عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ أَيضًا: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالوا لِلنَّبِيِّ ﵊: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ! يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ! قَالَ: «أَوَ لَيسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟! إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمَيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالِمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيَاتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟! قَالَ: «أَرَأَيتُمْ لَو وَضَعَهَا فَي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فَي الحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- قَولُهُم: (الدُّثُورُ): جَمْعُ الدَّثْرِ -بِالفَتْحِ-، وَهُوَ المَالُ الكَثِيرُ، وَالمَعْنَى أَهْلُ الغِنَى.
- قَولُهُم: (ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ): أَي: تَفَرَّدُوا عَنَّا بِالصَّدَقَةِ؛ لِكَونِهِم أَغْنِيَاءَ وَنَحْنُ فُقَرَاءُ.
- التَّصَدُّقُ هُنَا هُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ المِثَالِ الأَوضَحِ عَلَى التَّفْرِيقِ بَينَ الأَغْنِيَاءِ وَالفُقَرَاءِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الأَغْنِيَاءَ يَتَفَرَّدُونَ أَيضًا بِالعِتْقِ وَالحَجِّ وَالعُمْرَةِ وَالجِهَادِ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (١٠٠٦).
[ ٢٧٩ ]
بِالمَالِ، وَحَمْلِ النَّاسِ فِي الجِهَادِ، وَغَيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوا النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ؛ وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُم شَيئًا تُدرِكُونَ بِهِ مَنْ قَدْ سَبَقَكُم، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُم، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُم إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُم؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ (^١) ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً» (^٢)، قَالَ أَبُو صَالِحٍ (^٣): فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المَائِدَة: ٥٤]» (^٤).
- قَولُهُ: «أَوَ لَيسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟»: فِيهِ أَنَّ الفُقَرَاءَ يُمْكِنُهُم التَّصَدُّقُ أَيضًا بِغَيرِ المَالِ، وَهَذَا رَاجِعٌ لِفَهْم مَعْنَى الصَّدَقَةِ عُمُومًا.
_________________
(١) الصَّلَوَاتُ هُنَا هِيَ المَكْتُوبَةُ، لِوُرُودِ لَفْظٍ يَخُصُّهَا؛ فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ. انْظُرْ كِتَابَ (عُمْدَةُ القَارِي) لِلعَينِي (٦/ ١٣٠).
(٢) فَائِدَةٌ: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَمُقْتَضَى الحَدِيثِ أَنَّ الذِّكْرَ المَذْكُورَ يُقَالُ عِنْدَ الفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَو تَأَخَّرَ ذَلِكَ عَنِ الفَرَاغِ؛ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا بِحَيثُ لَا يُعَدُّ مُعْرِضًا أَو كَانَ نَاسِيًا أَو مُتَشَاغِلًا بِمَا وَرَدَ أَيضًا بَعْدَ الصَّلَاةِ كَآيَةِ الكُرْسِيِّ فَلَا يَضُرُّ، وَعَلى هَذَا هَلْ يَكُونُ التَّشَاغُلُ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ بِالرَّاتِبَةِ بَعْدَهَا فَاصِلًا بَينَ المَكْتُوبَةِ وَالذِّكْرِ أَو لَا؟ مَحَلُّ نَظَرٍ". فَتْحُ البَارِي (٢/ ٣٢٨).
(٣) أَبُو صَالِحِ السَّمَّانُ: ذَكْوانُ، تَابِعِيٌّ مِنَ الوُسْطَى، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ (ت ١٠١ هـ).
(٤) البُخَارِيُّ (٨٤٣)، وَمُسْلِمٌ (٥٩٥).
[ ٢٨٠ ]
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " فَالصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ فِعْلِ المَعْرُوفِ وَالإِحْسَانِ" (^١)، وَدَلَّ لِذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (^٢)، وَبَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ ﵀ بِبَابِ (بَيَانُ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوعٍ مِنَ المَعْرُوفِ).
