عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رِسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِقَلبِه، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
- الحَدِيثُ بَوَّبَ عَلَيهِ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِـ (بَابِ بَيَانِ كَونِ النَّهْي عَنِ المُنْكَر مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَر وَاجِبَانِ)، ثُمَّ أَورَدَ الحَدِيثَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالخُطْبَةِ يَومَ العِيدِ -قَبْلَ الصَّلَاةِ- مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ؛ فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الخُطْبَةِ! فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» ".
- قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: " وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا البَابَ -أَعْنِي: بَابَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ- قَدْ ضُيِّعَ أَكْثَرُهُ مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ وَلَمْ يَبْقْ مِنْهُ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ إِلَّا رُسُومٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَهُو بَابٌ عَظِيمٌ بِهِ قِوَامُ الأَمْرِ وَمِلَاكُهُ، وَإِذَا كَثُرَ الخَبَثُ عَمَّ العِقَابُ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَإِذَا لَمْ يَاخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ أَوشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ" (^٢).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٤٩).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ للنَّوَوِيّ (٢/ ٢٤).
[ ٣٤٦ ]
وَفِي البُخَارِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنَ بَشِيرٍ ﵄؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوقَهُمْ، فَقَالُوا: لَو أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوقَنَا! فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوا جَمِيعًا» (^١).
وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ [الأَنْفَال: ٢٥].
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " بَلْ تُصِيبُ فَاعِلَ الظُّلْمِ وَغَيرِهِ، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ الظُّلْمُ فَلَمْ يُغَيَّرْ؛ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ تَعُمُّ الفَاعِلَ وَغَيرَهُ، وَالتَّقْوَى مِنْ هَذِهِ الفِتْنَةِ تَكُونُ بِالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وَقَمْعِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالفَسَادِ؛ وَأَنْ لَا يُمَكَّنُوا مِنَ المَعَاصِي وَالظُّلْمِ مَهْمَا أَمْكَنَ" (^٢).
- المُنْكَرُ: اسْمٌ لِمَا عُرِفَ فِي الشَّرِيعَةِ قُبْحُهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ.
- قَالَ العُلَمَاءُ: ظَاهِرُ الحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ حَتَّى يُرَى بِالعَينَ، وَيُنَزَّلُ السَّمْعُ المُحَقَّقُ مَنْزِلَةَ الرَّاي بِالعَينِ، فَإِذَا عَلِمَ بِمُنْكَرٍ -أَي: لَيسَ مُشَاهَدَةً-؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الإِنْكَارِ؛ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي النَّصِيحَةِ.
- قَولُهُ: «فَلْيُغَيِّرْهُ»: تَتَضَمَّنُ مَعَانِيَ؛ مِنْهَا الإِزَالَةُ بِاليَدِ، كَكَسْرِ آلَةِ اللَّهْوِ وَآنِيَةِ الخَمْرِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِالقَلْبِ.
- إِنَّ مَا يُتْلَفُ مِن آلَاتِ اللَّهْوِ المُحَرَّمَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيهَا.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٤٩٣).
(٢) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ٣١٨).
[ ٣٤٧ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " وَالأَصْنَامُ وَآلَاتُ المَلَاهِي لَا يَجِبُ فِي
إِبْطَالِهَا شَيءٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الكَسْرَ الفَاحِشَ؛ بَلْ تُفْصَلُ لِتَعُودَ كَمَا
قَبْلَ التَّالِيفِ، فَإِنْ عَجَزَ المُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الحَدِّ لِمَنْعِ صَاحِبِ المُنْكَرِ؛ أَبْطَلَهُ كَيفَ تَيَسَّرَ" (^١).
وَهَكَذَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ ﵊ حِينَ حَطَّمَ الأَصْنَامَ "وَهَذِهِ هِيَ المَرْتَبَةُ الرَّفِيعَةُ؛ مَرْتَبَةُ تَغْييرِ المُنْكَرِ بِاليَدِ، سَنَّهَا أَبُو الأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمُ، وَتَبِعَهُ فِيهَا مُوسَى حِينَمَا قَالَ لِلْسَّامِرِيِّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧]، وَتَبِعَهُمَا خِتَامُهُم وَأَفْضَلُهُم مُحَمَّدٌ ﷺ؛ فَحَطَّمَ أَوْثَانَ العَرَبِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وَأَرْسَلَ أَصْحَابَهُ يَهْدِمُونَهَا فِي كُلِّ حَيٍّ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْ طَاغِيَةِ ثَقِيفٍ شَفَاعَةُ ثَقِيفٍ" (^٢).
- إِنَّ الإِنْكَارَ بِاللِّسَانِ هُوَ تَغْيِيرٌ لِلمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ صَاحِبُ المُنْكَرِ! وَيَكُونُ إِنْكَارُ اللِّسَانِ بِالزَّجْرِ، وَالتَّوبِيخِ، وَالرَّسَائِلِ، وَالكِتَابَةِ فِي الصُّحُفِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ أَسَالِيبِ الرَّدْعِ المُمْكِنَةِ.
