدِ -: "
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٥٧٠٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٥٧٣).
(٢) لِقَاءُ البَابِ المَفْتُوحِ (١٩/ ٢٣٥).
(٣) ضَعِيفٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ (٥٩٩٥). الضَّعِيفَةَ (٢٠١٢).
[ ٣٧٠ ]
وَهَذَا عَلَى نَوعَينِ، أَحَدِهِمَا: أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إِزَالَةُ الحَسَدِ مِنْ نَفْسِهِ -فَيَكُونُ مَغْلُوبًا عَلَى ذَلِكَ-؛ فَلَا يِاثَمُ بِهِ" (^١).
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ﵀: " لَيسَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا وَقَدْ خُلِقَ مَعَهُ الحَسَدُ؛ فَمَنْ لَمْ يُجَاوِزْ ذَلِكَ إِلَى البَغْي وَالظُّلْمِ لَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُ شَيءٌ" (^٢).
قُلْتُ: وَفِي الحَدِيثِ «صَومُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» (^٣).
٣ - أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ الحَسَدُ، وَيَسْعَى فِي تَنْزِيلِ مَرْتَبَةِ الَّذِي حَسَدَهُ؛ فَهَذَا هُوَ الحَسَدُ المُحَرَّمُ الَّذِي يُؤَاخَذُ عَلَيهِ الإِنْسَانُ.
- قَولُهُ: «وَلَا تَنَاجَشُوا»: النَجَشُ لُغَةً: أَصْلُهُ الخَتْلُ -وَهُوَ الخِدَاعُ- (^٤).
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ دَقِيق العَيدِ ﵀: " وَمِنْهُ قِيلَ لِلصَّائِدِ: نَاجِشٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْتِلُ الصَّيدَ، وَيَحْتَالُ لَهُ" (^٥).
- المَنْهِيُّ عَنْهُ هُنَا لَهُ حَالَتَانِ:
١ - عَامَّةٌ: وَهِيَ أَنْ يَسْعَى بَعْضُكُم مَعَ بَعْضٍ بِالخِدَاعِ وَالحِيلَةِ وَالمُوَارَبَةِ
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٦٢).
(٢) التَّمْهِيدُ لِابْنِ عَبْدِ البَرِّ (٦/ ١٢٤).
(٣) صَحِيحٌ. البَزَّارُ (٢/ ٢٧١) عَنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٨٠٤). قَولُهُ: «وَحَرَ الصَّدْرِ»: قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ) (٥/ ١٦٠): "غِشَّهُ وَوَسَاوِسَهُ، وَقِيلَ: الحِقْدَ وَالغَيظَ، وَقِيلَ: العَدَاوَةَ، وَقِيلَ: أَشَدَّ الغَضَبِ".
(٤) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ١٩٩). وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﵀: "أَصْلُ النَّجَشِ: الإِثَارَةُ". الفَائِقُ (٣/ ٤٠٧).
(٥) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ دَقِيق العِيد (ص: ١١٧).
[ ٣٧١ ]
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ المَذْمُومَةِ؛ فَيَكُونُ المَعْنَى: لَا تَتَخَادَعُوا، فَيَدْخُلُ فِيهَا تَدْلِيسُ العُيُوبِ وَكِتْمَانُهَا، وَغِشُّ المَبِيعِ الجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ، وَغُبْنُ المُسْتَرْسِلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ المُمَاكَسَةَ.
٢ - خَاصَّةٌ: وَهِيَ المُسْتَعْمَلَةُ فِي البَيعِ؛ بِأَنْ يَزِيدَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي شِرَائِهَا؛ لِيَخْدَعَ المُشْتَرِيَ لَهَا!
- وَأَمَّا حُكْمُ هَذَا البَيعِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النَّجَشُ؛ فَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ البَيعَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَأَحْمَدَ أَثْبَتَا لِلْمُشْتَرِي الخِيَارَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالحَالِ، وَغُبِنَ غُبْنًا فَاحِشًا يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ" (^١).
وَقَالَ أَيضًا ﵀: " وَإِنَّمَا يَجُوزُ المَكْرُ بِمَنْ يَجُوزُ إِدْخَالُ الأَذَى عَلَيهِ -وَهُمُ الكفَّارُ المُحَارِبُونَ-، كَمَا فِي الحَدِيثِ «الحَرْبُ خُدْعَةٌ» (^٢) " (^٣).
- قَولُهُ: «وَلَا تَبَاغَضُوا»: التَّبَاغُضُ هُنَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِحُدُوثِ البَغْضَاءِ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ، فَكُلُّ قَولٍ يُؤَدِّي إِلَى البُغْضِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالأَمْرُ بِعَدَمِ التَّبَاغُضِ هُوَ أَمْرٌ أَيضًا بِالتَّحَابِّ.