وَعَلَيهِ يُفْهَمُ مَعْنَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: (قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّسَاء: ١٠١] فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ! فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ؛ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (^٣).
قُلْتُ: فَصَارَ المَعْنَى هُنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ هِيَ فَضْلُ اللهِ الوَاصِلُ مِنْهُ تَعَالَى إِلَى عِبَادِهِ.
- إِنَّ الصَّدَقَةَ بِمَعْنَاهَا العَامِّ -وَهُوَ إِيصَالُ الخَيرِ- نَوعَانِ:
١ - إِيصَالُ الخَيرِ لِلنَّفْسِ: وَأَشَارَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ في ذِكْرِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ.
٢ - إِيصَالُ الخَيرِ إِلَى الغَيرِ: وَأَشَارَ إِلَيهِ في ذِكْرِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ (^٤).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٥٨).
(٢) مُسْلِمٌ (١٠٠٥)، وَهُوَ عِنْدَ البُخَارِيِّ (٦٠٢١) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁.
(٣) مُسْلِمٌ (٦٨٦).
(٤) وَأَمَّا قَولُهُ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» فَيَشْمَلُ الاثْنَينَ مَعًا، حَيثُ يُرَادُ بِذَلِكَ إِحْصَانُ نَفْسِهِ وَزَوجِهِ.
[ ٢٨١ ]
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ»، قِيلَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْتَمِلُ بِيَديهِ؛ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ»، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ»، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يَامُرُ بِالمَعْرُوفِ أَوِ الخَيرِ»، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ» (^١).
- قَولُهُ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»: البِضْعُ -لُغَةً- بَعْضُ الشَّيءِ، وَمَعْنَاهُ: الفَرْجُ، وَالمَقْصُودُ بِهِ الجِمَاعُ، وَهَذَا مِنْ شَرِيفِ الكَلَامِ؛ بِأَنْ لَا يُذْكَرَ مَا يُسْتَحْيَا ذِكْرُهُ صَرَاحَةً.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٠٢٢)، وَمُسْلِمٌ (١٠٠٨).
[ ٢٨٢ ]
- تَنْبِيهٌ:
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: " وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مِمَّنْ يَطْلُبُ جَزَاءَهَا وَأَجْرَهَا! وَالصَّحِيحُ خِلَافُ ذَلِكَ" (^١).
قُلْتُ: وَيَشْهَدُ لِلْمَطْلُوبِ أَيضًا مَا فِي الحَدِيثِ «مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيهَا نَومٌ؛ إِلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ، وَكَانَ نَومُهُ عَلِيهِ صَدَقَةً» (^٢).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٥٨).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٣١٤) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٦٩١).
[ ٢٨٣ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: بِنَاءً عَلَى قَولِهِ ﷺ: «فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فَي الحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»؛ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي مَسْأَلَةٍ: هَلْ يُؤْجَرُ المُسْلِمُ بِإِتْيَانِهِ الحَلَالَ دُونَ نِيَّةٍ؛ أَمْ لَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ؟ فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ: الرَّاجِحُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ؛ وَذَلِكَ لِأُمُورٍ:
١ - جَمْعًا مَعَ النُّصُوصِ الكَثِيرَةِ الوَارِدَةِ فِي أَنَّ العَمَلَ المَاجُورَ عَلَيهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).
وَكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيهَا؛ حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ» (^٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ عِنْدَ حَدِيث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هَذَا: " وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ للهِ؛ فَتُحْمَلُ الأَحَادِيثُ المُطْلَقَةُ عَلَيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (^٣).