- قَولُهُ: «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ»: هُوَ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيِينِ مُتَلَازِمَينِ:
١ - أَقَلِّ المَرَاتِبِ إِيمَانًا: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ يَسْتَطِيعُهَا كُلُّ أَحَدٍ، وَعَدَمُ الإِنْكَارِ فِي القَلْبِ دَلِيلٌ عَلَى ذَهَابِ الإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ.
٢ - أَقَلِّ أَنْوَاعِ الإِيمَانِ ثَمَرَةً: لِعَدَمِ تَعَدِّي نَفْعِهَا.
- فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ -بَعْدَ حَدِيثِ البَابِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ
_________________
(١) مِنْهَاجُ الطَّالِبِينَ (ص: ١٤٧).
(٢) آثَارُ الإِمَامِ مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِيِّ (١/ ٣٩٦).
[ ٣٤٨ ]
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَاخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (^١).
قُلْتُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَرْتَبَةَ الأَخِيرَةَ مِنَ الإِنْكَارِ بِالقَلْبِ هِيَ مِنَ الإِيمَانِ، وَلَكِنْ بِأَدْنَى مَرَاتِبِهِ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ قُدْرَتِهِ عَلَى الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَإِلَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا لَهَا أَصْلًا لَمْ تَكُنْ أَدْنَى فِي حَقِّهِ! وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؛ فَتَنَبَّهْ.
وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٩٥، ٩٦] حَيثُ اسْتَثْنَى سُبْحَانَهُ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ جُمْلَةِ المُقَارَنَةِ بَينَ الحَالِ الأَدْنَى وَالحَالِ الأَعْلَى الَّذِي هُوَ لِأَهْلِ الجِهَادِ بِالمَالِ وَالنَّفْسِ.
- وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ المُؤْمِنَ لَا يَرْضَى بِالمُنْكَرِ أَبَدًا، فَإِنِ اسْتَطَاعَ تَغْيِيرَهُ غيَّرَه؛ وَإِلَّا أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ؛ وَإِلَّا أَنْكَرَهُ فِي قَلْبِهِ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " فَدَلَّتْ هَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى وُجُوبِ إِنْكَارِ المُنْكَرِ بِحَسَبِ القُدْرَةِ عَلَيهِ، وَأَنَّ إِنْكَارَهُ بِالقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَمَنْ لَمْ
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٥٠).
[ ٣٤٩ ]
يُنْكِرْ قَلْبُهُ المُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ" (^١).
وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: " فَأَصْلُ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ -وَهُوَ قَولُ القَلْبِ وَعَمَلُهُ-، وَهُوَ إقْرَارٌ بِالتَّصْدِيقِ، وَالحُبُّ، وَالِانْقِيَادُ، وَمَا كَانَ فِي القَلْبِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مُوجِبُهُ وَمُقْتَضَاهُ عَلَى الجَوَارِحِ، وَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ دَلَّ عَلَى عَدَمِهِ أَو ضَعْفِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَتِ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ مُوجِبِ إِيمَانِ القَلْبِ وَمُقْتَضَاهُ، وَهِيَ تَصْدِيقٌ لِمَا فِي القَلْبِ وَدَلِيلٌ عَلَيهِ وَشَاهِدٌ لَهُ، وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ وَبَعْضٌ لَهُ، لَكِنَّ مَا فِي القَلْبِ هُوَ الأَصْلُ لِمَا عَلَى الجَوَارِحِ، كَمَا قَالَ
أَبُو هُرَيرَةَ ﵁: «إنَّ القَلْبَ مَلِكٌ، وَالأَعْضَاءَ جُنُودُهُ؛ فَإِنْ طَابَ المَلِكُ طَابَتْ
جُنُودُهُ، وَإِذَا خَبُثَ المَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ» (^٢)، وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا «إنَّ
فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ؛ أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^٣) " (^٤).
- إِنَّ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالأَمِيرِ فَقَطْ! بَلْ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِآحَادِ المُسْلِمِينَ لِقَولِهِ: «مِنكُم»، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَامُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَامُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصَّومِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ المُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الأَفْعَالِ وَالأَقْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالاجْتِهَادِ وَلَمْ يَكُنْ لِلعَوَامِّ فِيهِ مَدْخَلٌ؛ فَلَيسَ لَهُم إِنْكارُه، بَلْ ذَلِكَ لِلعُلَمَاءِ.
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٤٥).
(٢) ضَعِيفٌ. شُعَبُ الإِيمَانِ (١٠٨). الضَّعِيفَةُ (٤٠٧٤).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢)، وَمُسْلِمٌ (١٥٩٩).
(٤) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٧/ ٦٤٤).
[ ٣٥٠ ]
- إِنَّ إِنْكَارَ المُنْكَرِ يَخْتَلِفُ عَنِ النَّصِيحَةِ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - الإِنْكَارُ أَخَصُّ مِنَ النَّصِيحَةِ.