- قَولُهُ: «وَلَا تَدَابَرُوا»: التَّدَابُرُ أَنْ يَفْتَرِقَ النَّاسُ؛ كُلٌّ يُوَلِّي الآخَرَ دُبُرَهُ، وَهَذَا يَعْنِي: القَطِيعَةَ وَالهُجْرَانَ، وَالهَجْرُ لَهُ حَالَانِ:
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٦٤).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٠٣٠)، وَمُسْلِمٌ (١٧٣٩) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٦٥).
[ ٣٧٢ ]
١ - هَجْرُ المُسْلِمِ لِأَخِيهِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَو لِشَيءٍ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ عَلَيهِ: فَهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» (^١).
٢ - هَجْرُ المُسْلِمِ لِأَجْلِ الدِّينِ: إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ فِي ذَلِكَ الهَجْرِ (^٢)؛ فَهُوَ مَشْرُوعٌ، وَلَا يُقيَّدُ بِالثَّلَاثِ.
- تَنْبِيهٌ: مَنْ كَانَتْ عَادَتَهُ مَعَ أَخِيهِ المَوَدَّةُ وَالمُصَافَحَةُ فَهَجَرَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ أَنَّ يُصَافِحَهُ فَقَطْ لِيَقْطَعَ هُجْرَانَهُ! بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَودَةِ المَوَدَّةِ أَيضًا، وَفَرَّقَ بَعْضُهُم بَينَ الأَقَارِبِ وَالأَجَانِبِ؛ فَأَلْزَمُوا المَوَدَّةَ بَعْدَ الهُجْرَانِ بَينَ الأَقَارِبِ وَذَلِكَ لِحَقِّ الرَّحِمِ.
- قَولُهُ: «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَىَ بَيعِ بَعْضٍ»: هَذَا يَشْمَلُ البَائِعَ وَالمُشْتَرِي، فَلَا يَجُوزُ الإِضْرَارُ بِالمُشْتَرِي بِأَنْ تَعْرِضَ لِبَائِعِهِ سِعْرًا أَكْبَرَ فَتَشْتَرِيَ مِنْهُ، وَأَيضًا لَا يَجُوزُ الإِضْرَارُ بِالبَائِعِ بِأَنْ تَعْرِضَ عَلَى الشَّارِي سِعْرًا أَقَلَّ كَي تَبِيعَهُ، وَهَذِهِ المُدَاخَلةُ فِي البَيعِ وَالشِّرَاءِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ:
١ - حِينَ المُسَاوَمَةِ مَعَ البَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَتَّفِقَا وَيَتَفَرَّقَا، كَمَا فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «لَا
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٠٧٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٦٠) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: «يَلْتَقِيَانِ؛ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا! وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٩١٤) بِلَفْظِ: «فَمَنْ هَجَرَ فَوقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ؛ دَخَلَ النَّارَ». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٦٥٩). وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٩١٥) أَيضًا عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ مَرْفُوعًا: «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ». صَحِيحٌ. الصَّحِيحَةُ (٩٢٨).
(٢) وَهَذَا قَيدٌ مُهِمٌّ لِأَنَّ الغَايَةَ مِنَ الهَجْرِ هُنَا الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ.
[ ٣٧٣ ]
يَسُمِ الرَّجُلُ عَلَى سَومِ أَخِيهِ» (^١).
٢ - بَعْدَ البَيعِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ (^٢).
٣ - بَعْدَ تَمَامِ البَيعِ.
- قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: " وَهَذَا البَيعُ مُحَرَّمٌ لِأَنَّهُ إِضْرَارٌ بِالغَيرِ، وَلَكِنَّهُ مُنْعَقِدٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ البَيعِ غَيرُ مَقْصُودٍ بِالنَّهِي؛ فَإِنَّهُ لَا خَلَلَ فِيهِ" (^٣).
- قَولُهُ: «وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»: أَي حَقِّقُوا أُخُوَّةَ الدِّينِ، وَصِيرُوا مِثْلَ الإِخْوَانِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الإِخْوَانَ يُحِبُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَتَجَاوَزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ حَقِّهِ لِأَخِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحُجُرَات: ١٠]، وَدَلَّتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أَنَّ ذَلِكَ الإِصْلَاحَ هُوَ سَبَبٌ لِرَحْمَةِ اللهِ ﵎.
- قَولُهُ: «لَا يَظْلِمُهُ»: لَا فِي مَالِهِ، وَلَا فِي عِرْضِهِ مِنْ غِيبَةٍ وَبُهْتَانِ وَسَبٍّ، وَفِي كُلِّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ؛ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ! مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ؛ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيهِ» (^٤).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (١٤١٣).
(٢) وَهِيَ مُدَّةٌ يَسْمَحُ بِهَا البَائِعُ -أَو يَشْتَرِطُهَا الشَّارِي- بَعْدَ البَيعِ؛ يَسْتَطِيعُ فِيهَا المُشْتَرِي النُّكُولَ فِي البَيعِ.