٢ - أَنَّ الحَدِيثَ فِيهِ نِيَّةُ إِيجَادِ الوَلَدِ الصَّالِحِ ضِمْنًا، كَمَا دَلَّ لِذَلِكَ أَحَدُ أَلْفَاظِ الحَدِيث.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كَيفَ يَكُونُ لِي أَجْرٌ فِي شَهْوَتِي؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرَأَيتَ لَو كَانَ لَكَ وَلَدٌ فَأَدْرَكَ وَرَجَوتَ أَجْرَهُ، ثُمَّ مَاتَ؛ أَكُنْتَ تَحْتَسِبُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَأَنْتَ خَلَقْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلِ اللهُ خَلَقَهُ، قَالَ: «أَفَأَنْتَ هَدَيتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلِ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١)، وَمُسْلِمٌ (١٩٠٧).
(٢) البُخَارِيُّ (٥٦)، وَمُسْلِمٌ (١٦٢٨).
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٦٥).
[ ٢٨٤ ]
اللهُ هَدَاهُ، قَالَ: «أَفَأَنْتَ كُنْتَ تَرْزُقُهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلِ اللهُ يَرْزُقُهُ، قَالَ: «كَذَلِكَ فَضعهُ فِي حَلالِهِ وَجَنِّبْهُ حَرَامَهُ؛ فَإِنْ شَاءَ اللهُ أَحْيَاهُ وَإِنْ شَاءَ أَمَاتَهُ؛ وَلَكَ أَجْرُهُ» (^١)، وَالشَّاهِدُ قَولُهُ: «فَضعهُ فِي حَلالِهِ وَجَنِّبْهُ حَرَامَهُ».
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: " وَظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى جِمَاعِهِ لِأَهْلِهِ بِنِيَّةِ طَلَبِ الْوَلَدِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ الْأَجْرُ عَلَى تَرْبِيَتِهِ وَتَادِيبِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَحْتَسِبُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا بِقَضَاءِ شَهْوَتِهِ؛ فَهَذَا قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي دُخُولِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِأَنَّ نَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا»، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ -وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا-؛ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» (^٢)، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُؤْجَرُ فِيهَا إِذَا احْتَسَبَهَا عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً -تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ- إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا؛ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ» خَرَّجَاهُ (^٣) " (^٤).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المُبَاحَاتِ تَصِيرُ طَاعَاتٍ بِالنِّيَّاتِ الصَّادِقَاتِ، فَالجِمَاعُ يَكُون عِبَادَةً إِذَا نَوَى بِهِ قَضَاءَ حَقِّ الزَّوجَةِ،
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٤٨٤) عَنْ أَبِي ذرٍّ. الصَّحِيحَةُ (٥٧٥).
(٢) البُخَارِيُّ (٥٣٥١)، وَمُسْلِمٌ (١٠٠٢).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٦)، وَمُسْلِمٌ (١٦٢٨).
(٤) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٦٢).
[ ٢٨٥ ]
وَمُعَاشَرَتَهَا بِالمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، أَو طَلَبَ وَلَدٍ صَالِحٍ، أَو إِعْفَافَ نَفْسِهِ؛ أَو إِعْفَافَ الزَّوجَةِ؛ وَمَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنَ النَّظَرِ إِلَى حَرَامٍ؛ أَوِ الفِكْرِ فِيهِ؛ أَوِ الهَمِّ بِهِ، أَو غَيرَ ذَلِكَ مِنَ المَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ" (^١).
٣ - أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ -مَوضِعَ الاسْتِدْلَالِ- لَيسَ فِيهِ عَدَمُ النِّيَّةِ! بَلِ
المَفْهُومُ وُجُودُ النِّيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ العَكْسِ؛ لِقَولِهِ: «لَو وُضِعَ فِي الحَرَامِ؛ أَلَيسَ كَانَ عَلَيهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِنْ وَضَعَهَا فِي الحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي
تَرْكِ الحَرَامِ، وَالبُعْدِ عَنْهُ، وَابْتِغَاءِ الحَلَالِ عِوضًا عَنْهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ
أَنَّ الإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ صَدَقَةٌ (^٢)، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِالنِّيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَالحَمْدُ للهِ
عَلَى تَوفِيقِهِ.
_________________
(١) شَرْحُ مُسْلِم لِلْنَّوَوِيِّ (٧/ ٩٢).