٢ - الإِنْكَارُ يَكُونُ عَلَنًا، أَمَّا النَّصِيحَةُ فَتَكُونُ سِرًّا.
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ شُهُودِ أَمَاكِنِ المَعَاصِي وَالمُنْكَرَاتِ دُونَ تَغْيِيرِهَا، كَمَا فِي الأَدِلَّةِ التَّالِيَةِ:
١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
[الأَنْعَام: ٦٨ - ٦٩] (^١).
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ﴾ يَشْمَلُ الخَائِضِينَ بِالبَاطِلِ وَكُلَّ مُتَكَلِّمٍ بِمُحَرَّمٍ، أَو فَاعِلٌ لِمُحَرَّمٍ؛ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الجُلُوسُ وَالحُضُورُ عِنْدَ حُضُورِ المُنْكَرِ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَى إِزَالَتِهِ" (^٢).
٢ - قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا -وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا- كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (^٣)، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الرَّاضِي بِالشَّيءِ كَفَاعِلِهِ.
قَالَ العَلَّامَةُ شَمْسُ الحَقِّ العَظِيمُ آبَادِي: " «فَكَرِهَهَا» أَي: بِقَلْبِهِ، «كَمَنْ غَابَ عَنْهَا» أَي: فِي عَدَمِ لُحُوقِ الإِثْمِ لَهُ، وَهَذَا عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِزَالَتِهَا بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ،
_________________
(١) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: «يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا بِالبَاطِلِ». التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ لِابْنِ عَاشُور (٧/ ٢٨٩).
(٢) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ٢٦٠).
(٣) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٤٥) عَنِ العُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٨٩).
[ ٣٥١ ]
«وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» أَي: فِي المُشَارَكَةِ فِي الإِثْمِ -وَإنْ بَعُدَتِ المَسَافَةُ بَينَهُمَا-" (^١).
- إِنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَر وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٠٤]، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ فِي حَالَتَينِ:
١ - إِذَا كَانَ المُنْكَرُ فِي مَوضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ.
٢ - إِذَا كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، كَمَنْ يَرَى زَوجَتَهُ أَو وَلَدَهُ أَو غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ.
- قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيّ ﵀: " ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ المُنْكَرُ حَرَامًا وَجَبَ الزَّجْرُ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا نُدِبَ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ أَيضًا تَبَعٌ لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ؛ فَإِنْ وَجَبَ فَوَاجِبٌ، وَإِنْ نُدِبَ فَمَنْدُوبٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الحَدِيثِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ شَامِلٌ لَهُ" (^٢).
- عِنْدَ تَغْيِيرِ المُنْكَرِ تُرَاعَى أُمُورٌ، هِيَ:
١ - العِلْمُ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مُنْكَرًا وَاضِحًا يَتَّفِقُ عَلَيهِ الجَمِيعُ، أَو فِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ غَيرُ مُعْتَبَرٍ.
وَأَيضًا أَنْ يَسْتَبِينَ كَونُ الأَمْرِ مُنْكَرًا فِي حَقِّ المُنْكَرِ عَلِيهِ بِدُونِ التِبَاسٍ، كَالإِنْكَارِ عَلَى امْرَأَةٍ تَاكُلُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِعِلَّةِ حَيضِهَا! وَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ.
وَمِنْ جُمْلَةِ العِلْمِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ هُنَا مَعْرِفَةُ حَالِ المَدْعُوِّ، وَطَرِيقَةِ الدَّعْوَةِ، وَمَادَّةِ
_________________
(١) عَونُ المَعْبُودِ (١١/ ٣٣٦).
(٢) مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (٨/ ٣٢٠٩).
[ ٣٥٢ ]
الدَّعْوَةِ؛ كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي إِرْسَالِ النَّبِيِّ ﷺ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ (^١).
٢ - القُدْرَةُ عَلَى تَغْيِيرِهِ: وَكُلٌّ بِحَسْبِ طَاقَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَا مِنْ قَومٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي؛ ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» (^٢).
وَلَكِنْ تُلَاحَظُ فِيهِ القُدْرَةُ عَلَى تَحَمُّلِ الأَذَى، وَكُلٌّ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ، وَفِي الحَدِيثِ «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ؛ يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ» (^٣).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: " فَأَمَّا حَدِيثُ «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الأَذَى وَلَا يَصْبِرُ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ حِينَئِذٍ لِلأَمْرِ -وَهَذَا حَقٌّ-، وَإنَّمَا الكَلَامُ فِيمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ، كَذَلِكَ قَالَهُ الأَئِمَّةُ؛ كَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَالفُضِيلِ بْنِ عِيَاضٍ وَغَيرِهِم" (^٤).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: " قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رَفَعَهُ: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (^٥)، وَبِعُمُومِ قَولِهِ: «مَنْ رَأَى
_________________
(١) وَفِيهِ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ؛ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ» إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ. صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٧٣٧١).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٣٨) عَنْ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٣٥٣).