(٣) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (١/ ١٧٣).
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٥٣٤) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا: «المُسْلِمُ منْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». البُخَارِيُّ (١٠)، وَمُسْلِمٌ (٤٠).
[ ٣٧٤ ]
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ: فَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُهُ اللهُ، وَظُلْمٌ يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ. فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ؛ فَالشِّرْكُ، لَا يَغْفِرُهُ اللهُ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ؛ فَظُلْمُ العَبْدِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ رَبِّهِ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُتْرَكُ؛ فَقَصُّ اللهِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (^١).
وَالتَّحَلُّلُ مِنَ المَظْلِمَةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي حِلٍّ مِنْهَا.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ﵀: " فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- فَلْيَتَحَلَّلْهُ بِمَا يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ مِثْلِهِ؛ مِنْ دَفْعِ مَالٍ مَكَانَ مَالٍ، وَمِنْ عَفْوٍ عَنْ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ فِي انْتِهَاكِهِ عِرْضَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الانْتِهَاكَ يُوجِبُ عَلَى المُنْتَهِكِ العُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، كَقَولِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: يَا فَاسِقُ أَو يَا خَبِيثُ أَو يَا سَارِقُ -بِدُونِ حُجَّةٍ-! فَعَلَى ذَلِكَ القَائِلِ العُقُوبَةُ؛ فَالتَّحَلُّلُ مِنْهَا هُوَ طَلَبُ العَفْوِ عَنْهُ" (^٢).
- قَولُهُ: «وَلَا يَخْذُلُهُ»: الخُذْلَانُ: تَرْكُ الإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بَعْضَهُم أَولِيَاءَ بَعْضٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوبَة: ٧١]، وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ بِظَهْرِ الغَيبِ؛ نَصَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» (^٣).
- قَولُهُ: «وَلَا يَكْذِبُهُ»: أَي: لَا يُخْبِرُهُ بِالكَذِبِ (^٤)، سَوَاءً الكَذِبَ القَولِيَّ أَوِ الفِعْلِيَّ، وَالكَذِبُ القَولِيُّ: كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: حَصَلَ كَذَا وَكَذَا؛ وَهُوَ لَمْ يَحْصُلْ!
_________________
(١) حَسَنٌ. البَزَّارُ (١٣/ ١١٥)، وَالطَّيَالِسِيُّ (٢٢٢٣). الصَّحِيحَةُ (١٩٢٧).
(٢) شَرْحُ مُشْكِلِ الآثَارِ (١/ ١٧٧) بِحَذْفٍ يَسِيرٍ.
(٣) حَسَنٌ. البَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (١٦٦٨٥) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٥٧٤).
(٤) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيضًا: وَلَا يُكَذِّبُهُ فِي حَدِيثِهِ؛ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ كُلَّمَا تَكَلَّمَ: أَنْتَ كَاذِبٌ!
[ ٣٧٥ ]
وَالكَذِبُ الفِعْلِيُّ: كَأَنْ يَبِيعَ عَلَيهِ سِلْعَةً مُدَلَّسَةً؛ فَيُظْهِرَ هَذِهِ السِّلْعَةَ وَكَأَنَّهَا جَدِيدَةٌ! فَإِظْهَارُهُ إِيَّاهَا عَلَى أَنَّهَا جَدِيدَةٌ؛ هُوَ كَأَنَّهُ يَقُولُ بِلِسَانِهِ: هِيَ جَدِيدَةٌ.
- قَولُهُ: «وَلَا يَحْقِرُهُ»: أَي: لَا يَسْتَصْغِرُهُ؛ وَيَرَى أَنَّهُ أَكْبَرَ مِنْهُ؛ وَأَنَّهُ لَا يُسَاوِي شَيئًا! وَذَلِكَ لِأَنَّ الإِسْلَامَ رَفَعَ المُسْلِمَ، فَهَذَا المُسْلِمُ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيهِ بِعَينِ مَا وَقَرَ فِي قَلْبِهِ مِنَ التَّوحِيدِ وَالإِيمَانِ وَمَعْرِفَتِهِ بِاللهِ تَعَالَى وَبِالإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ وَالعِلْمِ؛ فَمِثْلُهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَقَّرَ! بَلْ يُحْتَرَمُ لِمَا مَعَهُ مِنَ الإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ، وَهَذَا الاحْتِقَارُ مَنْشَأُهُ مِنَ الكِبْرِ كَمَا فِي الحَدِيثِ «الكِبْرُ: سَفَهُ الحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاسِ» (^١).
- قَولُهُ: «التَّقْوَى هَاهُنَا»: يَعْنِي أَنَّ تَقْوَى اللهِ ﷿ تَقُومُ فِي القَلْبِ ابْتِدَاءً، وَمِنْ ثُمَّ يَنْشَأُ عَنْهَا العَمَلُ الصَّالِحُ، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ تَاكِيدًا لِكَونِ القَلْبِ هُوَ الأَصْلَ لِعَمَلِ الأَعْضَاءِ.