(٢) البُخَارِيُّ (١٤٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٠٠٨).
[ ٢٨٦ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي شَرْحِ البَابِ جَاءَ حَدِيثُ أَبي هُرَيرَةَ الَّذِي فِيهِ «أَفَلَا أُعَلِّمُكم شَيئًا تُدرِكُونَ بِهِ مَنْ قَدْ سَبَقَكُم» (^١)؛ وَفِيمَا يُدْرِكُونَه الجِهَادُ، وَهَذَا فِيهِ إِشْكَالٌ مَعَ حَدِيثِ الصَّحِيحِينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا حِينَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّا يَعْدِلُ الجِهَادَ؛ فَقَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِد أَنْ تَقُومَ فَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ فَلَا تُفْطِرَ؟» (^٢) وَفِيهِ أَنَّ عَمَلَ المُجَاهِدِ لَا يُدْرَكُ لَا بِصَلَاةٍ وَلَا بِصِيَامٍ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ: أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ عَنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ فِي مُدَّةِ جِهَادِ المُجَاهِدِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ بَيتِهِ إِلَى قُدُومِهِ، فَهَذَا الَّذِي لَا يَعْدِلُه شَيءٌ مِنْ تِلْكَ الأَعْمَالِ، أَمَّا الفُقَرَاءُ فَقَدْ دَلَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَمَلٍ يُصَاحِبُهُم فِي مُدَّة عُمُرِهِم؛ وَهُوَ ذِكْرُ اللهِ الكَثِيرُ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ بِالنَّفْسِ وَالمَالِ يَقَعُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ وَيَتَوَقَّفُ فِي أَكْثَرِ الأَحْيَانِ (^٣).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: -نَقْلًا عَنِ ابْنِ بَزِيزَةَ (^٤) -: " الذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ تَقْدِيمُ الجِهَاد عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ البَدَنِ لِأَنَّ فِيهِ بَذْلَ النَّفَسِ؛ إِلَّا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَدَائِهَا فِي أَوقَاتِهَا، وَالمُحَافَظَةَ عَلَى بِرِّ الوَالِدَينِ أَمْرٌ لَازِمٌ مُتَكَرِّرٌ دَائِمٌ لَا يَصْبِرُ عَلَى مُرَاقَبَةِ أَمْرِ اللهِ فِيهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ" (^٥).
_________________
(١) وَمِثْلُهُ حَدِيثُ «أَلَا أُخْبِرْكُمْ بِخَيرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيرٍ لَكُمْ مِنْ تَعَاطِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمِنْ أَنْ تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ غَدًا فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ ﷿». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٣٧٧) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٢٩).
(٢) البُخَارِيُّ (٢٧٨٥)، وَمُسْلِمٌ (١٨٧٨).
(٣) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٧/ ٤٠٧) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.
(٤) مِنْ عُلَمَاءِ المَالِكِيَّةِ المَغَارِبَةِ، تُوفِّيَ قُرَابَةَ (٧٠٠) لِلْهِجْرَةِ.
(٥) فَتْحُ البَارِي (٢/ ١٠).
[ ٢٨٧ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُون وَاجِبًا وُجُوبًا عَينِيًّا، أَو كِفَائِيًّا، أَو يَكُونُ مُسْتَحَبًّا؛ فَمَا تَفْصِيلُ ذَلِكَ؟
الجَوَابُ: تَفْصِيلُ ذَلِكَ:
١ - أَنَّ الوَاجِبَ عَينًا يَكُونُ عَلَى مَنْ قَدِرَ عَلَيهِ وَلَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ.
٢ - وَالوَاجِبُ كِفَايَةً يَكُون لِمَن قَدِرَ عَلَيهِ وَلَكِنْ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
٣ - وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَذَلِكَ فِي الأَمْرِ بِالمُعْرُوفِ المُسْتَحَبِّ.
[ ٢٨٨ ]