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٢٥٤) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦١٣).
(٤) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٥١).
(٥) صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٣٤٤). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٣٤٤).
[ ٣٥٣ ]
مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» الحَدِيثَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ إِنْكَارُ المُنْكَرِ؛ لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَلْحَقَ المُنْكِرَ بَلَاءٌ لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُنْكِرُ بِقَلْبِهِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «يُسْتَعْمَلُ عَلَيكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي؛ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» (^١) الحَدِيث). قَالَ: وَالصَّوَابُ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ حَدِيثُ: «لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنْ «يَتَعَرَّضَ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ» (^٢). انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ غَيرُهُ: يَجِبُ الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ ضَرَرًا" (^٣).
٣ - عَدَمُ الانْتِقَالِ إِلَى مُنْكَرٍ آخَرَ مِثْلِهِ أَو أَشَدَّ! وَلَكِنْ إِلَى مَعْرُوفٍ، أَو تَرْكٍ لِلمُنْكَرِ، أَو أَدْنَى مِنْهُ.
٤ - الرِّفقُ: كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ» (^٤).
وَالأَصْلُ فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ هُوَ الرِّفْقُ، لَكِنْ قَدْ تَكُونُ الشِّدَّةُ هِيَ الأَفْضَلُ فِي بَعْضِ الَحالَاتِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التَّوبَةُ: ٦٥، ٦٦].
٥ - ظَنُّ الانْتِفَاعِ.
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٨٥٤).
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٢٥٤) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦١٣).
(٣) فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٥٣).
(٤) مُسْلِمٌ (٢٥٩٤) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٣٥٤ ]
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ وُجُوبُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ مُتَعَلِّقٌ
بِظَنِّ الانْتِفَاعِ؟
الجَوَابُ: فِيهِ خِلَافٌ (^١)؛ وَلَعَلَّ الأَرْجَحَ هُوَ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الوَعْظَ غَايَتُهُ الانْتِهَاءُ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَيسَ عَمَلًا تَعَبُّدِيًّا مَحْضًا! وَدَلَّتْ لِهَذَا أَدِلَّةٌ؛ مِنْهَا:
١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأَعْلَى: ٩].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: " أَي: ذَكِّرْ حَيثُ تَنْفعُ التَّذْكِرَةُ" (^٢).
_________________
(١) وَالجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، وَاسْتُدِلَ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَينَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأَعْرَافُ:١٦٤، ١٦٥]، وَالشَّاهِدُ فِيهِ أَنَّ النَّجَاةَ كَانَتْ لِمَنْ كَانَ يَنْهَى عَنِ السُّوءِ. وَرُدَّ عَلَى الاسْتِدْلَالِ السَّابِقِ بِتَمَامِ الآيَةِ وَفِيهَا ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وَالشَّاهِدُ هُوَ أَخْذُ الظَّالِمِينَ فَقَط بِالعَذَابِ.
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨/ ٣٨٠). فَائِدَةٌ: قَالَ أَيضًا الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَمِنْ هَاهُنَا يُؤْخَذُ الأَدَبُ فِي نَشْرِ العِلْمِ؛ فَلَا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيرِ أَهْلِهِ! كَمَا قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁: "مَا أَنْتَ مُحدِّثٌ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً". وَقَالَ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟! " ". قُلْتُ: أَمَّا الأَثَرُ الأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٢٧) عَنْ عَلِيٍّ مَوقُوفًا.
[ ٣٥٥ ]
وَقَالَ العَلَّامَةُ الشَّنْقِيطِيُّ ﵀: " وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ: مَظِنَّةُ النَّفْعِ بِهِ، فَإِنْ جَزَمَ بِعَدَمِ الفَائِدَةِ فِيهِ؛ لَمْ يَجِبْ عَلِيهِ، كَمَا يَدُلُّ لَهُ ظَاهِرُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ " (^١).
٢ - فِي الحَدِيثِ «إِذَا رَأيتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكانُوا هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَينَ أَصَابِعِهِ-؛ فَالْزَمْ بَيتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُهُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيكَ بِأمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَامَّةِ» (^٢).
قَالَ العَلَّامَةُ شَمْسُ الحَقِّ العَظِيمُ آبَادِي: " أَي: اِلْزَمْ أَمْرَ نَفْسِكَ، وَاحْفَظْ دِينَكَ، وَاتْرُكِ النَّاسَ وَلَا تَتَّبِعَهُمْ، وَهَذَا رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهِي عَنِ المُنْكَرِ إِذَا كَثُرَ الأَشْرَارُ وَضَعُفَ الأَخْيَارُ" (^٣).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: " هَذِهِ الآيَةُ ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾ [المَائِدَة: ١٠٥] لِأَقْوَامٍ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِنَا؛ إِنْ قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ" ، وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ؛ لَمْ يَجِبْ عَلِيهِ، كَمَا حُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَا قَالَ الأَوزَاعِيُّ: مُرْ مَنْ تَرَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْكَ" (^٤).