- قَولُهُ: «بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ»: هَذِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بقَولُهُ: «وَلا يحَقِرُهُ»: أَي: يَكْفِي الإِنْسَانَ مِنَ الإِثْمِ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ! فَهُوَ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
- قَولُهُ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَىَ المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»: فِيهِ بَيَانٌ لِعُمُومِ حُرْمَةِ المُسْلِم؛ وَعَدَمِ ظُلْمِهِ أَو قَتْلِهِ أَو غِيبَتِهِ أَوِ الإِضْرَارِ بِهِ.
وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ حُرْمَةَ المُسْلِمِ بِحُرْمَةِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي حَدِيثِ «إنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هَذَا في شَهْرِكمْ هَذَا فِي بَلدِكمْ هَذَا» (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٥٤٨) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا، صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٤٢٦). وَقَولُهُ «غَمْصُ النَّاسِ»: «احْتِقَارُهُم، وَعَدَمُ الاعْتِدَادِ بِهِم». التَّنْوِيرُ لِلْصَنْعَانِيِّ (١/ ٣٦٧).
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢١٨) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.
[ ٣٧٦ ]
- تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ: جَاءَ فِي أَلْفَاظِ الحَدِيثِ عِدَّةُ زِيَادَاتٍ؛ نَذْكُرُهَا وَنَشْرَحُهَا بِاخْتِصَارٍ:
١ - قَولُهُ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» (^١).
قَالَ العَلَّامَةُ شَمْسُ الحَقِّ العَظِيمُ آبَادِي: (أَي: احْذَرُوا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، أَوِ احْذَرُوا سُوءَ الظَّنِّ. وَالظَّنُّ: تُهْمَةٌ تَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَيسَ المُرَادُ تَرْكَ العَمَلِ بِالظَّنِّ الَّذِي تُنَاطُ بِهِ الْأَحْكَامُ غَالِبًا! بَلِ الْمُرَادُ تَرْكُ تَحْقِيقِ الظَّنِّ الَّذِي يَضُرُّ بِالْمَظْنُونِ بِهِ) (^٢)، وَعَلَيهِ؛ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ حَدِيثُ النَّفْسِ! لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْلَكُ، وَقَدْ تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا النَّهْيُ هُوَ عَنِ العَمَلِ بِمُقْتَضَاه.
٢ - قَولُهُ: «لا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا» (^٣): قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: التَّحَسُّسُ -بِالحَاءِ-: الاسْتِمَاعُ لِحَدِيثِ القَومِ، وَبِالجِيمِ: البَحْثُ عَنِ العَورَاتِ (^٤).
وَفِي الحَدِيثِ «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ؛ لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَورَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَورَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَو فِي جَوفِ بَيتِهِ» (^٥).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥١٤٣)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٦٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) عَونُ المَعْبُودِ (١٣/ ١٧٧).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥١٤٣)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٦٣).
(٤) ذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٦/ ١١٩). وَقَالَ أَيضًا: "وَقِيلَ بِالجِيمِ: التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الأُمُورِ، وَقِيلَ: بِالجِيمِ: أَنْ تَطْلُبَهُ لِغَيرِكَ، وَبِالحَاءِ: أَنْ تَطْلُبَهُ لِنَفْسِكَ".
(٥) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٨٨٠) عَنِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٩٨٤).
[ ٣٧٧ ]
٣ - قَولُهُ: «لا تَنافَسُوا» (^١): مِنَ المُنَافَسَةِ، وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيءِ وَالانْفِرَادِ بِهِ (^٢).
٤ - قَولُهُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُم وَلَا إِلَى صُوَرِكُم؛ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعْمَالِكُم» (^٣).
٥ - قَولُهُ: «لَا تَهَجَّرُوا» (^٤): عَلَى مَعْنَيِينِ:
أ- مِنَ المُقَاطَعَةِ وَتَرْكِ الكَلَامِ، فَهِيَ بِمَعْنَى التَّدَابُرِ.
ب- مِنْ قَولِ الهُجْرِ -بِضَمِّ الهَاءِ- وَهُوَ الكَلَامُ القَبِيحُ (^٥).
وَفِي الحَدِيثِ «وَنَهَيتُكمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ؛ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزُورَ؛ فلْيَزُرْ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» (^٦).
٦ - قَولُهُ: «وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أو يَترُكَ» (^٧): فَإِذَا خَطَبَ رَجُلٌ امْرَأَةً؛ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِخِطْبَتِهَا إِلَّا بِإِذْنِ الأَوَّلِ، أَو بَعْدَ أَنْ يَتْرُكَهَا الأَوَّلُ.
قَالَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ عَقِبَ الحَدِيثِ: " قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِنَّمَا مَعْنَى كَرَاهِيَةِ أَنْ يَخْطِبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ: إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ؛ فَلَيسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطِبَ عَلَى خِطْبَتِهِ.
_________________
(١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٥٦٣).
(٢) فَيضُ القَدِيرِ (٣/ ١٢٢).
(٣) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٥٦٤).
(٤) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٥٦٣).
(٥) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (١٦/ ١٢٠).
(٦) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٢٠٣٣) عَنْ بُرَيدَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٥٨٤).
(٧) البُخَارِيُّ (٥١٤٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٦٣)، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (١٤١٢): «إِلَّا أَنْ يَاذَنَ لَهُ».
[ ٣٧٨ ]
وقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ «لَا يَخْطِبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»: هَذَا عِنْدَنَا إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ وَرَكَنَتْ إِلَيهِ؛ فَلَيسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطِبَ عَلَى خِطْبَتِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ رِضَاهَا أَو رُكُونَهَا إِلَيهِ؛ فَلَا بَاسَ أَنْ يَخْطِبَهَا، وَالحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ؛ حَيثُ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيفَةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَطَبَاهَا، فَقَالَ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ؛ فَرَجُلٌ لَا يَرْفَعُ عَصَاهُ عَنِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ؛ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَلَكِن انْكِحِي أُسَامَةَ» (^١). فَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ فَاطِمَةَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِرِضَاهَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَو أَخْبَرَتْهُ لَمْ يُشِرْ عَلَيهَا بِغَيرِ الَّذِي ذَكَرَتْ" (^٢).
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٌ (١٤٨٠).
(٢) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٣/ ٤٣٢).
[ ٣٧٩ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَنْ ظَلَمَ أَخَاهُ بِغِيبَةٍ وَجَبَ عَلِيهِ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ مِنْهَا كَمَا فِي نَصِّ الحَدِيثِ «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيءٍ؛ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ» (^١)، فَفِيهِ النَّصُّ عَلَى التَّحَلُّلِ فِي العِرْضِ، وَلَكِنَّ إِخْبَارَهُ بِأَنَّهُ قَدْ اغْتَابَهُ وَقَالَ عَنْهُ: كَذَا وَكَذَا؛ يُوجِدُ البُغْضَ وَالكُرْهَ مِنْ صَاحِبِهِ عِنْدَمَا يُخْبَرُ بِذَلِكَ! فَكَيفَ العَمَلُ؟
الجَوَابُ -وَهُوَ تَفْصِيلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ-: إِذَا عَلِمَ المُغْتَابُ؛ وَجَبَ الاسْتِحْلَالُ مِنْهُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ؛ فَلَا، بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيضًا؛ لِأَنَّهُ يَجْلِبُ الوَحْشَةَ وَإِيغَارَ الصَّدْرَ (^٢).
_________________
(١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٢٤٤٩).
(٢) ذَكَرَهُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (سُبُلُ السَّلَامِ) (٢/ ٦٨٥). وَقَالَ أَيضًا عَنْ حَدِيثِ البَابِ: "وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الاسْتِحْلَالُ -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عُلِمَ-؛ إِلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ قَدْ بَلَغَهُ، وَيَكُونُ حَدِيثُ أَنَسٍ "الآتِي" فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَيُقَيَّدُ بِهِ إِطْلَاقُ حَدِيثِ البُخَارِيِّ". قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بِأَنَّ مَنِ اغْتَابَ أَخَاهُ فَلَا يُخْبِرْهُ؛ وَلَكِنْ لِيَسْتَغْفِرْ لَهُ كَكَفَّارَةٍ لِذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «كَفَّارَةُ الغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ». رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (٦٣٦٧)، وَنُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ تَضْعِيفُهُ. وَقَالَ الصَّنْعَانِيُّ ﵀ أَيضًا: "وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الاسْتِغْفَارَ مِنَ المُغْتَابِ لِمَنِ اغْتَابَهُ يَكْفِي وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الاعْتِذَارِ مِنْهُ". سُبُلُ السَّلَامِ (٢/ ٦٨٥). وَفِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش: ١٦٠) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ مَا مَفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي السُّنَّةِ الاسْتِغْفَارُ لِمَنْ ظُلِمَ، وَلَكِنْ يَتَحَلَّلهُ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَيَدْعُو لَهُ. قُلْتُ: وَقَدْ يَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ «اللَّهُمَّ؛ فَأَيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ؛ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيكَ يَومَ القِيَامَةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٣٦١)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٠١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٣٨٠ ]
قَالَ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ ﵀: " قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي تَوْبَةِ الْمُغْتَابِ؛ هَلْ تَجُوزُ مِنْ غَيرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِهِ؟
قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ؛ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِه.
وَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى وَجْهَينِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ قَدْ بَلَغَ إِلَى الَّذِي اغْتَابَهُ؛ فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ؛ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُضْمِرَ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: إِنِّي اغْتَبْتُكَ؛ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ. فَقَالَ: وَكَيفَ أُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ؟! فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَيهِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ اسْتِحْلَالِهِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى صَاحِبِهِ تِلْكَ الْغِيبَةُ؛ فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَتُوبَ إِلَيهِ، وَلَا يُخْبِرُ صَاحِبَهُ! فَهُوَ أَحْسَنُ لِكَيلَا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِهِ" (^١).
وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: " إذَا اغْتَابَهُ أَوْ قَذَفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ؛ فَقَدْ قِيلَ: مِنْ شَرْطِ تَوْبَتِهِ إعْلَامُهُ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد" (^٢).
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: " وَالَّذِينَ قَالُوا لَا بُدَّ مِن إِعْلَامِهِ جَعَلُوا الغِيبَةَ كَالحُقُوقِ المَالِيَّةِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الحُقُوقَ المَالِيَّةَ يَنْتَفِعُ المَظْلُومُ بِعَودِ نَظِيرِ مَظْلِمَتِهِ إِلَيهِ؛ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا، وَأَمَّا فِي الغِيبَةِ فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ! وَلَا يَحْصُلُ لَهُ بِإِعْلَامِهِ إِلَّا عَكْسَ مَقْصُودِ الشَّارِعِ ﷺ، فَإِنَّهُ يُوغِرُ صَدْرَهُ، وَيُؤْذِيهِ إِذَا سَمِعَ مَا رُمِي بِهِ، وَلَعَلَّهُ يُهَيِّجُ عَدَاوَتَهُ وَلَا يَصْفُو لَهُ أَبَدًا! وَمَا كَانَ هَذَا
_________________
(١) تَنْبِيهُ الغَافِلِينَ (ص: ١٦٦).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٨/ ١٨٩).
[ ٣٨١ ]
سَبِيلُهُ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ الحَكِيمَ ﷺ لَا يُبِيحُهُ، وَلَا يُجَوِّزُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجِبَهُ وَيَامُرَ بِهِ! وَمَدَارُ الشَّرِيعَةِ عَلَى تَعْطِيلِ المَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا لَا عَلَى تَحْصِيلِهَا وَتَكْمِيلِهَا! وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ" (^١).
_________________
(١) الوَابِلُ الصَّيِّبُ (ص: ١٤١).
[ ٣٨٢ ]
- تَنْبِيهٌ:
" الغِيبَةُ لَيسَتْ كُلُّهَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ! فَغِيبَةُ الأُمَرَاءِ أَشَدُّ مِنْ غِيبَةِ العَامَّةِ؛
لِأَنَّهَا تُفْضِي لِتَرْكِ طَاعَتِهِم، وَالخُرُوجِ عَلَيهِم، وَانْتِشَارِ الفَسَادِ، وَغِيبَةُ العُلَمَاءِ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى تَرْكِهِم وَتَرْكِ مَا يَحْمِلُونَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَهَذَا مُضِرٌّ
بِتَدَيُّنِ النَّاسِ" (^١).
_________________
(١) شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِابْن عُثَيمِينَ (٦/ ١٠٤).
[ ٣٨٣ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ نَتَصَرَّفُ فِي التَّبَاغُضِ؛ رُغْمَ أَنَّ البَغْضَاءَ وَالمَحَبَّةَ لَيسَتَا بِاخْتِيَارِ الإِنْسَانِ؟!
الجَوَابُ: بِمَعْرِفَةِ أَنَّ المَحَبَّةَ لَهَا أَسْبَابٌ، وَالبَغْضَاءَ لَهَا أَسْبَابٌ؛ فَابْتَعِدْ عَنْ أَسْبَابِ البَغْضَاءِ، وَأَكْثِرْ مِنْ أَسْبَابِ المَحَبَّةِ.
فَمَثَلًا إِذَا كُنْتَ أَبْغَضْتَ شَخْصًا لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا مَا؛ فَاذْكُرْ مَحَاسِنَهُ حَتَّى تُزِيلَ عَنْكَ هَذِهِ البَغْضَاءَ، كَمَا دَلَّ لِذَلِكَ قَولُهُ ﷺ: «لَا يَفْرَكْ (^١) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا؛ رَضيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ» (^٢).
_________________
(١) "قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: فَرِكَهُ -بِكَسْرِ الراء- يَفْرَكُهُ بِفَتْحِهَا: إِذَا أَبْغَضَهُ، وَالْفَرْكُ -بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَإِسْكَانِ الرَّاءِ-: الْبُغْضُ". شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ (١٠/ ٥٨).