قُلْتُ: وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِإِظْهَارِ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ، وَتَذْكِيرِ النَّاسِ بِأَمْرِ الدِّينِ (^٥).
قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: " وَمَفْهُومُ الآيَةِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى
_________________
(١) أَضْوَاءُ البَيَانِ (١/ ٤٦٥).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٤٣) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٠٥).
(٣) عَونُ المَعْبُودِ (١١/ ٣٣٥).
(٤) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٥٣).
(٥) أَفَادَهُ الغَزَالِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ) (٢/ ٣١٩).
[ ٣٥٦ ]
ظَنِّهِ الانْتِفَاعُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيهِ، وَيَكُونُ الحَالُ إِذًا عَلَى الاسْتِحْبَابِ.
وَهَذَا القَولُ أَظْهَرُ عِنْدِي وَأَصَحُّ، وَهُوَ قَولُ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُم، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم دَخَلُوا عَلَى وُلَاةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَدَخَلُوا عَلَى بَعْضِ الأُمَرَاءِ فِي زَمَنِهِم، فَوَجَدُوا عِنْدَهُم مُنْكَرَاتٍ فَلَمْ يُنْكِرُوا! فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِم عَدَمُ الانْتِفَاعِ بِالأَمْرِ وَالنَّهْي؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُم تَرَكُوا وَاجِبًا!
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَجِبُ؛ يَبْقَى الاسْتِحْبَابُ حِمَايَةً لِلْشَّرِيعَةِ، وَصِيَانَةً لِهَذَا الوَاجِبِ الشَّرْعِيِّ، وَكَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا
ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» (^١)! يَعْنِي أَنَّهُ يَامُرُهُ مَرَّةً وَيَتْرُكُ ذَلِكَ، فَيَبْقَى هَذَا عَلَى جِهَةِ الاسْتِحْبَابِ دَائِمًا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ فِي إِنْكَارِ المُنْكَرِ" (^٢).
_________________
(١) ضَعِيفٌ. أَبُو دَاودَ (٤٣٣٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. الضَّعِيفَةُ (٢٠١).
(٢) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لصَالِح آلِ الشَّيخِ (ص: ٤٦٧).
[ ٣٥٧ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يُنْكَرُ عَلَى وُلَاةِ الأَمْرِ عَلَانِيَةً؟
الجَوَابُ: إِنَّ الإِنْكَارَ عَلَى الأُمَرَاءِ لَا يَكُونُ عَلَانِيَةً بِمَرْأًى مِنَ النَّاسِ! إِلَّا إِنْ كَانَ المُنْكَرُ عَلَانِيَةً تَفُوتُ فَائِدَةُ إِنْكَارِهِ بِمُضِيِّ وَقْتِهِ؛ وَإِلَّا فَالأَصْلُ الإِسْرَارُ.
فَالإِنْكَارُ عَلَى الوُلَاةِ نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ، وَلَكِنَّهُم فَرَّقُوا بَينَ المُنْكَرِ الَّذِي يُفْعَلُ أَمَامَ النَّاسِ عَلَنًا كَحَالِ الأَمِيرِ الَّذِي قَدَّمَ خُطْبَتَيِّ العِيدِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَمَا بَينَ مَا يُجْرِيهِ فِي وِلَايَتِهِ؛ فَجَعَلُوا مَا يُجْرِيهِ فِي وِلَايَتِهِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ النَّصِيحَةِ، وَمَا يَفْعَلُهُ عَلَنًا يَاتِي عَلِيهِ هَذَا الحَدِيثُ (^١).
وَكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَومَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى؛ فَأَوَّلُ شَيءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ -وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ- فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَامُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَو يَامُرَ بِشَيءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ -وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ- فِي أَضْحىً أَو فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَينَا المُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ؛ فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ! فَجَبَذْتُ بِثَوبِهِ؛ فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ. فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ! فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ؛ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ. فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ -وَاللَّهِ- خَيرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ. فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ" (^٢).
_________________
(١) يُنْظَرْ: (شَرْحَ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ) لصَالِح آلِ الشَّيخِ (ص: ٤٧٢).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٩٥٦)، وَمُسْلِمٌ (٨٨٩).
[ ٣٥٨ ]
وَمِمَّا جَاءَ فِي أَنَّ الأَصْلَ فِي الإِنْكَارِ عَلَى الوُلَاةِ هُوَ الإِسْرَارُ مَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ يَاخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ؛ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا قَدْ كَانَ أَدَّى الَّذِي عَلَيه» (^١).
وَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟! فَقَالَ: أَتُرَونَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ! وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَينِي وَبَينَهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لأَحَدٍ -يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا-: إِنَّهُ خَيرُ النَّاسِ! بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَومَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَامُرُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَر؟! فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ
المُنْكَر وَآتِيهِ» (^٢).
قَالَ الشَّيخُ الفَاضِلُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى سُنَنِ
أَبِي دَاوُدَ -عِنْدَ حَدِيثِ «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (^٣) -:
" وَهَذَا الحَدِيثُ لَا يُسْتفَادُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الكَلَامِ عَلَى أَخْطَاءِ الوُلَاةِ عَلَى المَنَابِرِ! لِأَنَّ هَذَا تَشْهِيرٌ وَإِيذَاءٌ، وَالإِنْسَانُ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُنْصَحَ عَلَى المَنَابِرِ، وَأَنْ
_________________
(١) صَحِيحٌ. كِتَابُ (السُّنَّةُ) لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ (١٠٩٦) عَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا. وَفِي ظِلَالِ الجَنَّةِ (١٠٩٦): بَابُ «كَيفَ نَصِيحَةُ الرَّعِيَّةِ لِلوُلَاةِ». وَأَورَدَهُ أَيضًا الهَيثَمِيُّ ﵀ فِي المَجْمَعِ: بَابُ «النَّصِيحَةُ لِلأَئِمَّةِ وَكَيفِيَّتُهَا» (٥/ ٢٢٩).
(٢) البُخَارِيُّ (٣٢٦٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٨٩).
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاودَ (٤٣٤٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١١٠٠).
[ ٣٥٩ ]
يُشَهَّرَ بِهِ عَلَى المَنَابِرِ، وَأَنْ يُتكَلَّمَ مَعَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ (^١)! وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلِيهِ: (مَنْ نَصَحَ أَخَاهُ سِرًّا؛ فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ، وَمَنْ نَصَحَهُ عَلَانِيَةً؛ فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ) " (^٢).
قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ أُسْلُوبَ نَصِيحَةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَبِي شُرَيحٍ -خُوَيلِدِ بْنِ عَمْرٍو- الْخُزَاعِيِّ الْعَدَوِيِّ ﵁؛ حِينَ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ -وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ- ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَولًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَومِ الْفَتْحِ؛ فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَينَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: " أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ! فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ؛ وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ! وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَومَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ؛ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيحٍ: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ! " (^٣).
_________________
(١) وَهُوَ يُجَرِّئُ السُّفَهَاءَ عَلَيهِم، كَمَا أَنَّهُ يُفَرِّقُ كَلِمَتَهُم الَّتِي لَا تَتِمُّ مَصَالِحُ النَّاسِ إِلَّا بِهَا.
(٢) شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاودَ الصَّوتِيِّ (شَرِيط: ٣٧٣).
(٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (١٠٤)، وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٣٥٤). قُلْتُ: إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ فِيهَا وَبَينَ طَلَبِ أَهْلِ الإِجْرَامِ فِيهَا مِن اللُّصُوصِ وَالقَتَلَةِ!
[ ٣٦٠ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ قَولُهُ: ﵊: «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ دُونَ اعْتِبَارٍ لِلفِتْنَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَى ذَلِكَ؟
الجَوَابُ: " لَا، بَلْ إِذَا خَافَ فِي ذَلِكَ فِتْنَةً فَلَا يُغَيَّرْ، لِأَنَّ المَفَاسِدَ يُدْرَأُ أَعْلَاهَا بِأَدْنَاهَا، كَمَا لَو كَانَ يَرَى مُنْكَرًا يَحْصُلُ مِنْ بَعْضِ الأُمَرَاءِ -وَيَعْلمُ أَنَّهُ لَو غَيَّرَ بِيَدِهِ اسْتَطَاعَ- وَلَكِنْ تَحْصُلُ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ إِمَّا عَلِيهِ هُوَ، وَإِمَّا عَلَى أَهْلِهِ، وَإِمَّا عَلَى قُرَنَائِهِ مِمَّنْ يُشَارِكُونَهُ فِي الدَّعْوَةِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، فَهُنَا نَقُولُ: إِذَا خِفْتَ فِتْنَةً فَلَا تُغَيِّرْ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ [الأَنْعَام: ١٠٨] " (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: " يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا لِرَسُولِهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ -وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ- إِلَّا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلِيهِ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِنْهَا؛ وَهِيَ مُقَابَلَةُ المُشْرِكِينَ بِسَبِّ إِلَهِ المُؤْمِنِينَ -وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ-" (^٢).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي مَعْرِضِ الإِنْكَارِ عَلَى الوُلَاةِ:
" وَأَمَّا الخُرُوجُ عَلَيهِمْ بِالسَّيفِ؛ فَيُخْشَى مِنْهُ الفِتَنُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى سَفْكِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ.
نَعَمْ؛ إِنْ خَشِيَ فِي الإِقْدَامِ عَلَى الإِنْكَارِ عَلَى المُلُوكِ أَنْ يُؤْذِيَ أَهْلَهُ أَو جِيرَانَهُ؛ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ حِينَئِذٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَدِّي الأَذَى إِلَى غَيرِهِ، كَذَلِكَ قَالَ الفُضَيلُ بْنُ عِيَاضٍ وَغَيرُهُ.