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٤٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٣٨٤ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَا هِيَ التَّورِيَةُ؟ وَمَا حُكْمُهَا؟
الجَوَابُ: التَّورِيَةُ وَالتَّعْرِيضُ هُمَا: أَنْ تُطْلِقَ لَفْظًا هُوَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنًى وَتُرِيدُ بِهِ مَعْنًى آخَرَ يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ؛ لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِه، وَهِيَ كَذِبٌ فِي ظَاهِرِ الكَلَامِ ولَيسَتْ بِكَذِبٍ فِي حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَقْصِدُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " قَالَ العُلَمَاءُ: فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى خِدَاعِ المُخَاطَبِ أَوْ حَاجَةٌ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهَا إِلَّا بِالكَذِبِ؛ فَلَا بَاسَ بِالتَّعْرِيضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَيسَ بِحَرَامٍ؛ إِلَّا أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى أَخْذِ بَاطِلٍ أَوْ دَفْعِ حَقٍّ؛ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ حَرَامًا، هَذَا ضَابِطُ البَابِ" (^١).
وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أُمُورٌ:
١ - أَنْ لَا يُقْسِمَ عَلَيهَا، لِحَدِيثِ «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيهِ صَاحِبُكَ» (^٢)، وَلَكِنْ إِلَّا إِذَا دَعَتْ لِذَلِكَ ضَرُورَةٌ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ؛ قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺوَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ-، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا، وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي؛ فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا، وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي، قَالَ: «صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» (^٣).
٢ - أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا ظُلْمٌ.
_________________
(١) الأَذْكَارُ (ص: ٣٨٠).
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٦٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاود (٣٢٥٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٧٥٨).
[ ٣٨٥ ]
٣ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الإِكْثَارُ مِنْهَا (^١)؛ لِأَنَّهُ يُجَرِّئُ المَرْءَ عَلَى الكَذِبِ فَيَسْتَمْرِئُهُ، وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ أَيضًا عُدَّ كَاذِبًا عِنْدَ النَّاسِ! وَالمُسْلِمُ مَامُورٌ بِالاسْتِبْرَاءِ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ.
وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّعْرِيضِ بِحَسْبِ القَصْدِ:
١ - إِنْ أَدَّتْ إِلَى بَاطِلٍ؛ فَهِيَ حَرَامٌ، كَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ ظُلْمًا؛ وَالشَّهَادَةِ عِنْدَ القَاضِي؛ وَإِخْفَاءِ عَيبِ البَيعِ وَمَا أَشْبَهَ.
٢ - إِنْ أَدَّتْ إِلَى وَاجِبٍ؛ فَهِيَ وَاجِبَةٌ.
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀: " أَمَّا دَفْعُ الظُّلْمِ؛ فَمِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيرِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: دَخَلَ عَلَيهِ لِصٌّ أَوْ جُنْدِيٌّ ظَالِمٌ يُرِيدُ أَنْ يَاخُذَ مَالَهُ؛ فَقَالَ: افْتَحْ لِيَ هَذَا الصُّنْدُوقَ، قَالَ: وَاللهِ مَا فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ شَيءٌ. المُخَاطَبُ سَوفَ يَظُنُّ أَنَّ الجُمْلَةَ نَفْيٌ؛ فَيَنْصَرِفُ، وَهُوَ يُرِيدُ بِهَا الإِثْبَاتَ! فَهَذِهُ التَّوْرِيَةُ لَا شَكَّ فِي جَوَازِهَا، بَلْ إِذَا كَانَ المَالُ لِلْغَيرِ؛ مِثْلُ أَنْ يَاتِيَ شَخْصٌ وَيَقُولُ: فُلَانٌ؛ عِنْدَكَ لَهُ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَقُولُ: وَاللهِ؛ مَا عِنْدِي لَهُ شَيءٌ -أَعْرِفُ أَنِّي لَو أَقْرَرْتُ لَأَخَذَهَا" (^٢).
٣ - إِنْ أَدَّتْ إِلَى مَصْلَحَةٍ أَو حَاجَةٍ؛ فَهِيَ جَائِزَةٌ.
٤ - أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا لَا هَذَا وَلَا هَذَا؛ فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيهَا، وَالأَقْرَبُ عَدَمُ جَوَازِ الإِكْثَارِ مِنْهَا كَمَا سَلَفَ.
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٣٥٠).
(٢) تَفْسِيرُ سُورَةِ غَافِر لِابْنِ عُثَيمِين (ص: ٢٤٥).
[ ٣٨٦ ]
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَسْتَدِلُّ بِالحَدِيثِ عَلَى فِعْلِ المَعَاصِي بِقَولِهِ: «التّقْوَىَ هَهُنَا» أَي: فِي القَلْبِ؟
الجَوَابُ: أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: لَو كَانَ قَلْبُكَ نَقِيًّا تَقِيًّا لَظَهَرَتِ التَّقْوَى عَلَى فِعْلِكَ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١).
_________________
(١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٥٢) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا.