وَمَعَ هَذَا؛ فَمَتَى خَافَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ السَّيفَ أَوِ السَّوطَ أَوِ الحَبْسَ أَوِ القَيدَ
_________________
(١) شَرْحُ الأَرْبَعِينَ لِابْنِ عُثَيمِينَ (ص: ٣٣٦).
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ٣١٤).
[ ٣٦١ ]
أَوِ النَّفْيَ أَو أَخْذَ المَالِ أَو نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأَذَى؛ سَقَطَ أَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ، وَقَدْ نَصَّ الأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيرُهُمْ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَتَعَرَّضُ لِلسُّلْطَانِ؛ فَإِنَّ سَيفَهُ مَسْلُولٌ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ كَالجِهَادِ؛ يَجِبُ عَلَى الوَاحِدِ أَنْ يُصَابِرَ فِيهِ الِاثْنَينِ وَيَحْرُمَ عَلَيهِ الفِرَارُ مِنْهُمَا، وَلَا يَجِبَ عَلَيهِ مُصَابَرَةُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ خَافَ السَّبَّ أَو سَمَاعَ الكَلَامِ السَّيِّءِ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الإِنْكَارُ بِذَلِكَ! نَصَّ عَلَيهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِنِ احْتَمَلَ الأَذَى وَقَوِيَ عَلَيهِ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيهِ أَحْمَدُ أَيضًا، وَقِيلَ لَهُ: أَلَيسَ قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ؛ أَنْ يُعَرِّضَهَا مِنَ البَلَاءِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ»، قَالَ: لَيسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ" (^١).
وَقَالَ أَيضًا الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: آمُرُ السُّلْطَانَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ؛ فَلَا، ثُمَّ عُدْتُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عُدْتُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا؛ فَفِيمَا بَينَكَ وَبَينَهُ.
وَقَالَ طَاوُسُ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ؛ فَقَالَ: أَلَا أَقُومُ إِلَى هَذَا السُّلْطَانِ فَآمُرُهُ وَأَنْهَاهُ؟ قَالَ: لَا؛ تَكُنْ لَهُ فِتْنَةً، قَالَ: أَفَرَأَيتَ إِنْ أَمَرَنِي بِمَعْصِيَةِ اللهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ الَّذِي تُرِيدُ؛ فَكُنْ حِينَئِذٍ رَجُلًا" (^٢).
_________________
(١) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٤٩).
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٤٨).
[ ٣٦٢ ]
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ (^١) حَدِيثَ جِهَادِ الأَئِمَّةِ بِاليَدِ «فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» (^٢) لِمُخَالَفَتِهِ الأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى جَورِ الأَئِمَّةِ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ: " إِنَّ التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقِتَالَ! وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، فَقَالَ: التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ لَيْسَ بِالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ! وَحِينَئِذٍ فَجِهَادُ الْأُمَرَاءِ بِالْيَدِ أَنْ يُزِيلَ بِيَدِهِ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، مِثْلُ أَنْ يُرِيقَ خُمُورَهُمْ، أَوْ يَكْسِرَ آلَاتِ الْمَلَاهِي الَّتِي لَهُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ يُبْطِلَ بِيَدِهِ مَا أَمَرُوا بِهِ مِنَ الظُّلْمِ -إِنْ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ-، وَكُلُّ هَذَا جَائِزٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ قِتَالِهِمْ، وَلَا مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمِ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ! فَإِنَّ هَذَا أَكْثَرُ مَا يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُقْتَلَ الْآمِرُ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ؛ فَيُخْشَى مِنْهُ الْفِتَنُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ" (^٣).
_________________
(١) كالإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ) (٢/ ٢٤٨).
(٢) وَقَدْ سَبَقَ.
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٤٨).
[ ٣٦٣ ]
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَجُوزُ تَسَوُّرُ الجُدْرَانِ وَالتَّجَسُّسُ عَلَى مَنْ عُلِمَ مِنْهُمُ الاجْتِمَاعُ عَلَى مُنْكَرٍ فِي نَادِيهِم؟
الجَوَابُ: لَا يَجُوزُ، بَلْ أَنْكَرَهُ الأَئِمَّةُ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّجَسُّسِ المَنْهِيِّ عَنْهُ (^١)، وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: إِنَّهُ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا! قَالَ: " قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ؛ فَإِنْ يَظْهَرْ لَنَا نُقِمْ عَلَيهِ" (^٢).
وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي المُنْكَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُهُ سِرًّا -بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَنْهُ- انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا -كَالزِّنَا وَالقَتْلِ- فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّجَسُّسُ وَالإِقْدَامُ عَلَى الكَشْفِ وَالبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ مِنِ انْتِهَاكِ المَحَارِمِ.
_________________
(١) وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا، وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَو يَتْرُكَ». البُخَارِيُّ (٥١٤٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٦٣).
(٢) رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١٨٩٤٥).
[ ٣٦٤ ]
- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَولُ اللهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾ [المَائِدَة: ١٠٥] أَلَا يَدُلُّ أَنَّ المُسْلِمَ مَعْنِيُّ بِنَفْسِهِ فَقَطْ! وَلَيسَ عَلِيهِ شَيءٌ فِي كَونِ غَيرِهِ ضَالًّا؟!
الجَوَابُ: لَا؛ فَإِنَّ المَعْنَى: إِذَا قُمْتُم بِمَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْكُم مِنَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ فَقَدْ أَدَّيتُم مَا عَلَيكُم، وَلَا يَضُرُّكُم بَعْدَ ذَلِكَ ضَلَالُ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُم.
كَمَا جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُم تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيرِ مَوضِعِهَا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾ [المَائِدَة: ١٠٥]! وَإِنَّمَا سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ؛ فَلَمْ يَاخُذُوا عَلَى يَدَيهِ؛ أَوشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ» (^١).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٣٨) عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٣٥٣).
[ ٣٦٥ ]
- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: هَلْ لِمَنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي أَمْرِ دِينِهِ، أَو قَائِمًا عَلَى بَعْضِ المَعَاصِي أَنْ يَامُرَ بِالمَعْرُوفِ أَو يَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَونَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البَقَرَة: ٤٤]؟!
الجَوَابُ: قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " لَيسَ فِي الآيَةِ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِمَا أُمِرَ بِهِ أَنَّهُ يَتْرُكُ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ! لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى التَّوبِيخِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الوَاجِبَينِ؛ وَإِلَّا فَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ عَلَى الإِنْسَانِ وَاجِبَينِ: أَمْرَ غَيرِهِ وَنَهْيَهُ، وَأَمْرَ نَفْسِهِ وَنَهْيَهَا، فَتَرْكُ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ رُخْصَةً فِي تَرْكِ الآخَرِ! فَإِنَّ الكَمَالَ أَنْ يَقُومَ الإِنْسَانُ بِالوَاجِبَينِ، وَالنَّقْصَ الكَامِلَ أَنْ يَتْرُكَهُمَا، وَأَمَّا قِيَامُهُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ؛ فَلَيسَ فِي رُتْبَةِ الأَوَّلِ، وَهُوَ دُونَ الأَخِيرِ، وَأَيضًا؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى عَدَمِ الانْقِيَادِ لِمَنْ يُخَالِفُ قَولُهُ فِعْلَهُ! فَاقْتِدَاؤُهُم بِالأَفْعَالِ أَبْلَغُ مِنِ اقْتِدَائِهِم بِالأَقْوَالِ المُجَرَّدَةِ" (^١).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " قَالَ العُلَمَاءُ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الحَالِ مُمْتَثِلًا مَا يَامُرُ بِهِ مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ! بَلْ عَلِيهِ الأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِمَا يَامُرُ بِهِ، وَالنَّهْيُّ وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلِيهِ شَيئَانِ: أَنْ يَامُرَ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا، وَيَامُرَ غَيرَهُ وَيَنْهَاهُ؛ فَإِذَا أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا؛ كَيفَ يُبَاحُ لَهُ الإِخْلَالُ بِالآخَرِ؟! " (^٢).
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص: ٥١).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٢/ ٢٣).
[ ٣٦٦ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: كَيفَ يَكُونُ الخَوفُ مُسْقِطًا لِلإنْكَارِ؛ وَفِي الحَدِيثِ «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَو شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَو يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ» (^١)؟!
الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ المَانعَ لَهُ مِنَ الإِنْكَارِ مُجَرَّدُ الهَيبَةِ دُونَ الخَوفِ مِنَ الضَّرَرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ المُسْقِطِ لِلإِنْكَارِ (^٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: " قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ كَالجِهَادِ؛ يَجِبُ عَلَى الوَاحِدِ أَنْ يُصَابِرَ فِيهِ الِاثْنَينِ وَيَحْرُمَ عَلَيهِ الفِرَارُ مِنْهُمَا، وَلَا يَجِبَ عَلَيهِ مُصَابَرَةُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ خَافَ السَّبَّ أَو سَمَاعَ الكَلَامِ السَّيِّءِ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الإِنْكَارُ بِذَلِكَ! نَصَّ عَلَيهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِنِ احْتَمَلَ الأَذَى وَقَوِيَ عَلَيهِ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيهِ أَحْمَدُ أَيضًا، وَقِيلَ لَهُ: أَلَيسَ قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ؛ أَنْ يُعَرِّضَهَا مِنَ البَلَاءِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ»، قَالَ: لَيسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ" (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١١٤٧٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٦٨).
(٢) يُنْظَرُ: جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٤٨).
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٢٤٩).
[ ٣٦٧ ]