[ ٣٨٧ ]
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ مِنَ المَنْهِيِّ عَنْهُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الفَاسِقِ وَالجَاهِلِ مِنَ البُغْضِ وَالنِّقْمَةِ عَلِيهِمَا؟
الجَوَابُ: لَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيسَ احْتِقَارًا لِأَخِيكَ المُسْلِمِ نَفْسِهِ! وَلَكِنْ لِمَا اتَّصَفْ بِهِ الجَاهِلُ مِنَ الجَهْلِ؛ وَالفَاسِقُ مِنَ الفِسْقِ، فَمَتَى زَالَ ذَلِكَ رَاجَعَهُ إِلَى الاحْتِفَالِ بِهِ ورَفْعِ قَدْرِهِ (^١)، فَهُوَ بُغْضٌ لِصِفَةِ الفِسْقِ وَالجَهْلِ فِيهِ؛ لَا لِخُصُوصِ نَفْسِهِ.
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِين لِابْنِ دَقِيق العِيد (ص: ١١٨).
[ ٣٨٨ ]
- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَلَا يَتَعَارَضُ بَيعُ المَزَادِ مَعَ الحَدِيثَ «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَىَ بَيعِ بَعْضٍ»؟
الجَوَابُ: لَا تَعَارُضَ، فَقَدْ ثَبَتَ فِعْلُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا فِي المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁؛ " أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ (^١)، فَاحْتَاجَ؛ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِكَذَا وَكَذَا، فَدَفَعَهُ إِلَيهِ" (^٢).
قَالَ الحَافِظُ زَينُ الدِّينِ العِرَاقِيُّ ﵀: " وَأَمَّا السَّومُ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي تُبَاعُ فِيمَنْ يَزِيدُ؛ فَلَيسَ بِحَرَامٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالجُمْهُورُ بِجَوَازِ البَيعِ وَالشِّرَاءِ فِيمَنْ يَزِيدُ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ الإِجْمَاعَ عَلَى الجَوَازِ" (^٣).
قُلْتُ: وَلَعَلَّ مِنْ عِلَّةِ جَوَازِ بَيعِ المُزَايَدَةِ أَنَّهُ يَكُونُ المُشْتَرِي لَيسَ بِمَعْرُوفٍ أَصْلًا، وَلَمْ يَجْرِي بَينَهُ وَبَينَ البَائِعِ سَومٌ خَاصٌّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْشَا عَنْهُ التَّبَاغُضُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ المَحْذُورِ فِي البَيعِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
_________________
(١) "مَعْنَى (أَعْتَقَهُ عَنْ دُبُرٍ) أَيْ: دَبَّرَهُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، وَسُمِّيَ هَذَا تَدْبِيرًا لِأَنَّهُ يَحْصُلُ العِتْقُ فِيهِ فِي دُبُرِ الْحَيَاةِ". شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ (١١/ ١٤١).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢١٤١)، وَمُسْلِمٌ (٩٩٧). وَبَوَّبَ عَلِيهِ البُخَارِيُّ: «بَابُ بَيعِ المُزَايَدَةِ».
(٣) طَرْحُ التَّثْرِيبِ (٦/ ٧١).
[ ٣٨٩ ]
- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَنْ ظَلَمَ غَيرَهُ بِمَالٍ كَغَصْبٍ أَو سَرِقَةٍ أَو إِكْرَاهٍ؛ فَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ عِنْدَ التَّوبَةِ -فِي حَقِّ صَاحِبِ المَالِ-؟
الجَوَابُ عَلَى دَرَجَاتٍ:
١ - أَنْ يَرُدَّ المَالَ إِلَى صَاحِبِهِ.
وَذَلِكَ بِأَيِّ شَكْلٍ مُمْكِنٍ، وَلَا يَلْزَمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، كَمَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ مَعَ شَخْصٍ مُؤْتَمَنٍ عِنْدَ النَّاسِ فَيُوصِلَهُ إِلَى صَاحِبِ الحَقِّ.
٢ - إِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ أَدَّاهُ إِلَى وَرَثَتِهِ.
٣ - إِنْ جَهِلَ صَاحِبَهُ أَو مَكَانَهُ أَو وَرَثَتَهُ؛ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ عَنْ صَاحِبِهِ.
وَقَدِ " اشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً؛ فَالْتَمَسَ صَاحِبهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ
وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَينِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَانٍ؛ فَإِنْ أَتَى فُلَانٌ فَلِي وَعَلَيَّ" (^١).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧/ ٥٠) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الحَافِظُ وَصَحَّحَهُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ. فَتْحُ البَارِي (٩/ ٤٣٠). وَقَولُهُ (فَلِيَ): أَي: الصَّدَقَةُ، وَ(عَلَيَّ): أَي: الأَدَاءُ إِلَيهِ مَرَّةً ثَانِيَةً.
[ ٣٩٠ ]